فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان
شخصٌ أكل السحور بعد الفجر وهو جاهل بطلوعه ، هل صومه صحيح؟ كذلك من جامع امرأته بعد الفجر جاهلاً بطلوعه هل يصحّ صومه؟
جواب فضيلة الشيخ
أولاً : في هذا الزمان قلّ من يجهل طلوع الفجر أو غروب الشمس، لأن الناس قد ضبطوا هذه الأوقات بطريق الحساب والساعات ، فيُعلم طلوع الفجر وغروب الشمس بالساعة ولا يحتاج ذلك إلى تبيّن الفجر بظهور بياضه عن سواد الليل . ولذلك لا يكون ذلك عذراً إلا لمن لا يمتلك ساعة . وهذا لا يتصور إلا في بعض قرى البادية ، وبعض أهل هذه القرى ممن لا يستخدمون الساعات ونحوها . وعليه:
[1] فمن أكل من هؤلاء السحور بعد الفجر وهو جاهل بطلوعه عليه أن يمسك ذلك اليوم ولا يفطر . وهل عليه قضاء أو لا ؟ ذهب العلماء إلى قولين:
القول الأول: يجب عليه القضاء ، وهو قول الجمهور ، قياساً على أنه لو غُمَّ هلال رمضان فأصبح مفطراً ثم تبيّن أن ذلك اليوم الأول من رمضان؛ وجب عليه القضاء بالاتفاق فكذلك هذا (1).
القول الثاني: يتمّ صومه ، ولا قضاء عليه . وهو قول جماعة من التابعين وغيرهم : عروة بن الزبير ، ومجاهد ، والحسن وإسحاق بن راهوية، ورواية عن عمر بن الخطاب ، وهو قول لأحمد بن حنبل. مستدلين بالقرآن والسنة :
فمن القرآن استدلوا بقوله تعالى (2) وقد أخطأ في تبيّن الفجر فأكل.
ومن السنة قوله ﷺ: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)(3) .
أما من جامع امرأته وقد طلع الفجر وهو جاهل بطلوعه:
فإن العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب :
المذهب الأول : أن عليه القضاء والكفارة ، وهو قول الحنابلة والظاهرية وابن الماجشون من المالكية .
المذهب الثاني : أن عليه القضاء فقط ، لأنه أفسد صوم يومه خطأ ولم يتعمد. وهو قول مالك والليث والأوزاعي .
المذهب الثالث: أنه لا قضاء عليه ولا كفارة ، وهو قول الأكثرين: الحنفية، والشافعية ، وإسحاق بن راهوية ، وأبو ثور ، ومن التابعين الحسن ومجاهد والنخعي وغيرهم(4) .
وهذا هو الراجح : جمعاً بين النصوص ، فإن الله تعالى ورسوله ﷺ قد عمّما وضع المؤاخذة عن المخطئ في قوله تعالى ، وقوله تعالى (5) وقوله ﷺ: ( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ). فلما أمر النبي ﷺ الأعرابي الذي واقع زوجته في نهار رمضان بالكفارة ، عرفنا أنه جماع لا خطأ فيه ولا نسيان ، وبالجمع بينها نعلم أن ما كان على خطأ لا قضاء فيه ولا كفارة، لأن الخطأ لا مؤاخذة فيه ، وما كان على خلافه كان فيه الكفارة. والله تعالى أعلم ..
الحواشي
فتح الباري ، 4/236 ، وانظر : المغني 3/52 .
سورة الأحزاب ، الآية (5)
أخرجه ابن ماجة في باب طلاق المكره والناسي برقم (2045) ، 1/659 ، والبيهقي في السنن الكبري باب مالا يجوز إقراره برقم 11256 ، 6/84 ، والدار قطني في سننه 4/170، وابن حبان في صحيحه باب ذكر الأخبار عما وضع الله بفضله عن هذه الأمة ، 6/202 ، والطبراني في الأوسط بلفظ “وضع عن أمتي” 8/161 .
تراجع المذاهب في : الاستذكار 10/111 ، الأم 2/99 ، المجموع 6/352 ، ومجموع الفتاوى 25/226 .
سورة البقرة ، الآية (286)
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س
إثبات دخول شهر رمضان بالحساب
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان
أصبحنا في الآونة الأخيرة نسمع كثيراً أن الحساب قطع بعدم رؤية الهلال أو بعدم إمكانية رؤيته، فهل يصح الأخذ بالحساب الفلكي لإثبات شهر رمضان؟ وما هي حقيقة هذا الحساب الذي يتحدث عنه العلماء ويختلفون حوله في كل عام؟ أفيدونا نفع الله بكم شيخنا.
جواب فضيلة الشيخ
المقصود بالحساب الذي يثبت به دخول شهر رمضان؛ ما يُعرف بالحساب الفلكي، وهو علم معروف للفقهاء من العصور الإسلامية الأُولى، واليوم له خبراء وعلماء مختصون، وقد بلغ الحساب الفلكي مبلغاً عظيماً في الدقّة حتى صار في غالبه قطعياً، مما جعل احتمال الخطأ في حسابه يصل إلى ما لا يعتبر خطأً فنسبة الخطأ في تقديراته100,000 / 1 (واحد إلى مائة ألف) في الثانية. ولا يُعلم بين علماء الشريعة من أنكر الحساب، فلا خلاف في وكونه علماً من العلوم المعتبرة، وإنما الخلاف بينهم في اعتماده طريقاً شرعياً لإثبات دخول الشهر وخروجه.
وبالطبع ليس المقصود بالحساب؛ علم التنجيم الذي يرفضه الشرع ويذمه العلماء، وإنما المقصود بالحساب؛ الحساب الفلكي المنبثق من علم الفلك القائم على الأسس الرياضية العلمية القطعية، وقد اعترف أئمتنا وشهدوا لهذا الحساب بالاعتبار والصحة، فهذا الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول معترفاً بصحة علم الحساب: “لا ريب أن النجوم نوعان: حساب، وأحكام، فأما الحساب فهو معرفة أقدار الأفلاك والكواكب، وصفاتها، ومقادير حركاتها، وما يتبع ذلك، فهذا في الأصل علمٌ صحيحٌ لا ريب فيه”(1).
أما بخصوص اعتبار أو اعتماد الحساب الفلكي طريقاً من طرق إثبات الأهلة لا سيما في دخول شهر رمضان وشهر شوال؛ فللعلماء في ذلك ـ قدامَى ومعاصرين ـ أربعة مواقف، على النحو الآتي:
الْموقف الأول: هو موقف من يمنع اعتبار الحساب مطلقاً، وهم الجمهور من قدامى الفقهاء ومتأخريهم. فذهب هؤلاء إلى أنّ الحساب لا يثبت به دخول شهر رمضان ولا خروجه أبداً، وأنّ الذي يثبت به ذلك هو “فقط” الرؤية البصرية. وقد نصر هذا الموقف الإمام النووي والحافظ ابن حجر وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم، رحمهم الله تعالى (2).
الْموقف الثاني: هو موقف من يعتبر الحساب مطلقاً، وهم فئة من العلماء المعاصرين، كالشيخ مصطفى الزرقا، وطنطاوي جوهري، وهو الموقف الظاهر للشيخ أحمد محمد شاكر، وغيرهم. وهؤلاء ذهبوا إلى أنّ الحساب يمكن أن يقوم مقام الرؤية البصرية في إثبات الشهر مطلقاً، سواء غُمَّ علينا أو لم يغم، وسواء يمكن رؤيته أم لم يمكن رؤيته، ويؤخذ بالحساب مطلقاً في نفي الرؤية واستحالته، وفي إثبات إمكان الرؤية وغير ذلك مما يمكن الأخذ بالحساب فيه.
الْموقف الثالث: وهو موقف من اعتبر الحساب على العموم، ولكن في إثبات هلال رمضان أو شوال به قالوا: يعتبر الأخذ بالحساب بالنسبة لأهل الحساب وحدهم، فيجب على الحاسب الأخذ بحسابه في إثبات دخول شهر رمضان، فيصوم لنفسه وجوباً.
وهذا الرأي هو الذي أخذ به أبو العباس بن سريج من أئمة الشافعية وحكاه عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ، وهو مذهب جماعة من أئمة الشافعية: القفّال، والقاضي أبي الطيب رحمهم الله وغيرهم(3).
الْموقف الرابع: وهو موقف من يعتبر الحساب على العموم، ولكن في إثبات شهر رمضان أو شوال به يأخذون بالحساب في حالة النفي دون حالة الإثبات، وهو مذهب أكثر من يرى اعتبار الحساب من السابقين والمعاصرين، وهو ما أخذت به بعض المجامع الفقهية وبعض مجالس الإفتاء(4).
وهؤلاء مع أنهم يرون وجوب الأخذ بالرؤية؛ إلاّ أنهم جعلوا شرط العمل بالرؤية عدم نفي الحساب الفلكي القطعي إمكانية الرؤية، فإذا نفى هذا الحساب إمكان الرؤية فلا يعتدّ بشهادة الرؤية.
ومن أصحاب هذا القول من الفقهاء المعروفين: الإمام ابن دقيق العيد، والإمام تقي الدين السبكي، والشيخ محمد بن عبد الوهاب المراكشي، وجماهير المعاصرين القائلين بالحساب.
ومن العلماء المعاصرين: أحمد محمد شاكر، ومحمد رشيد رضا، وطنطاوي جوهري، ومصطفى الزرقا. ومن شيوخ الأزهر: الشيخ المراغي، والمطيعي مفتي الديار المصرية في زمانه، وجاد الحق علي جاد الحق، وهو رأي الشيخ علي الطنطاوي، ومحمد سلامة جبر، والشيخ يوسف القرضاوي وغيرهم (5).
والرَّاجح: من مواقف العلماء من الحساب وإثبات الشهر به، موقف من توسّط منهم، فذهب إلى الأخذ بالحساب في حالة النفي على سبيل القطع واليقين، فترد شهادة الرؤية به، أمّا إذا قضى الحساب بإمكان الرؤية فعندئذ يؤخذ بالرؤية، ويعتمد ثبوت الشهر بالرؤية؛ فإنْ رؤي الهلال صام الناس، وإنْ لم يُرَ الهلالُ لم يصوموا.
وإنما رجّحنا هذا الرأي لوجوه كثيرة هي ما يلي:
الوجه الأول:
قوله تعالى (6) فيه اعتبار الحساب، فإنّ ﴿ شَهِدَ ﴾ في الآية؛ فيه معنى الشهود العلمي، بطريق الحساب، لأنه إمّا من شهد يشهد شهوداً، من الحضور والإقامة؛ وإمّا من شَهِدَ يشهد مشاهدة شهادة، والشهادة إنما تكون بطريق العلم، كما في قوله تعالى (7).و﴿ شَهِدَ ﴾ هنا مرادٌ به العلم والحكم والبيان.
فشهد الله والملائكة وأولو العلم ، بمعنى: علم الله والملائكة وأولو العلم، فشهد تكون بمعنى علم(8)، والعلم بدخول الشهر قد يكون بالإخبار وقد يكون بحساب المنازل، لأن القمر له منازل محددّة يمكن تقدير الشهر بها كما قال تعالى (9). فدلّ أن الحساب يمكن أن يعرف به دخول الشهر ويجب به الصوم.
واعتبار علم الحساب وتصحيحه قال به غير واحد من أئمتنا، فنرى الإمام المرغيناني الحنفي رحمه الله يقول: ” إنّ علم النجوم قسمان: أحدهما الحسابيّ وهو حقّ ةقد نطق به الكتاب، قال تعالى ( الشمس والقمر بحسبان).. بل إنّ كثيراً من الآيات ترغب في علم الهيئة لمعرفة حساب الشهور والسنين من منازل القمر..”(10).
كما نرى الإمام الغزالي رحمه الله يقول: ” علم النجوم الذي يُعرف به سير الكواكب والشمس والقمر ، وكذلك علم الهيئة ، لن يكذبه الشرع، بل يهتدي به إلى معرفة السنين والشهور وأوقات الصيام والحج ومواقيت الصلاة، فإنكار هذا قصورٌ وجهلٌ”(11).
ونجد كذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يعتبره حيث يقول: “لا ريب أن النجوم نوعان: حسابٌ وأحكامٌ، فأما الحساب فهو معرفة أقدار الأفلاك والكواكب، وصفاتها، ومقادير حركاتها، وما يتبع ذلك، فهذا في الأصل علمٌ صحيح لا ريب فيه”(12).
الوجه الثاني:
قوله تعالى (13). وفيه اعتبار الحساب، والشاهد من الآية : قوله تعالى . ووجه الدلالة أنه تعالى قدر القمر منازل ليكون ذلك طريقاً لمعرفة السنين، وطريقاً لحساب الشهر، وذلك من وجهين:
أولهما: أنّ اللام في ﴿ لِتَعْلَمُوا ﴾ سببية، والمعنى: ليكون تقدير المنازل سبباً وطريقاً لمعرفة السنين والحساب.
وثانيهما: أنّ السنين تقابل الشهور، والعدد يقابل الحساب، فدلّت الآية أن السنين عددية، فإذا كانت السنة عددية فالشهر يمكن أن يكون حسابياً،فيكون المعنى: لتعلموا بالعد السنين، ولتعلموا بالحساب الشهور، فكانت معرفة الشهر ودخوله وخروجه بطريق الحساب وجهاً شرعياً.
وقد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مع أنه يمنع من الأخذ بالحساب فيقول: ” سُنّة الروم والسريانيين والقبط ونحوهم من الصابئين والمشركين أنْ يجعلوا السنة طبيعية والشهر عددياً ، أما سُنَّة المسلمين؛ فأنْ يكون الشهر طبيعياً والسنة عددية فالسنين عددية ، وما قابل العدد الحساب ، وما يقابل السَّنة الشهر ، فإذا كانت السنة عددية ، فالشهر حسابي ، ولعله المقصود من الآية”(14).
الوجه الثالث:
إنّه لا تعارض بين اعتبار الحساب وحديث: ( صوموا لرؤيته) لأن الشارع علّق الرؤية بالهلال لا بالرائين، فقال: ( صوموا لرؤيته) ولم يقل (صوموا لرؤيتكم)، ولهذا يجب أن يكون الهلال ممكن الرؤية حتى تتم الرؤية، وهذا هو دور الحساب، فصار الحساب في الحقيقة وسيلة من وسائل الرؤية وطريقاً من طرقها، لا أمراً مضاداً للرؤية أو مناقضاً لها.
الوجه الرابع:
إنّ الرؤية كما تكون بصرية فقد تكون علمية.
أما الرؤية البصرية فلا إشكال فيها البتة ولا تحتاج إلى بيان.
أما الرؤية العلمية؛ فهي معتبرة واردة في الشرع، فقد جاءت آيات القرآن في أكثر من ثلاثين آية شاهدة بها مشيرة لها في كثير منها، ومن ذلك:
ـ قوله تعالى (15) أي ألم تعلم، لأنه ﷺ لم ير ذلك وإنما أُخبر فعلم به.
ـ وقوله تعالى (16) أي ألم تعلم، لأنه لم يكن في عهد عادٍ.
ـ وهكذا قوله تعالى (17). وقوله تعالى (18).
بل قد تكون الرؤية رؤية علمية في مجال الفلك والطبيعة على خصوصها، كما في قوله عزّ وجلّ (19). قال الشوكاني رحمه الله: ” هذه الرؤية إمّا بصرية، والمراد بها: ألم تبصر إلى صنع ربك، أو ألم تبصر إلى الظل كيف مدّه ربك؟ وإمّا قلبية بمعنى العلم، فإن الظل متغير، وكل متغير حادث، ولكل حادث موجد . قال الزجاج: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ ألم تعلم”(20).
أقول: إننا نرى مدّ الظلّ رؤية بصرية، ولكننا لا نرى بصرياً كيف مدّ الله تعالى هذا الظلّ، فهذه لا بدّ أن تكون برؤية علمية، بل إن الله عزّ وجلّ ينبّه إلى أنّه قد تكون الشمس دليلاً لهذه الرؤية العلمية، وبالتالي فلا يمنع أن يكون القمر ومنازله دليلاً على إمكان الحساب.
ـ ومن ذلك أيضاً قوله تعالى (21).
فهذه أيضاً رؤية علمية، فإننا لم نر بصرياً كيف يزجي الله السحاب وكيف يؤلف بينه، مع أننا نرى الودق “المطر” يخرج من خلال السحاب، وهذه رؤية بصرية، فجمعت الآية بين الرؤية العلمية والرؤية البصرية.
وعليه: فإنّ قوله ﷺ: (صوموا لرؤيته) يراد به: الرؤية البصرية قطعاً بإجماع الناس، وقد يراد به كذلك الرؤية العلمية التي تكون بطريق الحساب الفلكي العلمي القطعي.
لذلك؛ كان الأَوْلَى تحقيق الرؤيتين ( البصرية والعلمية): بإثبات إمكان الرؤية البصرية بالعلم والحساب، ثم إثبات الهلال بالرؤية البصرية، على أنّ الحساب وسيلة علمية للرؤية التي جاءت الأحاديث آمرة بها، فكان الأخذ بالحساب لمعرفة إمكان الرؤية وعدمها إعمالاً للنصوص الآمرة بالرؤية على وجهها وتحقيق شرطها، فلا يكون تعارض بينها وبين الأخذ بالحساب، كحديث ابن عمر رضي الله عنهما 🙁 لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإنْ غُمَّ عليكم فاقدروا له ) (22)، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإنْ غُمَّىَ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)(23). وحديث أبي هريرة رضي الله عنه الآخر: ( إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا ..) (24). وحديث ابن عمر الآخر: ( إنَّا أمَّة أميَّة، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا) وعقد الإبهام في الثالثة(25).
الوجه الخامس:
إنّ أدلة المانعين من الأخذ بالحساب مطلقاً يمكن مناقشتها بما يندفع بها المنع، فأقوى دليل لمانعي اعتبار الحساب مطلقاً هو استدلالهم بحديث ابن عمر رضي الله عنهما من قول النبي ﷺ: ( إنَّا أمَّة أميَّة، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا). ووجه الدلالة من الحديث: أنّ النبي ﷺ نفى أن تكون الأمّة حاسبة، مصرحاً فيه أن أمته لا تحسب وهو قوله: (لا نكتب ولا نحسب)، وهذا دليل على إلغاء اعتبار الحساب في إثبات الشهر.
ويجاب عنه من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أنّ الأمية صفة نقص لا صفة كمال، ولا تكون إلاّ عذراً، ولهذا اتخذ النبي ﷺ وسائل عديدة ـ كما هو مشهور في السيرة ـ لتعليم أمته القراءة والكتابة. وصفة النقص لا يطلب استدامتها، مما يدلّ على أنّ الحديث حديث عين وحال، أي أن عين الأمة في زمانه ﷺ وحالهم في وقته أنها أمة أمية، لا تكتب ولا تحسب، ويجب تغيير هذا الحال ، فإذا تغيّر الحال تغيّر الحكم. وقد تغيّر الحال فصارت الأمة تكتب وتحسب ، فلا مانع ـ إذنْ ـ بعد تغيّر الحال من اعتبار الحساب.
الوجه الثاني: أنّ الحديث إذا كان بظاهره دالاً على إلغاء اعتبار الحساب، فهو ـ إذنْ ـ دالٌّ على إلغاء اعتبار الكتابة أيضاً، لأنه نصَّ على أنّ الأمّة أمّيّةٌ لا تكتب ولا تحسب، وهذا لا يجوز أن يقول به أحد، لأنّ النبي ﷺ اتخذ من الوسائل ما يجعل أفراد الأمة يتعلمون الكتابة.
الوجه الثالث: أنّ الحديث تفسير وتعليل لبيان الإجمال الواقع في حديث: ( فإنْ غمَّ عليكم فاقدروا له).
والمعنى فاقدروا له لأنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب. فيكون من البيان بيان ما ينبغي أن يكون إذا صرنا نكتب ونحسب، ليدلّ على اعتبار الحساب إذا انتشر علم الحساب واطمأن الناس له.
وهذا نفسه ما يقال في استدلالهم بالحال، وهو ما ذكره الأئمة: النووي وابن حجر والمازري رحمهم الله، على أنّ الحساب علمٌ نادرٌ لا يعرفه إلاّ خاصة من المسلمين، ولذلك لم يعلق الشرع عليه إثبات الشهر ولا صيامه ، وإنما علق على أمر ظاهر يمكن للجميع أن يتحروا به الهلال وهو الرؤية. وقالوا: ” إنّ الناس لو كلفوا بالحساب ضاق عليهم، لأنه لا يعرف الحساب إلاّ أفراد من الناس في البلدان الكبار، والشرع إنما يعرف الناس بما يعرفه جماهيرهم ” (26).
فيقال: الأئمة رحمهم الله تعالى إنما يذكرون ما كان حال الحساب في زمانهم، أما اليوم فقد انتشر علم الحساب وانضبط بحيث أصبح علماً معروفاً بقواعده وأصوله، وإنّ كثيراً من المسلمين الأخيار علماء متمكنون فيه عالِمون به، فلو أُعمل الحساب في رصد الأهلة لكان أضبط في تحقيق الرؤية وأسدد.
أما ما ذكره ابن تيمية رحمه الله مستدلاً للمنع: ” إنّ أرباب الحساب لا يقدرون على أن يضبطوا الرؤية ضبطاً مستمراً ، وإنما يقربوا ذلك فيصيبون تارة ويخطئون تارة” (27).
فيقال: إنما نأخذ من الحساب ما كان قطعياً يقينياً بحيث يكون إمكان الرؤية مقطوعاً به فلا يتطرق إلى ذلك شك أو خطأ.
فاتضح أنه لا مانع من الأخذ بالحساب لمعرفة إمكان الرؤية من عدمه، مع التنبّه إلى أنه: ليس إمكان الرؤية رؤية، بل لا بدّ من التحري للرؤية، فإنْ رؤي عند ذلك فيثبت الشهر، وإنْ لم يُر فلا يثبت الشهر بمجرد قول علماء الحساب إمكان رؤية الهلال.
ومع ذلك؛ فإن جواز الأخذ بالحساب في إثبات شهر رمضان وشوال مشروط بشرطين:
الشرط الأول: أن يكون إعمال الحساب في إمكان الرؤية ونفيه، فلا يثبت بالحساب وحده دخول الشهر دون الرؤية، فلا بدّ من الرؤية، ويكون دور الحساب ـ فقط ـ إثبات هل الرؤية ممكنة أم لا؟.
الشرط الثاني: أن يكون من نوع الحساب الفلكي القطعي اليقيني الذي لا يختلف فيه اثنان من علماء الفلك، وقد توسّع الناس في اعتبار كل ما يدعيه علماء الفلك أنه من الحساب الذي يثبت به الرصد للأهلة، إلا أن الفقهاء انتبهوا لذلك، فبحثوا معهم إلى أن توصلوا إلى أن ما يعتمد من الحساب الفلكي في شأن الأهلة أمور ثلاثة فقط لا غير:
الأمر الأول: حدوث الاقتران للقمر، وساعة ذلك الاقتران.
الأمر الثاني: بقاء القمر بعد غروب شمس التاسع والعشرين من شعبان بالنسبة لرمضان، والتاسع والعشرين من رمضان بالنسبة لشوال.
الأمر الثالث: درجته في الأفق.
فإن قطع الحساب بعدم حدوث اقتران، فلا تقبل الشهادة بالرؤية، لأن القمر لا يولد أصلاً إلا بالاقتران.
وإنْ قطع الحساب بغروب القمر قبل غروب الشمس يوم التحري فلا تقبل شهادة بالرؤية، لأن الهلال لا يوجد وقت الترائي والتحري في الفضاء أصلاً.
وإن قطع الحساب أنّ القمر في درجة أو أقلّ من درجة في الأفق؛ فلا تُقبل الشهادة، لأنّ الدرجة وما دونها تستحيل معها الرؤية للهلال باتفاق أهل المعرفة، وهو الذي قطع به بعض الفقهاء كابن تيمية رحمه الله(28).
أما ما دون ذلك مما يذكره أهل الفلك من السطوع والزاوية ومدة المكوث فلا يعتّد بشيء منها.والله تعالى أعلم..
الحواشي
مجموع الفتاوي ، لابن تيمية ، ج35 ص 181 .
)) راجع شرح النووى لصحيح مسلم ج7 ص270 حتي193، وفتح الباري لابن حجر ج5 ص123-124 مؤسسة مناهل العرفان –بيروت –لبنان 852هـ ومجموع الفتاوى لابن تيمية ج25 ص180حتي 183 تصوير الطبعة الأولى-مطابع دار العربية-بيروت –لبنان.
راجع: المجموع شرح المهذب للامام النووي ج6ص270ومابعدها ط/1دار الفكر-بيروت –لبنلن1417هـ1996م
هو قرار مجمع الفقه الإسلامي السودان، وقرار المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث في دورته العادية الثالثة.، راجع: مجلة مجمع الفقه السوداني العدد الأول، وراجع فتاوى المجموعة الأولى للمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث ط1 1420هـ 1999م، ص 21.
راجع: العلم المنشور في إثبات الشهور، لتقي الدين السبكي، ص 22، وروضة المستبين في شرح كتاب التلقين، لابن بزيزة السنوسي ج1 ص 515، والعذب الزلال للمراكشي، ج1 ص 294، وأوائل الشهور العربية هل يجوز شرعاً إثباته بالحساب الفلكي؟، لأحمد محمد شاكر، والمنار لمحمد رشيد رضا ج28 ص 63، وفتاوى مصطفى الزرقا، ص 161، وفقه الصيام، د. يوسف القرضاوى ص89 ومابعدها، والفتاوى الشرعية محمد سلامة جبر ص56-58 مكتبة عالم ثقافة الطفل الكويت الطبعة الاولى 1409هـ 1989م، وفتاوى الشيخ علي الطنطاوي، دار المناره جدة السعودية ص221، تعيين أوائل الشهور القمرية بين الرؤية والحساب، أ.د. محمد الهواري، ص24 وما بعدها .
بحث تعيين أوائل الشهور القمرية، أ.د. محمد الهواري، ص 24 نقلاً عن مختارات النوازل للمرغيناني.
بحث أ.د. محمد الهواري : تعيين أوائل الشهور القمرية، ص 24، بحث مصطفى كمال التارزي ، مجلة الفقه الإسلامي الدولي ج3 ص 360.
مجموع فتاوى ابن تيمية، ج35 ص 181.
سورة يونس ، 5 .
يراجع: مجموع الفتاوى لابن تيمية ، ج25 ص 174 .
سورة الفيل، 1.
سورة الفجر 6 .
سورة البقرة ، 258 .
سورة الماعون، 1ـ 3 .
سورة الفرقان، 45.
فتح القدير للشوكاني، ج5 ص282.
سورة النور ، 43.
أخرجه البخاري كتاب الصوم باب قول النبي ♀ : ( إذا رأيتم الهلال فصوموا) برقم 1906 ، ومسلم كتاب الصيام باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، برقم 2495ـ3/1 ، ج7 ص 188 بشرح النووي، والنسائي كتاب الصوم باب ذكر الاختلاف على الزهري برقم 2120 . واللفظ لمسلم
أخرجه البخاري الكتاب والباب السابق ، برقم 1909 ، ومسلم نفس الكتاب والباب السابق، برقم 2512ـ 19/18 ، ج7 ص 193 بشرح النووي.
أخرجه مسلم كتاب الصيام ، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، برقم 2510 ، ج7 ص 193 بشرح النووي، والنسائي كتاب الصيام باب ذكر الاختلاف على الزهري برقم 2118 ، وابن ماجة في الصيام باب إكمال شعبان ثلاثين.. برقم 2116، 2117 .
أخرجه البخاري كتاب الصوم باب قول النبي ♀ : ( لا نكتب ولا نحسب) برقم 1913، ومسلم كتاب الصيام باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، برقم 2508 ـ 15/14، ج7 ص 192 بشرح النووي، وأبو داود في الصوم باب الشهر يكون تسعاً وعشرين برقم 2319، والنسائي في الصوم باب ذكر الاختلاف على يحيى بن أبي كثير في خبر أبي سلمة برقم 2139 ، و2140 .
راجع: شرح النووي لصحيح مسلم ج7 ص 189 ، والمجموع شرح المهذب ، ج6 ص 271
راجع: مجموع الفتاوى لابن تيمية ، ج25 ص 174 .
قال رحمه الله: ” إذا كان بعده مثلاً عشرين درجة فهذا يرى ما لم يحل حائل، وإذا كان على درجة واحدة فهذا لا يرى، وأما حول العشرة فالأمر فيه يختلف باختلاف أسباب الرؤية..” انظر: مجموع الفتاوى ج25 ص 186.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س
الاختلاف في بداية شهر رمضان
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان
دائماً في كل سنة يختلف الناس في بداية شهر رمضان وكذلك في العيد، وهذا طبعاً يؤرق كثيراً من المسلمين ويجعلهم لا يثقون بصومهم ولا بفطرهم، وبعضهم يظنّ أنّ العلماء يختلفون فيما بينهم كثيراً من أجل أن يختلفوا لا غير، لأنهم يرون أنّ الصحيح أنْ لا يختلفوا في مثل رمضان وشوال، فما رأيكم؟ وما سبب هذا الخلاف الذي غالباً ما يقع سنوياً فيصوم بلد يوماً ويصوم بلدٌ آخر في يوم آخر؟.
جواب فضيلة الشيخ
اسمح لي أخي السائل أنْ أفصّل في جواب هذا السؤال شيئاً ما لأهميته ولأن الجواب يحتاج بالفعل إلى بعض التفصيل، فنقول بتوفيق الله تعالى:
أولاً: إنّ من المعلوم عند الفقهاء أنه لا يجب صيام رمضان إلاّ إذا ثبت دخول الشهر الكريم، وقد حكى ابن عبد البر رحمه الله عن جمهور أهل العلم أنّ” الأصل أنّه لا يصام رمضان إلاّ بيقين من خروج شعبان، كما لا يقضى بخروج رمضان إلاّ بيقين ” (1).
إذَنْ وحتى يصوم الناس رمضان لا بدّ من التيقن بدخول رمضان وخروج شعبان، وهذا ما يفعله علماء المسلمين في كل بلد، يجتهدون ويتحرون الشهر بطرق تحريه ليثبتوا خروج شعبان ودخول رمضان.
ثانياً: إنّ اختلاف الناس في بداية الصوم ونهايته مقرٌّ غير منكر و ليس فيه شئ يؤاخذ به فريق منهم، فهو مقرٌّ منذ عهد الصحابة من سلف الأمة الأخيار والقرون الخيرة عليهم رضوان الله تعالى، فعن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال: ” فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهلّ عليّ هلال رمضان وأنا بالشام، فرأينا الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس رضي الله عنهما: متى رأيتم الهلال؟ فقلتُ: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته ليلة الجمعة؟ فقلتُ: رآه الناس فصاموا وصام معاوية. فقال: لكن رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين يوماً أو نراه. فقلتُ: ألا نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: “هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ” (2).
وقوله: “هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ” يدلّ على أنّ الصحابة رضوان الله عليهم وبأمر النبي ﷺ كانوا يقرّون الاختلاف في بداية الصوم ونهايته دون إنكار بعضهم على بعض، أو تعنيف بعضهم لبعض، مما يؤكّد أنّ أمر اختلاف بدايات الصوم بين الدول اليوم شئ لا يقلق ولا يخيف بل هو اختلاف سائغ مشروع ولا يدخل في مظاهر الفرقة والتنازع الممقوت والمذموم.
ثالثــاً: مما يجب أن نعلمه ونعرفه في هذه المسألة: أنّ الاختلاف في بدايات الصيام بين الدول مبنيٌّ على ما يُعرف باختلاف المطالع، ولا خلاف بين العلماء في حقيقة اختلاف المطالع في نفسها، والخلاف بينهم إنما هو في اعتبار اختلاف المطالع لا في نفس اختلاف المطالع وحقيقته، ثم اتفقوا أيضاً على اعتبار اختلاف المطالع بين الأندلس وخراسان(3).
ومع أنّ المشهور في مذهب الجمهور عدم اعتبار المطالع، وأنه إذا ثبت الهلال في بلد لزم الجميع، فإنّ من الفقهاء من قال باعتبار اختلاف المطالع وجواز الأخذ به والعمل بموجبه، كبعض الحنفية، وبعض المالكية كالإمام القرافي وابن الماجشون، فيكون الصوم عندهم برؤية البلد وإن خالفت رؤية بلد آخر، إلاّ إذا أمر الإمام الأعظم [الحاكم ] بالصوم برؤية غير البلد ـ كما يرى ابن الماجشون ـ.
ـ والمشهور للشافعية اعتبار اختلاف المطالع في القرب في حدود 72 ميلاً أو 133 كلم.
ـ والصنعاني صاحب سبل السلام يرى اعتبار اختلاف المطالع في البلاد المنفصلة، ولا عبرة باختلافها في البلاد القريبة والمتصلة بها من الجهات التي على سمتها، ” أي خطوط الطول” (4).
رابعـاً: جاءت الإشارة إلى اعتبار اختلاف المطالع وبالتالي اختلاف الناس في بداية رمضان ونهايته في القرآن الكريم في موضعين:
الموضع الأول: عند قوله تعالى والشهر ههنا هلاله، وهذا يعني أنه قد يشهد هلال الشهر أهل السودان ولا يشهده أهل موريتانيا، وقد يشهده الناس في بلاد المشرق ولا يشهدونه في بلدان المغرب، فمن شهد منهم الشهر مطالب بالصوم، وبدلالة مفهوم، “ومن لم يشهد منكم الشهر فليس مطالباً بالصوم” فيتسبّب ذلك في أنْ يتقدّم هؤلاء ويتأخر أولئك.
والموضع الثاني: وهو أصرح من الأول، عند قوله تعالى ويلاحظ أن الله تعالى جعل الأهلة مواقيت الناس ـ في عباداتهم خاصة وعاداتهم عامة ـ ، بينما جعلها ميقاتاً واحداً للحج، ومعنى ذلك: أنّ الهلال أهلة كثيرة في المواقيت كلها بما فيها مواقيت الصيام تتعدد وتتفاوت وتختلف باختلاف المطالع، ولكنه بالنسبة للحج ميقات واحد، وهذا موافق تماماً لواقع الحال في الأمة في تاريخها حيث إنهم مهما اختلفوا في بدايات شهر الصوم؛ فإنهم يتوحّدون يوم الحج الأكبر ويوم عرفة من غير اختلاف أو إبداء أدنَى تنازع، ولله الحمد والمنّة.
خامساً: مما يجب التنبيه إليه في شأن اختلاف الناس في إثبات شهر الصوم، أنّ في هذا الاختلاف منافع شرعية عظيمة، فإنّه به يطول شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النّار، وتطول الأيام على أبواب الجنة المفتّحة وأبواب النار المغلّقة ببقاء شهر رمضان، كما تطول أيام التعطّل عن الإغواء بالشيطان، والاحتواء للشياطين ومردتها حتى يكثر مريدو التوبة والأوبة إلى الله، وحتى يكثر العائدون إلى ربهم، والفارّون إلى الله، فكلّ هذا الخير لو كان المطلع واحداً، وأيام الشهر في سائر الدنيا موحّدة لا تقبل التمدّد بتأخّر يوم بين مطلع ومطلع؛ لقلّ هذا الخير وانحصر، والله تعالى هو الرّحمن الرّحيم وسعت رحمته كل شئ، يمنّ على عباده من النفع والنفح ما يدفعهم به إلى جناته بكرمه وفضله، فليس شراً ـ إذنْ ـ أنْ يختلف الناس في أول الشهر فيبدأ هؤلاء اليوم ويبدأ أولئك غداً، ولا داعي للقلق بشأن ذلك أبداً.
الحواشي
الاستذكار لابن عبد البر ، ج10 ص 19 .
أخرجه الترمذي في كتاب الصيام، حديث رقم 963 ، وقال : هذا حديث حسن صحيح.
راجع حاشيه ابن عابدين ج2ص96، الاستزكار لابن البر ج10ص30
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان
بعض الجهات تعمل إمساكيات في رمضان تحدّد فيها وقت الإمساك بربع ساعة أو ثلث ساعة قبل أذان الفجر، هل الإمساك في هذا الوقت واجبٌ؟ أم يجوز أن نأكل ونشرب حتى أذان الفجر ؟.
جواب فضيلة الشيخ
أولاً : الأصل في الإمساك أن يبدأ مع الفجر، وأنه يجوز الأكل والشرب والجماع إلى الفجر لقوله تعالى (1)
ثانياً : أخذ بعض العلماء بما ورد عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: “تسحّرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة ، قال الراوي : كم كان قدر ذلك؟ قال: قدر خمسين آية ” (2).
فقالوا : يستحب الإمساك في قدر قراءة خمسين آية قبل الفجر. وهو ما ذهب إليه المالكية (3).
وقال الحنفية والشافعية : يمسك بالشك في بقاء الليل ، ويكره له الأكل مع الشك في بقاء الليل دون تقييده بمقدار (4).
والراجح المختار هو: أن الإمساك يكون مع الفجر، وأنه يجوز الأكل والشرب إلى طلوع الفجر بلا كراهة . وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يأكلون ويشربون حتى يطلع الفجر ويتبيّنوا طلوعه ، بل كانوا يأكلون ويشربون ما داموا شاكين في طلوع الفجر كما مرّ في المقدمات.
وعن عامر بن مطر قال : ” تسحّرنا مع رسول الله ثم قمنا إلى الصلاة”(5).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال : ( إنّ بلالاً يؤذّن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم ) (6). ولم يكن بين أذانهما إلاّ أن ينزل هذا ويصعد هذا (7). وهذا هو أمر النبي ﷺ الذي أقلّ ما يدلّ عليه الجواز، ولا يمكن بحال أن يكون دالاً على الكراهة ، لأن المكروه لا يؤمر به، وأرى أن الأمر في هذا الحديث يراد به الاستحباب، لأن تأخير السحور مستحب باتفاق العلماء ـ كما تقرر ـ.
وعن سالم مولى أبي حذيفة أنه كان مع أبي بكر على سطح في رمضان وهو يصلي فأتاه فقال ألا تطعم يا خليفة رسول الله ﷺ فأشار بيده حتى فعل ذلك مرتين فلما كان في الثالثة قال ائتني بطعامك فطعم وصلى ركعتين ثم دخل المسجد وأقيمت الصلاة (8).
وعن مطر الشيباني قال: ” تسحّرنا مع عبد الله ثم خرجنا فأقيمت الصلاة” (9).
كل هذه الروايات ـ مع ما مرّ من طريقة السلف الصالح في الأكل مع الشك في طلوع الفجر ـ تبيّن السنّة في المسألة.
أما حديث زيد بن ثابت فهو فعل دال على الجواز والجائز لا يمنع غيره ولا يكرهه.
وفي سنن البيهقي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ( إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه ) (10). وليس المراد جواز الأكل بعد تبيّن الفجر ، لأن الله تعالى حدد آخر وقت جواز الأكل والشرب بتبيّن الفجر. فإذا جمعنا بين صريح القرآن وسياق الحديث يكون المراد في الحديث النداء الأول، وإلاّ فكيف يأكل من تيقّن الفجر إذا كان المؤذن موثوقاً به وقد قال النبي ﷺ في المؤذنين: (المؤذنون أمناء الله على فطرهم وسحورهم)(11)..
والله تعالى أعلم .
الحواشي
(1) البقرة: 187
البخاري في الصوم برقم 1821 ومسلم في الصيام برقم 1097 .
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ، 1/515 .
حاشية ابن عابدين 2/419 ، الأم للشافعي 2/96.
أخرجه الطبراني في الكبير وقال الهيثمي : رجاله ثقات ، مجمع الزوائد 3/153 .
أخرجه الدارمي باب وقت أذان الفجر 1/288، والنسائي باب المؤذنان للمسجد الواحد 2/10 وأخرجه البخاري في كتاب الأذان باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره 1/223.
سنن البيهقي 1/ 382،429 والطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في المجمع 3/154 .
أخرجه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح ، مجمع الزوائد 3/153 .
رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح.
أخرجه البيهقي باب من طلع الفجر وفي فيه شيء ، 4/218 برقم 7800 .
أخرجه الطبراني في الكبير وقال الهيثمي : ” إسناده حسن ” مجمع الزوائد 2/2.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س
نهاية الاعتكاف وخروج المعتكف
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف
جزاك الله خيراً بينت لنا وقت ابتداء الاعتكاف ودخول المعتكف، فتكون أحسنت إلينا إذا أوضحت لنا أيضاً الوقت الذي يمكن للمعتكف في العشر الأواخر أن يخرج فيه إلى أهله ويعود فيه إلى بيته؟.
جواب فضيلة الشيخ
وقت الخروج من المعتَكَف ونهاية الاعتكاف؛ العلماء فيه على ثلاثة مذاهب(1):
المذهب الأول: مذهب الاستحباب، وهو استحباب أن يبيت المعتكف ليلة العيد في معتكفه، ثم يتوجه إلى مصلى العيد، فلا يرجع إلى بيته إلا بعد الصلاة، وهذا قول مالك وأحمد والنخعي وأبي بكر بن عبد الرحمن وأبي قلابة وأبي مجلز وغيرهم.
ـ قال مالك: رأيت أهل العلم إذا اعتكفوا في العشر الأواخر من رمضان لا يرجعون إلى أهليهم حتى يشهدوا الفطر مع المسلمين(2).
ـ وقال إبراهيم النخعي:” كانوا يحبون لمن اعتكف العشر الأواخر من رمضان أن يبيت ليلة الفطر في المسجد ثم يغدو إلى المصلى من المسجد(3).
ـ وكان أبو قلابة يبيت في المسجد ليلة الفطر ثم يغدو كما هو إلى العيد(4).
ـ وكان أبو بكر بن عبد الرحمن لا يرجع حتى يشهد العيد مع المسلمين(5).
المذهب الثاني: مذهب الجواز، وهو أنه يجوز له أن يخرج بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان، أي ليلة العيد، لانتهاء العشر بدخولها، وليلة العيد ويوم العيد ليسا من العشر الأواخر التي اعتكفها، وهذا ما ذهب إليه أبو حنيفة والشافعي والليث بن سعد والأوزاعي وقالوا: “إذا أهلّ هلال شوال فقد أتم العشر”(6).
المذهب الثالث: مذهب المنع: وهو أن المعتكف لا يخرج من معتكفه إلا إلى مصلّى العيد بما عليه من ثياب، فلو خرج من معتكفه إلى أهله ليلة العيد أو قبل صلاة العيد بطل اعتكافه ويعيده، وهذا قول ابن الماجشون وسحنون من المالكية.
وقد أنكر عليهم الأئمة حتى قال ابن عبد البر: ” لم يقل بقولهما أحدٌ من أهل العلم فيما علمت”(7).
وبهذا خرج هذا القول الثالث وهو مذهب شاذ لا يعتد به ولا دليل عليه يستند إليه.
وعليه فالمذهبان الأولان لا تعارض بينهما، إذ مدلول المذهبين أنه يجوز الخروج إلى الأهل بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان، ولكن من بات ليلة العيد في المسجد ثم توجه من المسجد إلى مصلى العيد فلم يرجع إلى أهله إلا بعد الصلاة فهذا أفضل ويستحب ولا يجب.
تقبل الله من المعتكفين اعتكافهم، ومن الصائمين صيامهم، ومنا هذا الجهد، سائلاً مولاي وإلهي وربي أكرم الأكرمين أن ينفع به؛؛؛..
والحمد لله رب العالمين.
الحواشي
راجع المسألة في: الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 294 وما بعدها، المغني لابن قدامة ج3 ص 155 – 157، المدونة الكبرى ج1 ص 343، بداية المجتهد لابن رشد الحفيد ج2 ص 207.
موطأ مالك برقم 315، والاستذكار ج10 ص 295 برقم 660.
انظر: الاستذكار ج10 ص 296 – 297، بداية المجتهد ج2 ص 207، تفسير القرطبي ج2 ص 221.
الاستذكار ج10 ص 295 – 296. تفسير القرطبي ج2 ص 221، بداية المجتهد ج2ص 207.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س
إذن الـزوج فـي الاعتـكاف
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف
لو أرادت زوجتي أن تعتكف مع مجموعة من النساء في المسجد القريب وأنا لا أريدها أن تعتكف، فهل من حقي أن أمنعها من الاعتكاف؟ وما هو الأفضل بالنسبة لي كمسلم أن أمنعها أم أن أسمح لها بذلك؟.
جواب فضيلة الشيخ
دخول المرأة في التطوعات ونوافل العبادات بدون إذن الزوج بين التحريم والكراهة، والجمهور على أنه لا يجوز لها ذلك وأنه يحرم عليها، فليس للزوجة أن تصوم تطوعاً إلا بإذن زوجها، وليس لها أن تحج حج النافلة إلا بإذنه، وليس لها الاعتكاف إلا بإذنه، وذلك للوجوه والأدلة الشرعية الآتية:
1ـ حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: ( لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهدٌ إلا بإذنه) (1). والاعتكاف مثل الصوم.
2ـ أنّ نساء النبي ﷺ لما أردن الاعتكاف ما بادرن إليه إلا بعد الاستئذان من رسول الله زوجهن خير البشر ﷺ .
وفي رواية لابن عبد البر رحمه الله في الاستذكار بسنده : ” ثم ساتأذنته زينب فأذن لها”(5).
ففي الروايات الأربع أن عائشة استأذنت، وأن حفصة طلبت من عائشة أن تستأذن لها فأذن لها، وفي الرواية الثالثة أن حفصة استأذنت بنفسها، وفي الرواية الرابعة أن زينب أيضاً استأذنت فأذن لهن. فدلّ أن المرأة لا تعتكف إلا بإذن زوجها.
3ـ لأنّ الاعتكاف وسائر التطوعات والنوافل من حقوق الله المندوبات، وإذن الزوج حقه، وقد قدم الشرع حق الآدمي على حق الله تعالى، لاسيما في المندوبات والنوافل.
4ـ ولأن الزوج بعقد الزواج ملك منافعها، والاعتكاف يفوِّتها ويمنع استفاءها، فكان لابد أن تستأذنه.
وعلى هذا فمن حق الزوج أن يمنع زوجته من دخول الاعتكاف، ولكن الأليق بكل زوج مسلم والموافق لمروءة الرجل؛ أن يأذن لها إذا رغبت في الاعتكاف ما لم يترتب على ذلك ضرر ظاهر، أو يؤدي اعتكافها إلى ضياع واجبات لا يقدر هو الوفاء بها ونحو ذلك، وخيرٌ له بلا ريب أن يقتدي برسول الله ﷺ الذي أذن لأزواجه حين استأذنه، ولما كره من اجتماعهن في المسجد معتكفات وتنافسهن على ذلك لم يأمرهن بالخروج وقطع الاعتكاف صلوات ربي وسلامه عليه.
ثم إذا أذن الرجل لزوجته بالاعتكاف لا يليق به أن يرجع عن إذنه لها إلا لحاجة ظاهرة مهمة، وقد ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه ليس للزوج الرجوع عن إذنه وليس له إخراجها من محل الاعتكاف، بينما ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الرجوع من حقه وأن إخراجها بعد دخولها الاعتكاف كذلك من حقه(6). والأخذ بقول أبي حنيفة ومالك أحرى، فلا ينسى الأزواج الفضل بينهم، والتعاون على ما هو برٌّ وتقوى، وما فيه صلاح القلوب وطهارة النفوس، ولاشك الاعتكاف من أسباب ذلك ومحققاته.
راجع المسألة كلها في: المغني لابن قدامة مع الشرح الكبير، ج3 ص 151، بدائع الصنائع، ج1 ص 108 – 109، المجموع شرح المهذب ج6 ص 470 – 471، المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم لشيخنا د. عبد الكريم زيدان، ج2 ص 108 – 109 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س
الاعتــكاف عـــن الميّـت
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف
والدي نذر أن يعكتف في مسجدنا في الحي، ثم لم يعتكف حتى مات، فهل يجوز لي أن أعتكف نيابة عنه لأوفي له بنذره؟.
جواب فضيلة الشيخ
اختلف العلماء في قضاء الاعتكاف الواجب بالنذر عن الميت على أربعة أقوال:
القول الأول: أنه يجوز القضاء عن الميت، والذي يقضي عنه هو وليه، وهذا ما ذهب إليه الحنابلة، ورواية عن الإمام الشافعي، والليث بن سعد، وأبي ثور، والحسن بن حي، وإسحاق بن راهويه، وهو قول طاووس والحكم، وقول ابن عباس وعائشة رضوان الله تعالى عليهم (1).
القول الثاني: أنه لا يصحّ أن يعتكف عنه غيره، لا وليه ولا أجنبي عنه، وهو قول الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية في مشهور المذهب ونصوص الشافعي، وقول محكي عن الحنابلة، وهؤلاء منهم من أمر بالإطعام عنه لو أوصى بذلك ، ومنهم من أوجب الإطعام عنه وإنْ لم يوصِ بذلك(2).
القول الثالث: أنه يجب على وليه القضاء عنه بنفسه أو باستئجار غيره، وهو قول الظاهرية، وقد قال ابن حزم رحمه الله في المحلى : ” ومن مات وعليه نذر اعتكاف قضاه عنه وليه، أو استؤجر من رأس ماله من يقضيه عنه لا بد من ذلك”(3).
القول الرابع: الترتيب بين الإطعام والقضاء، وكلاهما جائز، والأَوْلَى الإطعام، فإن لم يجدْ؛ اعتكف عنه. وهذا قول سفيان الثوري والأوزاعي رحمهما الله تعالى.
قال الثوري رحمه الله: ” الإطعام عنه أحبّ إليّ من أن يعتكف عنه”.
وقال الأوزاعي رحمه الله: ” يعتكف عنه وليه إذا لم يجد ما يطعم”(4).
والراجح هو القول بصحة القضاء عن الميت وجواز ذلك، لظهور أدلتهم وقوتها، ومن الأدلة الظاهرة على ذلك:
1ـ حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنّ سعد بن عبادة رضي الله عنه سأل رسول الله ﷺ : ” إنّ أمي ماتت وعليها نذر لم تقضه؟ فقال ﷺ: ( أقضه عنها )(5). وهو عام في كل نذر طاعة.
2ـ حديث الصحيحين أنّ رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: ” يا رسول الله! أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ فقال النبي ﷺ : ( لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟) قال: نعم. فقال ﷺ : (فدين الله أحق أن يقضى)(6) .
وحديث البخاري أن امرأة جاءت إليه ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ فقال ﷺ: (حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دينٌ ألست قاضيه؟) قالت : نعم. فقال ﷺ: ( فاقضوا الله، فالله أحق بالوفاء)(7).
والدلالة على جواز القضاء عن الميت من وجهين:
الوجه الأول: قوله ﷺ في الخبر الأول: ( فدين الله أحق بالقضاء ) وقوله في الخبر الثاني ( فالله أحق بالوفاء) دليل على أنّ حقوق الله من العبادات الواجبة تُقضَى، ودين الله عام في سائر الحج والصوم والاعتكاف.
الوجه الثاني: أنه لا فرق بين قضاء الصوم عن الميت ـ كما في الحديث الأول ـ وقضاء الحج عنه ـ كما في الحديث الثاني ـ وبين قضاء الاعتكاف، لأنها جميعاً من العبادات العينية، فلزم قياس الاعتكاف على الصوم والحج في قضائه عن الميت.
3ـ حديث عائشة أن النبي ﷺ قال : ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ) (8).
وهذا صريح في صحة قضاء الوليّ عن الميت الصيام الواجب، فيقاس عليه قضاء الاعتكاف الواجب عنه لكونهما عبادة عينية. ويؤكد صحة إلحاق الاعتكاف ما قاله الإمام أحمد رحمه الله: ” هذا في النذر” (9).
5ـ ما روي عن أم المؤمنين عائشة أنها اعتكفت عن أخيها بعد ما مات(11).
أما ما روي عن ابن عباس وابن عمر : ” لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد”(12) فهو مخالف للصريح الصحيح من قول النبي ﷺ: ( ومن مات وعليه صوم صام عنه وليه). ولأن ابن عباس قد روي عنه أن مذهبه وما أفتى به صحة قضاء الاعتكاف عن الميت. وكذلك حديث عائشة في سنن البيهقي الكبرى(13): ( لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم) لأنه ضعيف جداً لا يحتج بمثله أبداً(14). ولأنه مخالف لما روي عنها أنها اعتكفت عن أخيها بعد ما مات.
أخرجه البخاري في صحيحه برقم 2461 ومسلم في صحيحه برقم 1638.
البخاري في صحيحه برقم 1953، ومسلم برقم 2750 .
أخرجه البخاري برقم 1852، وبرقم 6699، و7315.
أخرجه البخاري برقم 1952، ومسلم برقم 2748، وأبو داود برقم 2402.
سنن أبي داود، ج2 ص 289 .
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم 9787.
المصنف لابن أبي شيبة ج3 ص 94، برقم 9788. وفيه عامر بن مصعب وقد وثقه ابن حبان راجع التقريب ج1 ص 389.
أخرجه مالك في الموطأ، برقم 669، عن ابن عمر رضي الله عنهما، والسنن الكبرى للنسائي برقم 2930، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 8021.
راجع فتح الباري ج4 ص 194.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س
اعتكاف القائم على اليتيم والصغير
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف
أنا أب لبنتين وابن والثلاثة صغار، وقد توفيت أمهم رحمها الله تعالى، فأنا أقوم عليهم حتى يشغلوني عن الاعتكاف رغم رغبتي الكبيرة في أن أعتكف أياماً في رمضان، فهل عليّ حرجٌ أنْ لا أعتكف؟.
جواب فضيلة الشيخ
ذكرنا في جواب السؤال السابق أنّ حكم الاعتكاف الأصل هو الاستحباب والندب، وأنه لا يجب على أحد الاعتكاف إلا إذا نذره، وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك، قال ابن المنذر في كتاب الإجماع: “وأجمعوا على أن الاعتكاف سنة لا يجب على الناس فرضاً إلا أن يوجبه المرء على نفسه نذراً فيجب عليه ” (1). وهو ما نقله موفق الدين بن قدامة وشمس الدين بن قدامة وابن هبيرة والنووي وابن رشد الحفيد وغيرهم، كلهم نقلوا الإجماع على أنه لا يجب إلا بالنذر(2).
ومعنى ذلك أن من لم ينذر الاعتكاف لا يجب عليه، وإنما فقط يُندب له ويُستحب، والمندوب أو المستحب مما يجوز فعله وتركه ولكن فعله أولى من تركه، لا مما يجب فعله، ولذلك لا يأثم تارك المندوب أو المستحب.
وأنت فيما ذكرتَ عن حالك، فإنّ قيامك على أولادك الصغار، وانشغالك بأمورهم واجب عليك، واعتكافك في رمضان أو غيره مندوب مستحب، فإنْ اعتكفت تكون قد تركت واجباً من أجل مندوب، والشرع لا يجوّز ترك الواجبات من أجل المندوبات لأنه يؤدي إلى ضياع الواجب بما هو أقلّ منه وأدنى، فالواجب لا يترك إلا لواجب مثله ـ كما يقول الفقهاء.
وعليه: فلا حرج عليك، أن لا تعتكف من أجل رعاية أولادك الصغار والقيام بأمورهم، وفي مثل حالك قول ابن عباس رضي الله عنهما: ” لأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد يعني (مسجد المدينة) شهراً “(3). وِشأنك أولى وأحقّ بذلك، لأنك ساع في حاجة ضعفاء أيتام صغار.
بل قد ذهب الإمام رمالك رحمه الله تعالى إلى أنّ الاعتكاف قد يكون مكروهاً في حقّ من لا يقوى عليه ومن لا يقدر على الوفاء بحقه، ولا شكّ أنك مع انشغال قلبك بأمر أولادك الصغار الذين ماتت أمهم عنهم، لن تقدر على الوفاء بحق الاعتكاف، فربما كان في حقك مكروهاً ـ على قول مالك ـ وقد قال في المدونة: ” ولا أرى للذي لا يقوى أن يعتكف” (4).
ولذلك نصّ المالكية على أنه : ” يُكره الاعتكاف لغير مكفي الشؤون، لما يترتب على ذلك من ضياع الحقوق الواجبة، ولما فيه من لجوء المعتكف للخروج من المسجد لطلب الغذاء ونحو ذلك”(5). ولا شكّ أن حالتك داخلة فيما قالوه.
ومما يخفف عليك الأمر أكثر؛ أنّ مالكاً رحمه الله ذكر في المدونة (6) أن أئمة الصحابة من الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أبا بكر وعمر وعثمان لم يبلغه أنهم اعتكفوا، وأن أئمة التابعين لم يبلغه أنهم اعتكفوا ولا أحداً ممن يُقتدى به، إلا أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث رحمهم الله تعالى، وذلك لشدّة الاعتكاف عليهم لانشغالهم أو خوفهم ألاّ يوفوا بحقه وشرطه.
فلا حرج عليك، بل نسأله تعالى أن يجزيك خيراً على ما تقوم به من رعاية أولادك الصغار، حفظهم الله لك وأصلحهم ونفعك ببرهم، والحمد لله.
الحواشي
كتاب الإجماع لابن المنذر ص 16 المسألة رقم 130.
راجع: المغني لابن قدامة، ج3 ص 122، الشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة، مع المغني ج3 ص 122، الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة ج1ص 219، والمجموع شرح المهذب ج6 ص 469، بداية المجتهد ج2 ص 201.
من حديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ج11 ص 84 برقم 13468.
المدونة الكبرى لمالك، ج1 ص 342 .
تبيين المسالك لتدريب السالك إلى أقرب المسالك، ج2 ص 192.
المدونة نفس الموضع.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س
القنوت في التراويح
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح
أصبح اليوم مما لا ينفك عنه قيام رمضان وصلاة التراويح: القنوت فيها، فغالب المساجد تقنت وتدعو في الوتر بعد أن يكملوا تراويح كل ليلة، فما حكم هذا القنوت؟ وما كيفيته ؟ وهل هناك صيغةٌ محددة وأدعية معينة يدعو بها الناس في قنوت التراويح؟ ومتى يبدأ القنوت من أول الشهر أم من وسطه أم فقط في العشر الأواخر؟ أفيدونا نفع الله بكم الأمة وحفظ بكم الملّة.
جواب فضيلة الشيخ
آمين.. ومسألة القنوت في صلاة التراويح يحسن الإجابة فيها من أربعة جوانب:
الجانب الأول: في مشروعيته:
فالقنوت في قيام رمضان مشروع من وجوه كثيرة:
منها: أن القنوت فعلٌ حسن، وذكر لله تعالى ودعاءٌ (1).
ومنها: حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها » (2). فإنْ كان في المكتوبة لا حرج ففي النافلة أرفع للحرج.
ومنها: أن فعل القنوت في التراويح وقيام رمضان مما أُثِر عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فقد سمع داود بن الحصين الأعرج رحمهما الله يقول : « ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان » (3).
والأعرج عبد الرحمن بن هرمز المدني رحمة الله تعالى عليه أدرك جماعة من الصحابة وكبار التابعين بالمدينة، مما دلّ أنّ فعلهم كان هو العمل بالمدينة(4).
وقال عبد الرحمن بن عبد القاري رحمه الله في خروجه مع أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه في ليالي رمضان والناس في قيام رمضان: « فكان الناس يقومون أوله، وكانوا يلعنون الكفرة في النصف: (اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ولا يؤمنون بوعدك وخالف بين كلمتهم وألق في قلوبهم الرعب وألق عليهم رجزك وعذابك إله الحق ). ثم يصلي على النبي ﷺ ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير، ثم يستغفر للمؤمنين. قال رحمه الله: وكان يقول إذا فرغ من لعنة الكفرة وصلاته على النبي واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات ومسألته: (اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك ربنا، ونخاف عذابك الجدّ، إنّ عذابك لمن عاديت ملحق). ثم يكبر ويهوى ساجداً» (5).
ومشروعية القنوت هو الذي عليه جمهور العلماء، وبه قال الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة(6).
غير أن مالكاً رحمه الله قال في المدونة: « ليس عليه العمل، ولا أرى أن يُعمل به، ولا يقنت في رمضان لا في أوله ولا في آخره، ولا في غير رمضان، ولا في الوتر أصلاً»(7).
وقد وجّه الحافظ ابن عبد البر قول مالك فقال: وهذا معناه عندي أنه ليس سنةً مسنونةً فيواظب عليها في القنوت، ولكنه مباحٌ فعلُه اقتداءً بالسلف في ذلك لمن شاء. قال: وروى أهل المدينة عنه أنه كان يقول: يقنت الإمام في النصف من رمضان ويؤمن من خلفه(8).
الجانب الثاني: في موضعه:
والقنوت في قيام رمضان موضعه الوتر بعد الرفع من الركوع، وكان هذا هو الذي عليه السلف من الصحابة والتابعين وأهل المدينة ، كما قال ابن حبيب: وقد كان يقنت الناس في قيام رمضان بعد رفع الإمام رأسه من صلاة الوتر بعهد عمر رضي الله عنه وبعده في الزمن الأول في النصف الأخير من رمضان يجهر الإمام بكلامه ودعائه في القنوت وينصت من خلفه، إلا أنهم يؤمنون على دعائه كلما وقف(9).
ولذلك؛ ذهب الحنفية إلى أن القنوت في وتر القيام(10).
ومالك كان يرى القنوت في الوتر ، ثم ترك ذلك.
وقال الشافعي فيما روى عنه الزعفراني: يقنت في الوتر في النصف من رمضان(11).
وذهب أحمد إلى أنه قبل الركوع.
قال حنبل: سمعت أحمد يقول: «..إذا فرغت من قراءة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾ فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع » (12).
الجانب الثالث: في زمانه:
فهل يقنت المصلون في التراويح من أول الشهر وفي كل الليالي؟ أم في النصف من رمضان؟.
رضي الله عنهم فالذي عليه الجمهور من علماء الأمة أن القنوت في النصف الآخر من رمضان، وهو قول مالك في رواية والشافعي وأحمد وإسحاق، ورُويَ عن عليّ وأبي بن كعب وابن عمر وابن سيرين والثوري والزهري والحسن وابن جريج وعطاء ويحيى بن وثاب ، وهو الذي حُكي عن حال الصحابة والتابعين في عهد عمر .
واستدلّ الجمهور بما رواه الطبري عن الحسن أنه قال: « أمر عمرُ أُبيَّ بتن كعب يصلي بالناس، فكان إذا مضى النصف الأول واستقبلوا النصف الآخر ليلة ست عشرة ؛ قنتوا فدعوا على الكفرة ».
وقال ابن جريج: « قلت لعطاء: القنوت في شهر رمضان؟ قال: أول من قنت فيه عمر. قلت: في النصف الآخر؟ قال: نعم ».
قال ابن عبد البر: «فبهذا احتجّ من أجاز القنوت في الوتر من قيام رمضان في النصف الآخر منه، لأنه عمن ذكرنا من جلّة الصحابة، وهو عملٌ ظاهرٌ بالمدينة في ذلك الزمان في رمضان، لم يأتِ عن أحدٍ منهم إنكاره »(13).
رضي الله عنهم ويظهر من كلام الحنفية أنهم يرون القنوت في رمضان كله، من أول الشهر إلى آخره، ولم يقيّدوه بالنصف الآخر ولا بالعشر الأواخر. وهو الذي قال به الأوزاعي رحمهم الله.
رضي الله عنهم وقد ذهب أبو ثور رحمه الله إلى أن القنوت في النصف الأول من رمضان(14).
والذي يحسن اليوم إقامة الأمر على ما كان عليه جماهير الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة العلم والدين من السلف والخلف رضي الله تعالى عنهم، وهو ابتداء القنوت في التراويح من ليلة ست عشرة، ومن ابتدأه من أول الشهر أو اكتفى بالنصف الأول فلا يمنع، فلكلٍّ سلف صالح أخيار ، والحمد لله الذي جعل لنا الدين يسّراً ولم يجعل علينا فيه حرجاً.
الجانب الرابع: في كيفيته وصيغته:
فالقنوت دعاء يصح بما يصح به الدعاء في الجملة، والأصل في الدعاء رفع الأيدي فيه.
رضي الله عنهم وقد وصف الإمام أحمد رحمه الله فيما سمعه منه حنبل كيف يكون القنوت في التراويح، فقال له «..إذا فرغت من قراءة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع » (15). وكما وصف رحمه الله للفضل بن زياد حين سأله: «كيف أصنع؟ قال: إذا فرغت من آخر القرآن؛ فارفع يديك قبل أن تركع، وأدع بنا ونحن في الصلاة، وأطل القيام. قلت: بم أدعو ؟ قال: بما شئت. قال ابن زياد: ففعلت بما أمرني وهو خلفي يدعو قائماً ويرفع يديه »(16).
رضي الله عنهم وفي كيفية القنوت في رمضان يرى أبو يوسف أن الإمام لا يجهر وأن المقتدي المأموم كذلك يقنت، ولا يكتفي بقنوت الإمام، لأنه دعاء ولأن الأفضل في الدعاء الإخفاء. بينما يذهب محمد بن الحسن إلى أن الإمام يجهر بالقنوت ويؤمِّن المأموم(17).
والذي ورد في كيفية القنوت بعهد عمر رضي الله عنه وبعده في الزمن الأول أن الإمام يجهر بدعائه في القنوت ةينصت مَنْ خلْفَه، يؤمنون على دعائه كلما وقف، كما قال ابن حبيب(18).
رضي الله عنهم أمّا صيغة القنوت فكل دعاء للمصلين وللمسلمين بجلب المنافع ودفع المضار، وبما يحفظ الملّة والأمة، والدعاء على الأعداء من الكفرة والمنافقين وأعداء الدين.
وقد كان من دعاء القنوت في التراويح على عهد الصحابة والتابعين لعن الكفار والأعداء، كما قال الأعرج رحمه الله: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان.
وروى ابن وهب عن مالك في القنوت في رمضان: إنما يكون ذلك في النصف الآخر من الشهر وهو لعن الكفرة، يلعن الكفرة ويُؤَمِّنُ من خَلْفَهُ. ولا يكون ذلك إلا بعد أن يمر النصف من رمضان ويستقبل النصف الآخر.
ومن دعاء القنوت الدعاء على من استحق الدعاء عليهم كما قال مالك رحمه الله(19).
وكان من دعاء الأئمة في قنوت التراويح في عهد عمر رضي الله عنه ما ذكره عبد الرحمن بن عبد القاري خازن بيت مال المسلمين في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: أنّ عمر رضي الله عنه خرج ليلة في رمضان فخرج وهو معه، فطاف بالمسجد، وأهل المسجد أوزاعٌ متفرقونٌ يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: « والله إني أظن لو جمعنا هؤلاء على قارئ واحد؛ لكان أمثل ». ثم عزم عمر على ذلك، وأمر أبي بن كعب رضي الله عنه أن يقوم لهم في رمضان، فخرج عمر عليهم والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: « نعم البدعة هي، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون » – يريد آخر الليل – فكان الناس يقومون أوله، وكانوا يلعنون الكفرة في النصف: ( اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ولا يؤمنون بوعدك وخالف بين كلمتهم وألق في قلوبهم الرعب وألق عليهم رجزك وعذابك إله الحق ) ثم يصلي على النبي ﷺ ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير، ثم يستغفر للمؤمنين. قال: « وكان يقول إذا فرغ من لعنة الكفرة وصلاته على النبي ﷺ واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات ومسألته: (اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك ربنا، ونخاف عذابك الجدّ، إن عذابك لمن عاديت ملحق) ثم يكبر ويهوي ساجداً » (20).
وهذا كله على التخيير والإباحة لا يلزم منه شيء، فمن شاء دعا به ومن شاء دعا بغيره.
ولكن الذي نراه في عصرنا ونشاهده في زماننا من فعل أئمة التراويح من المبالغة في الإطالة في دعاء القنوت كل ليلة ومن المبالغة الزائدة في ليلة الختم، ومن المبالغة في التسجيع وتصنع الأدعية على الألفاظ المسجعة والمترادفة وغير ذلك فهذا مما لا ينبغي، والغالب أنّ هذه الإطالة والمبالغة في تصنيع الأدعية وتطويلها وتمطيطها أنها تُدخل المشقة على المصلين وتثقل على الجماعة ، وربما أدخل الكسل على بعضهم بما يدعوهم إلى التخلّف عن جماعة التراويح في المساجد خوف هذه الإطالة وما يترتب عليها من المشقة. وخير الأمور أوساطها ، وما كان عليه سلف الأمة أوْلَى والاقتداء بحالهم وفعالهم أحرى وأحبّ، والله يتولى الصالحين.
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 3216، الدارقطني برقم 1687والطبراني في المعجم الأوسط برقم 9450، وابن حزم في المحلى بسنده ج3 ص 55 فقرة 459. وهذا الإسناد لا بأس به.
أخرجه مالك في الموطأ برقم 253، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 4809، وفي شعب الإيمان برقم 3001.
أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، برقم 1100، وقال الألباني(ج2 ص 155): إسناده صحيح .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س
تراويــح المفطرين أصحاب الأعذار
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح
أنا مصاب بمرض السكري، وقد حذّرني الطبيب من الصيام في رمضان وفي غير رمضان، وهو طبيب مسلم مستقيم معروف بالصدق والأمانة، ومع ذلك أحبّ أن أصلي التراويح في المسجد مع الجماعة، وقد تردد في نفسي سؤال: هل يجوز لي أن أصلي التراويح مع الناس وأنا لا أصوم معهم؟ ولم أعرف الجواب، وأكثر أحوالي أني لا أصلي التراويح، ظناً منّي أن صلاة التراويح مرتبطة بالصيام وطالما أنا لا أصوم فقد سقطت مني تبعاً، والله أعلم، أرجو الإجابة وفقك الله لكل خير ونفع بعلمكم.
جواب فضيلة الشيخ
أولاً: ينبغي أن يعلم أصحاب الأعذار العاجزون عن الصيام بسبب المرض أو غيره؛ أنه لا حرج عليهم في الفطر طالما منعهم عن الصيام العذر، وكثيرٌ منهم يتمنّى لو كان صحيحاً فيصوم مع الناس، فهؤلاء معذورون في الشرع.
ثانياً: إنّ رسول الله ﷺبأبي هو وأمّي، بشّر أهل الأعذار من أمّته برحمة الرب الرحيم، فأخبرنا أنّ من منعه العذر من العبادة أو الطاعة فكأنما فعلها، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنّ النبي ﷺ قال: « إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالاً مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلاَ قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلاَّ كَانُوا مَعَكُمْ، حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ ». وفي رواية: « إِلاَّ شَرِكُوكُمْ فِي الأَجْرِ »(1)، وعن أبي موسى رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال:« إذا مرض العبد، أو سافر كُتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً »(2)، وفي الأدب المفرد بسند صحيح من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: (ما من أحد يمرض إلا كُتب له مثل ما كان يعمل وهو صحيح)(3). وفيه أيضاً بإسناد حسن عن أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعاً: ( ما من مسلم ابتلاه الله في جسده إلا كُتب له ما كان يعمل في صحته ما كان مريضاً)(4). وفي موطأ مالك وسنن أبي داود وغيرهما عن عائشة أن النبي ﷺ قال: « مَا مِنِ امْرِئٍ تَكُونُ لَهُ صَلاَةٌ بِلَيْلٍ يَغْلِبُهُ عَلَيْهَا نَوْمٌ إِلاَّ كُتِبَ لَهُ أَجْرُ صَلاَتِهِ وَكَانَ نَوْمُهُ عَلَيْهِ صَدَقَةً»(5).وفي سنن أبي داود ومستدرك الحاكم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ غير مرة ولا مرتين يقول: « إِذَا كَانَ الْعَبْدُ يَعْمَلُ عَمَلاً صَالِحًا، فَشَغَلَهُ عَنْهُ مَرَضٌ، أَوْ سَفَرٌ؛ كُتِبَ لَهُ كَصَالِحِ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ »(6).
وقد أكثرت من هذه الأحاديث تبشيراً لأصحاب الأعذار برحمة الله تعالى، وليطمئن المعذور الذي يحب أن يصوم ولكن حبسه عن الصوم العذر والمرض.
وعلى هذا؛ يكون المعنى: المسلم الذي منعه العذر عن الصيام وهو يحب أن يصوم لولا العذر؛ فهذا يُكتب له من أجر الصوم مثل ما كان سيعمل وهو صحيح مقيم، كما أخبر بذلك البشير الحبيب ﷺ.
والذي يتخرّج على ذلك؛ أنّ هذا المعذور يعمل مع الصائمين كل شيء إلا أنه يأكل ويشرب، وينبغي أن يغتنم أيام وليالي الشهر الفضيل، فيكثر من سائر الطاعات والعبادات والنوافل ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ولا يضيّع شيئاً من ذلك، ويجب أن يعلم أنّ العذر إنْ منعه من الصيام فلا يمنعه من اغتنام خير شهر الصيام، فيقوم كما يقوم الناس، ويتلو كما يتلو الناس، ويتصدق كما يتصدق الناس، ويصلي معهم التراويح كذلك.
وعليه: فيصحّ أن يصلي التراويح مع الناس ولو استطاع أن لا يتخلف عن التراويح فليفعل، وإن لم يستطع فِعْلَها جماعة؛ فليؤدها لوحده في البيت أو جماعة
مع أهل بيته. يتقبل الله منا جميعاً ويغفر لنا.
والحمد لله رب العالمين.
الحواشي
أخرجه البخاري عن أنس، برقم 2839، ومسلم عن جابر برقم 5041، 5042. واللفظ لمسلم.
أخرجه البخاري في صحيحه برقم 2996، وأحمد في المسند برقم 19694.
أخرجه البخاري في الأدب المفرد برقم 500، وصححه الألباني فيه ج1 ص 176.
البخاري في الأدب المفرد برقم 501. وقال الألباني : حسن صحيح.
مالك في الموطأ برقم 255، وأبو داود برقم 1316.
أبو داود برقم 3093، والحاكم في المستدرك برقم 1261 وصححه على شرط البخاري ووافقه الذهبي.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
لديك مسألةٌ تُشكل عليك؟ استفتِ الشيخ
اكتب سؤالك وسيصل مباشرةً إلى مكتب فضيلة الشيخ، ويصلك الجواب على بريدك.
الردّ خلال ٣–٧ أيامبياناتك محفوظة ولا تُنشر١١٣ فتوى منشورة
أنا فتاة لم أتزوج بعد، وتربيت على ألا أخرج إلا في الأمور الضرورية والمهمة، وكذلك لا أحب أن أخالط البنات ولا مجتمع النساء كثيراً، وأرغب بشدة في الاعتكاف، ولكني أرى أني لو اعتكفت في المسجد مع مجموعة البنات والنساء سيكثر الأنس والتحادث وسيضيع كثير من الوقت…