فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح
بعض المصلين لا يصلي في مسجد حيّه القريب له، بل يهاجر في كل ليلة من ليالي رمضان إلى بعض المساجد بحجة أن الإمام هناك صوته نديٌّ ويشعر بالخشوع وراءه أكثر من غيره، وبعضهم بحجة أنه يبحث عن صاحب الصوت الحسن يتنقل في كل ليلة من مسجد إلى مسجد، فما حكم الهجرة إلى المساجد البعيدة والتنقل بين المساجد في صلاة التراويح لهذا الغرض؟.
جواب فضيلة الشيخ
الحمد لله، لا مانع من مثل هذا التنقل(1) ما دام يرجو الخير والنفع لنفسه، وقد يتحقق لطالب الصوت الحسن جملة منافع شرعية، منها:
1ـ أنه يطمئن قلبه إلى صلاته..
2ـ أن يحقق التدبر للقرآن المتلو بالصوت النديّ الخاشع..
3ـ أن فيه سعياً للأفضل والأحب من طول القيام وغيره..
4ـ وفيه طلب الخشوع والتوسل لحضور القلب..
فكل هذه الأمور من مطلوبات الصلاة وصلاة القيام.
والحرج في التنقل إلى المساجد الأخرى مرفوع بشرطين:
أولهما: أن لا يؤدي هذا التنقل لتعطيل المساجد القريبة.
ثانيهما: أن لا يتخذ المرء التنقل ترائياً، وقد لوحظ أن كثيراً من هؤلاء المتنقلة إلى مساجد القراء المشاهير يتحدثون عن ذلك بشيء من التفاخر والترائي، والرياء داء يفسد القلوب والطاعات. والله تعالى أعلم…
الحواشي
وانظر: الجواب الصحيح من أحكام صلاة الليل والتراويح، للشيخ عبد العزيز بن باز، ص 9-10.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س
الدخـول فـي صلاة التـراويـح بنيَّـة العشاء
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح
جئت أنا وبعض إخواني إلى المسجد لصلاة العشاء والتراويح، فوجدنا الإمام قد أكمل صلاة العشاء وأحرم لصلاة التراويح، فاختلفنا، فقال بعضنا ندخل معه بنية العشاء فإذا سلّم من الركعتين نكمل العشاء، وقال بعضنا: لا، لا ندخل معهم بل نصلي العشاء لوحدنا ثم ندركهم فنصلي معهم بقية التراويح ونكمل تراويحنا بعدهم، فنرجو أن تبينوا لنا أي الأمرين هو الصحيح شرعاً؟ جزاكم الله خيراً.
جواب فضيلة الشيخ
الحمد لله، دخول من لم يصلّ العشاء في صلاة التراويح بنية العشاء، مبني على حكم اقتداء المفترض بالمتنفل، لأنّ الداخل بنيية أن يصلي العشاء مفترض أي يريد أداء الفريضة وهي صلاة العشاء المكتوبة، والإمام الذي يصلّي بالناس التراويح متنفل، أي يصلي نافلة إذ صلاة التراويح نافلة. والفقهاء في حكم اقتداء المفترض بالمتنفل على قولين مشهورين(1):
القول الأول: للشافعية والحنابلة وهم يرون جواز اقتداء المفترض بالمتنفل كما يجوز اقتداء المتنفل بالمفترض، وبه قال الأوزاعي وإسحاق بن راهويه ومن التابعين: عطاء وطاووس.
والقول الثاني: للجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة في الرواية المشهورة، وقد ذهبوا إلى منع اقتداء المفترض بالمتنفل، وبه قال الزهري وشعبة.
وقد استدل من يرى جواز وصحة أن يقتدي مصلي الفريضة بمصلي النفل بحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه كان يصلي العشاء مع النبي ﷺ ثم يأتي قومه في بني سلمة فيصلي بهم، فهذه الصلاة تكون له تطوعاً، لأنه صلّى العشاء الفريضة مع رسول الله ﷺ، وبالنسبة لقومه هي الفريضة لأنهم إنما يصلّون مع معاذ العشاء الآخرة.
واستدل من يرى المنع وعدم صحة أن يصلي مريد العشاء بنية العشاء مع المصلين في صلاة التراويح، بأنّ نياتهم مختلفة، وأن النبي ﷺ قال: ( إنما جُعل الإمام ليؤتمّ به فلا تختلفوا عليه)(2) ، أي ليؤتم به في نية الصلاة وفي فعلها، وإلا فقد اختلفوا عليه.
فعلى القول الأول يجوز الدخول في التراويح لمن لم يصلّ العشاء بنية العشاء، فيصلي هو عشاءه ويصلي الناس التراويح.
وعلى القول الثاني: لا يدخل من لم يصلّ العشاء مع المصلين.
وقال ابن حبيب من المالكية: يدخل معهم ويؤخر العشاء ما لم يخرج وقتها المعتاد.
وقال الإمام مالك: لا يؤخرها ويصليها وسط الناس أو بمؤخرة المسجد(3). والله تعالى أعلم..
الحواشي
راجع: الحاوي الكبير للماوردي ج2 ص 316، المجموع شرح المهذب ج4 ص 269، العدة شرح العمدة، ج1 ص 90، عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ج6 ص 292. وتبيين المسالك لتدريب السالك، ج1 ص 461. البحر الرائق شرح كنز الدقائق ، ج1 ص 383، المحيط البرهاني ج2 ص 122، التاج والإكليل ج1 ص 209. مواهب الجليل شرح مختصر خليل ج2 ص 462.
أخرجه الإمام مالك في الموطأ برقم 209، والبخاري برقم 722، ومسلم برقم 948، وأبو داود برقم 601، والترمذي برقم 361 ، واللفظ لمالك والبخاري.
التاج والإكليل، ج1 ص209.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س
حمـل المصحـف فـي صـلاة التـراويـح
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح
نشاهد بعض المصلين في الحرمين الشريفين يحملون المصاحف داخل الصلاة وهم يصلون التراويح مع الإمام، فهل يجوز ذلك؟ وهل لي إذا أحببت أن أصلي التراويح في البيت بجزء أو بحزب أن أقرأ في صلاتي من المصحف؟.
جواب فضيلة الشيخ
في المسألة جانبان، جانب يتعلق بقراءة الإمام في صلاته بالناس من المصحف، والجانب الآخر يتعلق بحمل المصلين المأمومين المصاحف ليتابعوا قراءة الإمام.
أما حمل الإمام المصحف وقراءته منه في صلاة التراويح؛ فالعلماء فيه على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لأبي حنيفة، وقد ذهب إلى أنّ الإمام الذي يصلي في رمضان وغيره ويقرأ من المصحف، صلاته فاسدة، من وجهين:
الوجه الأول: حمل المصحف وتقليب الأوراق والنظر فيه، عمل كثير، والعمل الكثير يفسد الصلاة.
والوجه الثاني: أنّ هذا تعلّمٌ من المصحف في الصلاة، والتعلّم في الصلاة مفسدٌ للصلاة، كما لو تعلّم من معلم؛ وهذا لأن التعلم نوعان: تعلم من الكتاب، وتعلم من معلم، والتعلم من المعلم يفسد الصلاة، فكذا من الكتاب، فعلى هذا الوجه: وإن كان المصحف بين يديه، وهو لا يحمله ولا يقلب الأوراق تفسد صلاته عند أبي حنيفة(1).
القول الثاني: لصاحبي أبي حنيفة، أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني رحمهما الله، وهو أنّ صلاته لا تفسد ولكن يكره للإمام حمل المصحف والقراءة منه في الصلاة.
ووجه عدم فساد الصلاة عندهما: أنّ المفسد إنما يكون حمل المصحف، أو النظر فيه، أو تقليب الأوراق..
أ ـ وحمل المصحف لا يصلح أن يكون مفسداً، لأنّ حمل ما هو أكثر من ذلك لا يفسد الصلاة، بدليل أنّ النبي ﷺ كان يصلي وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه، وكان يضعها إذا سجد ويرفعها إذا قام..
ب ـ والنظر في المصحف لا يصلح مفسداً، ولا يقاس بالنظر إلى نقوش المحراب؛ لأن النظر في المصحف عبادة، والنظر إلى نقوش المحراب ليس بعبادة..
ج ـ وتقليب الأوراق عملٌ يسيرٌ لا يقطع الصلاة..
ووجه الكراهة: أنّ حمل المصحف والقراءة منه في الصلاة يشبه أهل الكتاب في صلاتهم فيما عنه بدّ، بخلاف القراءة عن ظهر القلب؛ لأنه لا بدّ منه(2).
القول الثالث: الجواز وعدم الكراهة في التراويح وغيرها من النوافل، وهو قول الجمهور مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى، وبه قال جمهور التابعين(3).
قال مالك في المدونة: لا بأس بأن يؤم الإمام بالناس في المصحف في رمضان وفي النافلة (4).
3ـ إن النظر في المصحف عبادة، والصلاة أيضاً عبادة، والقراءة في الصلاة من المصحف أضافت عبادة إلى عبادة فلا تكره.
4ـ إنّ الواجب قراءة القرآن مطلقاً، وقد قرأ القرآن، فيجوز كما لو قرأ عن ظهر القلب.
5ـ أما ما استدل به الصاحبان ـ أبو يوسف ومحمد ـ للكراهة بالتشبه بأهل الكتاب، أجاب الجمهور بأنّه ليس كل تشبّهٍ بهم مكروه، إذ ليس كل ما يفعله أهل الكتاب يكره لنا، ألا ترى أنهم يقرؤون عن ظهر قلب، ونحن نقرأ كذلك عن ظهر قلب ولا يكره!.
أما ما يتعلق بحمل المأمومين المصاحف في صلاة التراويح ، فقد كرهه كثير من أهل العلم إن كان بغير حاجة شرعية، كأن يحتاج الإمام إلى من يفتح عليه أثناء القراءة إذا لم يكن بين المصلين من الحفظة الذين يفتحون على الإمام إذا وقفت عليه الآية. وفي مصنف ابن أبي شيبة أن أنساً رضي الله عنه كَانَ يُصَلِّي وَغُلاَمُهُ يُمْسِكُ الْمُصْحَفَ خَلْفَهُ فَإِذَا تَعَايَا فِي آيَةٍ فَتَحَ عَلَيْهِ(7).
ووجه الكراهة: أنّ المتابعة من المصحف تشغله عن الخشوع في الصلاة وعن تدبر قراءة الإمام.
والله تعالى أعلم..
الحواشي
المحيط البرهاني لابن برهان ابن مازة، ج1 ص 446.
المصدر السابق نفسه .
انظر: الشرح الصغير ، ج1 ص 316، التاج والإكليل لمختصر خليل، ج2 ص 109، فتح الباري لابن حجر، ج2 ص 185، المحيط البرهاني، ج1 ص 446، وبل الغمامة شرح العمدة لابن قدامة، د. عبد الله الطيار.
المدونة، ج1 ص 194، التاج والإكليل ج2 ص 109.
راجع النقول في المصنف لابن أبي شيبة، ج2 ص 338، بالأرقام: من 7293 إلى 7299.
أخرج البخاري خبر إمامة ذكوان لعائشة رضي الله عنها في باب إمامة العبد والمولى برقم .
مصنف ابن أبي شيبة ج2 ص 338 . برقم 7300.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س
حكم صلاة التهجَّـد جماعـة فـي العشر الأواخر
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح
في السنوات القريبة ظهرت صلاة التهجد في العشر الأواخر من رمضان، وانتشرت في كثير من البلدان والمساجد لأن الحرمين الشريفين يصلون التهجد في العشر الأواخر ويجعلون ختمة خاصة بالتهجد غير ختمة التراويح، وبعض الناس يظن أنه لو لم يصلّ التهجد كأنه لم يصلّ قيام رمضان، وبعضهم يتفقد بعضهم البعض، هل حضرت؟ ومع من صليت التهجد؟. فما حكم هذا التهجد؟ وهل كان معروفاً عند السلف؟.
جواب فضيلة الشيخ
أولاً: صلاة التراويح وقيام رمضان من نوافل الخير التي كلما أكثر منها المصلون ركوعاً وسجوداً، أو أطالوا القيام فيها ازداد الاستحباب. والأصل في فعلها ليلاً وبانفراد أو اجتماع جاز وصحّ ، وعليه فالظاهر من قواعد الشرع في النوافل صحة وجواز صورة التهجد المعروف اليوم.
ثانياً: بَحَثَ الفقهاء هذه المسألة:
أ ـ فمن نظر إلى أنّ المعهود من السلف رضوان الله عليهم صلاة التراويح جماعة مرة واحدة في الليلة، رَأَىَ كراهة العود جماعة في قيام ليالي رمضان.
ب ـ ومن نظر إلى الأصول وقواعد الشرع في النوافل والتطوعات خاصة قيام الليل والتوسعة في شأن التراويح؛ رَأَىَ جواز التهجد والعودة جماعة لقيام الليل في رمضان بعد التراويح.
فعند الحنفية صلاة التهجد بالمعنى الخاص في القيام الثاني في العشر الأواخر من رمضان جماعة في المسجد مكروهةٌ.
قال الكاساني في بدائع الصنائع: “إذا صلوا التراويح ثم أرادوا أن يصلوها ثانياً يصلون فرادى لا بجماعة ؛ لأن الثانية تطوع مطلق ، والتطوع المطلق بجماعة مكروه”(1) .
وعند الحنابلة قولان: قول بالكراهة وقول بالجواز بلا كراهة، وذلك للأصلين الذين قررتهما.
ويسمى عند الحنابلة بـ”التعقيب” وهو: أن يصلِّىَ الرجل بعد التراويح نافلة أخرى في جماعة، أو التراويح في جماعة أخرى.
وللإمام أحمد رحمه الله فيه روايتان:
الأولى: كراهة التعقيب بصلاة التراويح في جماعة أخرى، نقلها عنه محمد بن الحكم.
والرواية الأخرى: أنه لا بأس، وهي رواية الجماعة عنه.
وقد استند في الرواية الثانية بالجواز إلى ما روي عن أنسٍ رضي الله عنه أنه قال: “ما يرجعون إلاّ لخير يرجونه، أو لشر يحذرونه”.
وقد صحح ابن قدامة وغير واحد من أئمة الحنابلة الجواز بلا كراهة قال في المغني: “والصحيح أنه لا يكره لأنه خير وطاعة فلم يكره كما لو أخره إلى آخر الليل”اهـ(2) .
والمختار في مسألة التهجّد أمران:
الأمر الأول: أنه يجوز التهجد الذي يكون بعد الهجود ، وقد كان ذلك حال النبي ﷺ إذ كان حاله عليه الصلاة والسلام القومة بعد النومة، فمن صلّى التراويح في جماعة عمل بسنة عمر بن الخطاب والصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ومن صلّى التهجد آخر الليل في جماعة عمل بأصل سنّة المصطفى ﷺ الذي صلّى معه الناس في بعض ليالي العشر الأواخر من رمضان من آخر الليل، كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه، قال: “صمنا مع رسول الله ﷺ فلم يصلِّ بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة، وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، فقلنا له: يا رسول الله! لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه ؟. فقال: ( إنّه من قام مع الإمام حتى ينصرف؛ كُتب له قيام ليلة ) ثم لم يصل بنا حتى بقي ثلاث من الشهر وصلى بنا في الثالثة ودعا أهله ونساءه فقام بنا حتى تخوفنا الفلاح”(3) أي: السحور.
الأمر الثاني: على القول بالجواز قد يكون لبعض المتهجدين الصلاة في بيته أفضل، وربما كان لبعضهم الصلاة في المسجد جماعة أفضل:
ـ فمن كان يعرف في نفسه النشاط للقيام وإحياء الليالي الكرام بلا كسل أو تناوم فهذا انفراده في البيت وتهجده لوحده أفضل في حقه.
ـ ومن كان يعرف من نفسه التكاسل والتساهل في القيام إن قام وحده في البيت، وينشط في الجماعة؛ فهذا تهجده في الجماعة أفضل في حقه.
ـ ومن وجد نفسه ينشط لأجل ملاقاة أقرانه أو أصدقائه، بحيث لو تغيبوا أو لم يكونوا تكاسل؛ فهذا صلاته في البيت أو نومه أصلح له من تهجده في المسجد، لأنّ الداعي لتهجده جماعة في المسجد اشتبه بالرياء، فالخفاء أصلح له..وهكذا.. والله تعالى أعلم.
الحواشي
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني، ج1 ص 290.
أخرجه الترمذي في السنن برقم 806 ، وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س
اشتـراط الأئمــة الأجــرة للصَّــلاة بالنَّـاس
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح
عندما يدخل رمضان يتنافس الناس على حفاظ القرآن وكثيرٌ من هؤلاء الحفاظ يحدد أجرة ويطالب بمبالغ أحياناً تكون كبيرة للصلاة بالناس التراويح بختمة، وبعضهم يتفق مع المصلين في أكثر من مسجد، فيصلي بهؤلاء ركعتين أو أربع، وبأولئك في المسجد الثاني ركعتين أو أربع وهكذا يتنقل في الليلة الواحدة بين أكثر من مسجد ويؤم المصلين بها، فهل هذا يصح؟.
جواب فضيلة الشيخ
أولاً: هذه المسألة في الجملة هي من مسألة أخذ الأجرة على الإمامة والأذان وسائر الطاعات، وقد منع منها الحنفية والحنابلة، وأجازها المالكية والشافعية.
واستدل المجوّزون بحديث ابن عباس رضي الله عنهما أنّ النبي ﷺ قال: ( إنّ أحقّ ما أخذتم عليه كتاب الله )(1). وقالوا: هو عام في جواز أخذ الأجرة على كتاب الله تعالى بالتعليم وغيره. وبما جاء في حديث أبي محذورة رضي الله عنه قال: ( ألقَى عليّ رسول الله ﷺ ألفاظ الأذان ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة )(2).
ووجه الدلالة أن النبي ﷺكافأه على الأذان، فدل على مشروعية أخذ الأجرة على الأذان والإمامة وغيرهما من الطاعات.
واستدلّ المانعون بحديث المثنى بن وائل قال: أتيت عبد الله بن بشر فمسح رأسي ووضعت يدي على ذراعه فسأله رجل عن أجر المعلم؟ ـ أي معلم القرآن ـ فقال: ” دخل علَى رسول الله ﷺ رجل متنكب قوساً فأعجبت النبي ﷺ فقال: (ما أجود قوسك! أشتريتها؟) قال: لا ولكن أهداها إليّ رجل أقرأت ابنه القرآن. قال: ( فتحب أن يقلدك الله قوساً من نار؟) قال: لا، قال:( فردها)(3). وبحديث أبي بن كعب رضي الله عنه، قال: “علمت رجلاً القرآن، فأهدى إلي قوساً فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: ( إن أخذتها أخذت قوساً من نار) فرددتها “(4).
فهذه أدلة من قال بعدم جواز أخذ الأجرة على الأذان والإقامة.
ثانياً: أما بخصوص طلب حفاظ القرآن وأصحاب الصوت الحسن الأجر على إمامة المسلمين في التراويح في شهر رمضان ويشترطون هذا الأجر على ذلك؛ فأقل أحواله الكراهة:
أ ـ لما ورد من أدلة المنع التي استدل بها الحنفية والحنابلة في حرمة أخذ الأجر على الإمامة والأذان وغيرهما.
ب ـ موقف ابن عمر رضي الله عنهما من المؤذن الذي يأخذ الأجر على الأذان، فعن ابن عمر رضي الله عنهما لما قال له المؤذن: إني أحبك في الله. قال له ابن عمر: وإني أبغضك في الله. قال: ولم؟ قال: إنك تأخذ على أذانك أجراً”(5).
ج ـ موقف الضحاك بن قيس من القارئ الذي يأخذ الأجر على القرآن، فعن الضحاك بن قيس: أن رجلاً قال: إني لأحبك في الله، قال له: ولكني أبغضك في الله، قال: لم ؟ قال: إنك تبغي في أذانك، وتأخذ الأجر على كتاب الله”(6).
د ـ أنّ هذا الطلب والاشتراط استئكال بالقرآن، وقد روي عن النبي ﷺ أنه نَعَى على أولئك الذين يستأكلون بالقرآن، كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ” تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَسَلُوا بِهِ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ بِهِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْقُرْآنَ يَتَعَلَّمُهُ ثَلاثَةٌ: رَجُلٌ يُبَاهِي بِهِ، وَرَجُلٌ يَسْتَأْكِلُ بِهِ، وَرَجُلٌ يَقْرَأُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ “(7).
والذي يشترط على الناس الأجر ويبالغ في ذلك ويبادر بالطلب والاشتراط اجتمع فيه الأمران: التباهي بالقرآن، والاستئكال به.
هـ ـ أنّ صلاة هذا الرجل وإمامته حين يطالب بالأجرة ويصرّ عليها ويشترطها لإمامة الناس في التراويح ويقول: لا أصلّي بكم ولا أسمعكم كلام الله حتى تعطوني كذا وكذا؛ فصلاة هذا الرجل أصبحت للمال لا لله.
و ـ أنّ الإمام أحمد رحمه الله لما سئل عن رجل يقول لقومه: لا أصلي بكم صلاة التراويح حتى تعطوني كذا وكذا. قال: أعوذ بالله!! مَن يصلي وراء هذا؟!.
والمعنى واضحٌ بيّنٌ: مَنْ يُصلِّي وراء إنسانٍ يستشرف لأجر الدنيا دون أجر الآخرة؟! نسأل الله السلامة والعافية(10).
ولهذا كله؛ حين يطلب الناس حافظاً للقرآن ليصلي بهم التراويح فاللائق بحامل القرآن أن يلبّي الطلب حباً وكرامة، فإذا أعطوه أخذ من غير استشراف لما في أيديهم، والذي في صدره وقلبه ـ والله ـ أعظم من الذي يوضع في جيبه.
ثالثاً: المعلوم أن كثيراً من هؤلاء الحفاظ فقراء ومحتاجون للمال لإقامة ضرورياتهم وحاجياتهم، وكثير منهم من طلبة العلم، فليحرص المسلمون في كل بلد على كفالة هؤلاء الحفاظ ولا يحوجوهم لاستشراف ما في أيدي الناس، ويلجؤوهم إلى اشتراط الأجرة للصلاة بالناس التراويح بختمة.
رابعاً: والأولى من ذلك أن يقوم ولاة الأمر بواجبهم تجاه حفاظ القرآن والأئمة والمؤذنين فيقرروا لهم أرزاقهم من الدولة بما يقيم ضرورياتهم وحاجياتهم، ولا يضطروهم لطلب ما في أيدي الناس والتذلل لهم، فحقهم والله التكريم، ولا يكون ذلك إلا برفع رواتبهم بما يليق بصاحب القرآن تعظيماً وتكريماً للقرآن الذي هو رسالة رب العزة للأمة والبشرية، ولا كرامة لأمة لا تكرم رسالة ربها إليها، ومن إكرام القرآن إكرام حامل القرآن وتوقيره وصيانته من أن يهان أو يذل فيذل نفسه وما يحمله من القرآن مقابل دراهم معدودة.
والمبادرة برعاية أهل القرآن هو حال الأمراء من السلف، قال أبو إياس معاوية بن قرة رحمه الله: “كنت نازلاً على عمرو بن النعمان بن مقرن رحمه الله تعالى، فلما حضر رمضان جاءه رجلٌ بألفي درهم من قِبَل مصعب بن الزبير رحمه الله، فقال : “إن الأمير يقرؤك السلام، ويقول: “إنّا لم ندع قارئاً شريفاً إلا وقد وصل إليه منا معروف، فاستعن بهذين على نفقة شهرك هذا”، فقال عمرو: “اقرأ على الأمير السلام وقل له: إنا والله ما قرأنا القرآن نريد به الدنيا”، ورده عليه(11)..
الحواشي
أخرجه البخاري في صحيحه برقم 5737.
أخرجه ابن ماجة برقم 708 والبيهقي في السنن الكبرى برقم 1714،والنسائي برقم 1596، وصححه الألباني.
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (4/113): والمثنى وولده ذكرهما ابن أبي حاتم ولم يجرح واحداً منهما، وبقية رجاله ثقات”.
أخرجه ابن ماجة في سننه برقم 2158، وصححه الألباني.
أخرجه الطبراني في الكبير برقم 12883، وشرح معاني الآثار ج4 ص 128، برقم 6020.
أخرجه عبد الرزاق في مصنفه برقم 1853.
أخرجه البيهقي في شعب الإيمان برقم 2389، وفي شرح السنة للبغوي برقم 516بلفظ : ( تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَسَلُوا اللَّهَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ رَجُلانِ : رَجُلٌ يُبَاهِي بِهِ ، وَرَجُلٌ يَسْتَأْكِلُ بِهِ).
الطبراني في الكبير برقم 14787، والبزار في مسنده برقم 3553، واحمد برقم 19958،وابن أبي شيبة برقم 7826، وشرح السنة برقم 516. وقال الترمذي : هذا حديث حسن، وقال شعيب الأرناؤوط لسند أحمد: حسن لغيره.
ابن أبي شيبة في المصنف برقم 30625.
راجع شرح الشيخ محمد بن محمد المختار حفظه الله تعالى لزاد المستنقع، الدرس الثامن والعشرين .
أخرجه ابن أبي شيبه في المصنف برقم 30627.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س
هل الأفضل صـلاة التراويح في البيت أم فـي المسجـد؟
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح
أيهما أفضل أن أصلي التراويح في البيت منفرداً أو مع أهلي، أم أن أصليها في المسجد مع الناس؟.
جواب فضيلة الشيخ
صلاة النافلة كلها تستحب في البيت وتجوز في المسجد، تستوي في ذلك النوافل الراتبة وغيرها، إلا أن النوافل على ثلاثة أقسام بها الاعتبار(1):
القسم الأول: ما يكون الأولى أداؤها في خفاء وانفراد، ويستحب أداؤها في البيت، وهي أغلب النوافل الراتبة وغير الراتبة.
القسم الثاني: ما لا يتأتى في غير المسجد، كتحية المسجد، ومنه ما يندب كونه في المسجد الحرام، وهو ركعتا الطواف.
والقسم الثالث: ما يعتبر من الشعائر الظاهرة التي يستحب إظهارها وإعلانها وأداؤها في جماعة، وهي: صلاة العيدين، وصلاة الكسوف ، وصلاة الاستسقاء.
وعلى هذا: فأين تكون صلاة التراويح من هذه الأقسام الثلاثة؟
ذهب بعض الفقهاء إلى ضمّ صلاة التراويح مع نوافل القسم الثالث فجعلوها من الشعائر الظاهرة التي يستحب أداؤها في المسجد جماعة، وهو الذي صرّح به النووي رحمه الله، وقد قال: ” باب استحباب صلاة النافلة في بيته، وجوازها في المسجد، سواء في هذا الراتبة وغيرها، إلا الشعائر الظاهرة وهي العيد، والكسوف، والاستسقاء، والتراويح..”(2).
وجعلها الشيخ صديق حسن خان من الشعائر الظاهرة على الأصحّ أي في المذهب الشافعي، وعلى هذا؛ ففي المذهب الشافعي قول آخر صحيح بأنها ليست من الشعائر الظاهرة(3).
ثم اختلف الفقهاء في الأفضل؛ هل صلاتها في البيت على انفرادٍ أم في جماعة بالمسجد؟ على ستة أقوال:
القول الأول: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء وهو أنّ الأفضل أداؤها في المسجد جماعة، قال بهذا: أبو حنيفة والشافعي وجمهور أصحابه وأحمد وبعض المالكية، فقالوا: ” الأفضل صلاتها جماعة في المسجد كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة واستمر عمل المسلمين عليه لأنه من الشعائر الظاهرة فأشبه صلاة العيد”(4).
القول الثاني: ما ذهب إليه الإمام مالك والشافعي وأبو يوسف وبعض الشافعية، فقالوا: الأفضل فرادى في البيت.
ـ قال مالك: ” قيام رمضان في البيت لمن قوي عليه أحبّ إليّ”(5).
ـ وقال الشافعي رحمه الله : ” فأما قيام شهر رمضان فصلاة المنفرد أحب إلي منه”(6).
ـ وقال أبو يوسف: “من قدر على أن يصلي في بيته كما يصلي مع الإمام في رمضان فأحب إلي أن يصلي في بيته”(7).
ـ وهو المحكيّ عن أبي هريرة رضي الله عنه(8).
واستدل هؤلاء بقوله ﷺ : « صَلاَةُ الْمَرْءِ فِى بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهِ فِي مَسْجِدِى هَذَا إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ »(9)، ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً: (صَلُّوا فِى بُيُوتِكُمْ وَلاَ تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا )(10).
القول الثالث: ما ذهب إليه الحنفية فقالوا: صلاة التراويح جماعة في المسجد سنة على الكفاية، حتى لو أقامها البعض في المسجد بجماعة وباقي أهل البلدة منفرداً في بيته لا يكون تاركاً للسنة”، وحجتهم في ذلك ما يروى عن أفراد الصحابة والتابعين تخلفهم عن جماعة التراويح، يروى ذلك عن ابن عمر وعروة وسالم والقاسم وإبراهيم ونافع فدلّ فعلُ هؤلاء أن الجماعة في المسجد سنة على سبيل الكفاية إذ لا يظن بابن عمر رضي الله عنهما ومن تبعه تَرك السنة”(11)، قالوا: ولو ترك أهل المسجد كلهم إقامتها في المسجد بجماعة فقد أساءوا وأثموا(12).
القول الرابع: ما ذهب إليه الطحاوي، قال النووي والحافظ ابن حجر: ” وبالغ الطحاوي فقال: صلاة التراويح في الجماعة واجبة على الكفاية”(13). وقريب من هذا يروى عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: ” التراويح سنّة لا يجوز تركها”.
ووجّه السبكي قول الطحاوي بالوجوب الكفائي فقال: “لأنهم قد أجمعوا على أنه لا يجوز للناس تعطيل المساجد عن قيام رمضان “(14).وهو توجيه حسن.
القول الخامس: ما ذهب إليه العترة ” آل البيت” فقالوا: الجماعة فيها بدعة(15).
القول السادس: التفصيل، حيث يرى أصحاب هذا القول أنّ صلاتها في البيت أفضل في حالة، وفي المسجد أفضل في حالة، وهذا مذهب المالكية وبعض الشافعية وبعض الحنفية.
قال المالكية: الجماعة مستحبة، لاستمرار العمل على الجمع من زمن عمر رضي الله عنه، والانفراد فيها طلباً للسلامة من الرياء أفضل، بثلاثة شروط:
1ـ أن لا تُعطّل المساجد، فإن خيف من الانفراد بالتراويح التعطيل فالمساجد أفضل.
2ـ أن ينشط لفعلها في بيته، وإلا ففعلها في المسجد أفضل.
3ـ أن لا يكون فاعلها آفاقياً(16) بالمدينة المنورة، فإن كان آفاقياً ففعلها في المسجد أفضل، وإنْ لم تعطل المساجد.
قال بعض الشافعية: يكون أداؤها في البيت أفضل إذا كان الرجل يحفظ القرآن، ولا يخاف النوم والكسل، ولا تختل الجماعة في المسجد بتخلفه(17).
فبعض الحنفية: فرّقوا بين الفقيه الذي يقتدى به وبين غيره من عامة المصلين، فقالوا: “تستحب في البيت إلا لفقيه عظيم يقتدى به، فيكون في حضوره ترغيب غيره”(18).
وفي الجوهرة النيرة للزبيدي: “من كان يحسن القراءة فالأفضل أن يصليها في بيته عند أبي حنيفة، وعند محمد في المسجد أفضل، وعند أبي يوسف إن قدر أن يصليها في بيته كما يصليها مع الإمام في المسجد فالأفضل أن يصليها في بيته ، وأما إذا كان ممن يُقتدى به وتكثر الجماعة بحضوره وتقل عند غيبته؛ فإنه لا ينبغي له ترك الجماعة”(19) .
والراجح:
مع جواز أدائها في البيت بحيث مَنْ أدّاها منفرداً أو مجتمِعاً في البيت لا يكون مسيئاً، إلاّ أنّ أداءها في المسجد جماعة هو الأفضل، وذلك لوجهين:
أولهما: أنه من فعل النبي ﷺ وسنته، حيث اجتمع له الناس فصلى بهم ليلتين أو ثلاث جماعة، وما تركها إلا خشية أن تفرض عليهم، وما خشاه النبي عليه الصلاة والسلام غير وارد بعد وفاته ﷺ.
والوجه الثاني: أنّ أداءها جماعة في المسجد هو سنّة جماعة المسلمين، فهو الذي استحبه الصحابة ووافقوا عليه سيدنا عمر ، حتى إنّ علياً رضي الله عنه صار يدعو لعمر بذلك كما ورد عنه أنه مرّ علَى المساجد وفيها القناديل في شهر رمضان، فقال: ” نور الله على عمر قبره، كما نور علينا مساجدنا” (20) ، وهو الذي سار عليه التابعون لهم بإحسان، وهو الذي اختاره الأئمة الأربعة وأصحابهم، وهو الذي استمر عليه العمل، أنْ تؤدَّى صلاة التراويح في المساجد.
الحواشي
راجع: السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج، للشيخ صديق حسن خان القنوجي، نشر الشؤون الدينية قطر، ج3 ص 40.
السراج الوهاج نفسه.
راجع: السراج الوهاج، ج3 ص 42-43.
شرح النووي لصحيح مسلم ، ج3 ص 101، نيل الأوطار للشوكاني، ج3 ص 59. ومشكاة المصابيح ج4 ص 628، المغني لابن قدامة، ج3 ص 390.
حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء، للشاشي الفقال ج2 ص 44.
كتاب الأم للشافعي ، ج1 ص 142، وانظر: الحاوي الكبير للماوردي، ج2 ص 290.
المصدر نفسه.
الشرح الكبير للرافعي، ج4 ص 268.
المصادر السابقة نفسها، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه برقم 731، وبرقم 6113، ومسلم برقم 1861، وأبو داود برقم 1046.
شرح النووي على صحيح مسلم ج3 ص 101، نيل الأوطار ج3 ص 59، مشكاة المصابيح ج4 ص 628 .
فتاوى السبكي ، ج1 ص 156.
نيل الأوطار ، ج3 ص 59.
الآفاقي: يقصد به من يسكن خارج الحرم المكي أو الحرم المدني، من أهل البادية وغيرهم، وهنا المقصود الحرم المدني.
الشرح الكبير للرافعي، ج4 ص 268.
حاشية ابن عابدين، ج2 ص 46.
الجوهرة النيرة للزبيدي، ج1 ص 384 .
راجعه في: المغني لابن قدامة ، ج3 ص 391 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س
التـراويح فـي السفـر
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح
أنا أسافر كثيراً، فوافق في إحدى المرات أن سافرت في رمضان، وفي هذه السفرة تحيرتُ؛ هل يصح لي أن أصلي التراويح في السفر أم لا؟ ولم أجد جواباً شافياً، أرجو توضيح هذه المسألة؟.
جواب فضيلة الشيخ
المتفق عليه بين الفقهاء أن السفر لا يمنع من صلاة التطوع والنوافل شيئاً، ويبقى الأمر بعد ذلك بين المستحب والجائز والمكروه، فكانوا على مذهبين:
المذهب الأول: هو الذي ذهب إليه جمهور الفقهاء ، أنه لا يكره التنفل في السفر و لو كان يقصر الصلاة فيه. وأدلتهم في ذلك:
1ـ أن النبي ﷺ صلَّىَ يوم الفتح ثمان ركعات في الضحى، ومعروف أنه كان على سفر(1).
2ـ أنه كما جاء في الصحيحين وفي السنن أنه ﷺ كان يتنفل على البعير ويوتر عليه. فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: ” كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إِيمَاءً صَلاَةَ اللَّيْلِ إِلاَّ الْفَرَائِضَ وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ”(2).
3ـ وقال الحسن: كان أصحاب رسول الله ﷺ يسافرون فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها، قال ابن قدامة: “وروي ذلك عن عمر، وعليّ، وابن مسعود، وجابر، وأنس، وابن عباس، وأبي ذر، ، وجماعة من التابعين كثير، وهو قول مالك والشافعي وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر(3).
والمذهب الثاني: هو الذي يروى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يكره التطوع والتنفل في السفر، ويروى عنه أنه رضي الله عنهما رأى قوماً يصلون بعد الفريضة في سفر، فقال: “لو كنت مسبحاً لأتممت صلاتي، وصحبت أبابكر فلم يزد على ركعتين وعمر وعثمان”(4).
وقد جمع ابن قدامة بين قول ابن عمر وقول الحسن فقال: ” إن حديث الحسن يدلّ على أنه لا بأس بفعلها، وحديث ابن عمر يدل على أنه لا بأس بتركها”(5).
قلت: وإنْ كان يظهر من كلام ابن عمر كراهته للتنفل في السفر، إلاّ أن الاستشهاد بعدم فعل أبي بكر وعمر وعثمان ليس دليلاً للمنع، لأن عدم الفعل دليل على جواز الترك ولا يمنع جواز الفعل، فإذا جمعنا له فعل رسول الله ﷺ ذلك، تأكّد الجواز بل الاستحباب ما أمكنه السفر من ذلك.
عليه: ومن هذا كله يظهر أن المسافر في رمضان إن استطاع أن يصلي التراويح وهو على سفر وبأي كيفية من كيفيات أداء التطوع والنافلة في السفر؛ كان ذلك من الخير والفضل، ويكون قد أتى بخصلة من خصال رمضان المعظّم. فطالما ثبت أن نبينا ﷺ كان يتنفل ويتطوع في السفر في غير رمضان؛ فالتراويح في ليالي رمضان أولى بالأداء من غيرها من نوافل الصلاة، والله نسأل لك ولنا القبول الجميل والثواب الجزيل.
الحواشي
البخاري برقم 1103، وبرقم 3171، ومسلم برقم 791.
أخرجه البخاري في الصحيح برقم 1000.
المغني لابن قدامة، ج1 ص 828 .
أخرجه الإمام مسلم في صحيحه برقم 1611.
المغني لابن قدامة الموضع السابق.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س
حكــم الوتـر بعد طلــوع الفجــر
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح
لم أوتر مع الإمام بنية أن أواصل صلاة القيام لوحدي في البيت ثم نمت ولم أنتبه إلا بعد طلوع الفجر؛ هل يجوز لي أن أصلي الوتر في هذا الوقت وقد طلع الفجر؟ أم سقط عني الوتر بطلوع الفجر؟.
جواب فضيلة الشيخ
من كان هذا حاله؛ إمّا أن يتذكر أنه لم يوتر بعد أن صلّى الفجر وفرغ منها، وإمّا أن يتذكر أنه لم يوتر في أثناء صلاة الفجر، وإمّا أنه تذكر أنه لم يوتر قبل أن يصلي الفجر.
ـ إذا فرغ من صلاة الفجر أو في أثناء صلاة الفجر تذكّر أنه لم يوتر؛ فلا يجوز له الوتر عندئذ.
ـ أما إذا تذكّر أنه لم يوتر قبل أن يصلي الفجر، فالفقهاء في جواز الوتر وعدمه على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا وتر بعد طلوع الفجر، وهو الذي عليه أئمة الحنفية محمد بن الحسن وأبو يوسف ، وهو قول الثوري، ومن التابعين قال به سعيد بن جبير ومكحول وعطاء.
والحجة في ذلك: أنّ الفجر قد طلع والليل قد خرج فخرج وقت الوتر، إذ وقته الليل، لقول النبي ﷺ: ( اجعل آخر صلاتك بالليل وتراً) وقوله عليه الصلاة والسلام: ( لا وتران في ليلة )(1) ، والحديثان يدلان على أن وقت الوتر الليل، فإذا خرج الليل خرج وقته فلا يؤدَّى بعده لأنه أداء لصلاة في غير وقتها، وإنما الصلاة لوقتها.
المذهب الثاني: أنه يجوز الوتر ولو طلع الفجر، وهو الذي ذهب إليه الجمهور: مالك والشافعي وأحمد ، وهو قول أبي ثور وإسحاق بن راهويه وغيرهم.
ومما احتج به الجمهور:
1ـ ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رقد ثم استيقظ فقال لخادمه: انظر ما صنع الناس؟ ـ وهو يومئذ قد ذهب بصره ـ فذهب الخادم ثم رجع فقال: قد انصرف الناس من الصبح. فقام ابن عباس رضي الله عنهما فأوتر، ثم صلّى الصبح(2).
2ـ ما روي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال يحيى بن سعيد:” كان عبادة بن الصامت يؤم قوماً، فخرج يوماً إلى الصبح فأقام المؤذن صلاة الصبح، فأسكته عبادة حتى أوتر ثم صلى بهم الصبح”(3) .
3ـ ما روي عن ابن مسعود أنه قال: ” ما أبالي لو أقيمت الصلاة وأنا أوتر”(4).
والراجح فيما يبدو هو مذهب الجمهور، لأن هؤلاء الأخيار من أصحاب رسول الله ﷺما كانوا يفعلون إلا ما اطمأنوا إلى جوازه في الشرع، وعليه جاز لك أن توتر ولو خرج الليل وطلع الفجر ما لم تصلّ الصبح. والله تعالى أعلم.
الحواشي
سبق تخريج الحديثين.
موطأ الإمام مالك، برقم 277، ج1 ص 277.
موطأ مالك برقم 280 ج1 ص 126
السنن الكبرى للبيهقي برقم 4709 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س
إتمام التراويح مع الإمام لمواصلة القيام
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح
مرات يكون لدي رغبة شديدة في مواصلة القيام والصلاة بالليل لوحدي في البيت، فنصحني بعض الإخوان أن أصلي مع الإمام إلى نهاية التراويح فإذا بقي الشفع والوتر أخرج لأكمل صلواتي في البيت وفي آخر صلاتي أشفع وأوتر، هل هذا صحيح؟.
جواب فضيلة الشيخ
في هذه المسألة خيارات شرعية أربعة جاءت عن سلفنا الصالح رضوان الله عليهم وعلمائنا رحمهم الله تعالى..
الخيار الأول: ما نصحك به إخوانك، أن تصلي مع الإمام حتى إذا لم يبق إلا الوتر فارقته، ثم تصلي ما شاء الله لك أن تصلي من الليل ثم توتر آخر الليل تحقيقاً لنهي النبي ﷺ 🙁 لا وتران في ليلة ). وقد روي هذا عن طلق بن عليّ رضي الله عنه، قال قيس بن طلق: زارنا طلق بن عليّ في يوم من رمضان، فأمسى عندنا وأفطر، ثم قام بنا تلك الليلة، ثم انحدر إلى المسجد فصلى بأصحابه حتى إذا بقي الوتر قدم رجلاً فقال: ” أوتر بأصحابك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ( لا وتران في ليلة )(1).
الخيار الثاني: أن توتر في أول الليل مع الإمام أو لوحدك ـ كيفما صليت ـ ثم إذا استيقظت أو أردت الصلاة بعد ما أوترت؛ صليت ما شاء الله لك أن تصلى مثنى مثنى ركعتين ركعتين حتى تصبح ولا توتر ثانية، تحقيقاً لقول النبي ﷺ: ( لا وتران في ليلة ).
فعل هذا جماعة من السلف ، منهم: أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وعمار وسعد بن أبي وقاص وعائذ بن عمرو وابن عباس وأبي هريرة وعائشة ، وبه قال: طاوس وأبو مجلز والنخعي ومالك والأوزاعي وأبو ثور(2).
الخيار الثالث: أن تتم صلاة التراويح مع الإمام حتى توتر معه في أول الليل ، ثم إذا استيقظت وأردت أن تصلي تأتي بركعة واحدة تشفع بها الوتر الذي صليته مع الإمام في أول الليل، وهذا يسمّى في عرف الفقهاء “نقض الوتر”(3)، ثم تصلي ركعتين ركعتين ما شئت، حتى إذا أكملت أو أوشك الفجر أن يطلع؛ تختم صلاتك بالوتر، عملاً بقول النبي ﷺ:« اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا »(4).
وقد فعل هذا جماعة من السلف : عليّ وأسامة وأبو هريرة، وعمر وعثمان وسعد وابن عمر وابن عباس وابن مسعود(5).
الخيار الرابع: وهو مستفاد من الخيار السابق، أن يشفع وتره بركعة عند انتهاء الإمام من الوتر وتسليمه، فلا يسلم مع الإمام، بل يأتي بركعة ليكون وتره شفعاً، ثم إذا أراد أن يصلي من ليله صلى ما شاء ثم يأتي بالوتر، فيكون قد جعل وتره آخر الليل. نصّ عليه الإمام أحمد(6)، وسند من المالكية(7).
ووجهه ـ والله أعلم ـ: أنه طالما جاز أن نشفع الوتر بركعة واحدة بعد أن ننوم ونستيقظ ـ كما في الخيار الثالث ـ؛ فيجوز إذنْ من باب أولى أن نشفع الوتر فور تسليم الإمام.
الخيارات الثلاثة الأُولَى وردت عن عليّ رضي الله عنه، والخيار الرابع مستفاد منها، قال عليٌّ رضي الله عنه: ” الوتر ثلاثة أنواع: فمن شاء أن يوتر أول الليل أوتر، ثم إذا استيقظ فشاء أن يشفعها بركعة يصلي ركعتين ركعتين حتى يصبح ثم يوتر فعل. وإن شاء صلى ركعتين ركعتين حتى يصبح ـ أي بدون أن يوتر ـ . وإن شاء أوتر آخر الليل”(8).
وطالما الأمر على هذه السعة فإن الأفضل هو أن يكمل المصلي التراويح مع الإمام ثم إذا أراد أن يواصل قيامه أو يقوم من الليل للصلاة والتهجّد؛ أخذ بأي الخيارات الواردة، وذلك لما ورد عن النبي ﷺ أنه قال: ( مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ )(9).. والله تعالى أعلم..
الحواشي
أخرجه أبو داود برقم 1441، والترمذي برقم 470، وحسنه.
مواهب الجليل لشرح مختصر خليل، للحطاب ، تحقيق زكريا عميرات، عالم الكتب، ج2 ص 464.
كتاب الأم، للشافعي ج1 ص 143-144، باب في الوتر .
أخرجه الترمذي برقم 806، والنسائي برقم 1605، وابن خزيمة في صحيحه برقم 2206، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 4793، وابن حبان في صحيحه برقم 2547. وصححه الأعظمي، وشعيب الأرناؤوط.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س
ختــم القـرآن فـي التـراويح
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح
هل الأفضل لنا نحن المصلين أن نختم القرآن في صلاة التراويح؟.
جواب فضيلة الشيخ
الحمد لله، يُندب ختم القرآن الكريم في صلاة التراويح في شهر رمضان، وهو قول المذاهب الأربعة:
ـ قال الحنفية: ” والسنة ختم القرآن في التراويح مرة واحدة”(1). وفصّلوا في ذلك قالوا:” الختم مرة سنة، والختم مرتين فضيلة، والختم ثلاث مرات في كل عشر ليال مرةً أفضل”(2).
ـ وقال المالكية: ” ونُدب للإمام الختم لجميع القرآن فيها أي في التراويح في الشهر كله ليسمعهم جميعه”(3).
ـ وعند الشافعية جاء في نهاية الزين: ” وسنن الصوم عشرة .. قال: والتاسع: ختم القرآنفي جميع رمضان”(4). وجاء في الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع:” وفعلها بالقرآن في جميع الشهر أفضل”(5).
ـ وعند الحنابلة، يقول الفضل بن زياد: “سألت أبا عبد الله ـ أي الإمام أحمد ـ فقلت: أختم القرآن أجعله في الوتر أو في التراويح ؟ قال: اجعله في التراويح حتى يكون لنا دعاء بين اثنتين. قلت: كيف أصنع؟ قال: إذا فرغت من آخر القرآن فارفع يديك قبل أن تركع وأدع بنا ونحن في الصلاة وأطل القيام. قلت: بم أدعو ؟ قال: بما شئت. قال ابن زياد: ففعلت بما أمرني وهو خلفي يدعو قائماً ويرفع يديه”(6).
بل جعل كثير من الفقهاء مقصود التراويح في سماع القرآن وختمه فقالوا: ” شرعت التراويح لأجل ختم القرآن”(7).والله تعالى أعلم.
الحواشي
الاختيار لتعليل المختار، ج 1 ص 95.
الجوهرة النيرة للزبيدي، ج1 ص 387.
الشرح الكبير للدردير، ج1 ص 315.
نهاية الزين في إرشاد المبتدئين، لأبي عبد المعطي الجاوي، ص 194-195.
الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ج5 ص 179.
المغني لابن قدامة ، ج1 ص 838. الفقرة 1101.
حاشية ابن عابدين ج1 ص 475، وحاشية الطحاوي على المراقي ص 410.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
لديك مسألةٌ تُشكل عليك؟ استفتِ الشيخ
اكتب سؤالك وسيصل مباشرةً إلى مكتب فضيلة الشيخ، ويصلك الجواب على بريدك.
الردّ خلال ٣–٧ أيامبياناتك محفوظة ولا تُنشر١١٣ فتوى منشورة
أنا حريصٌ على ان أعتكف اعتكافاً جيداً صحيحاً، وأريد أن أعرف ما يسلم به اعتكافي، وما يبطله ويفسده، فأرجو أن تفيدوني عن الأمور التي يبطل بها الاعتكاف حتى أبعد عنه وأحافظ على اعتكافي ولا أضيعه.