الخميس 8 أكتوبر 2026م
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ

الرئيسية ← الفتاوى

الفتــاوى

فتاوى فضيلة الشيخ في العبادات والمعاملات المالية والنوازل المعاصرة — ولمن أراد أن يسأل، فباب الاستفتاء مفتوح.

س

ما تصنعه الحائض في العشر الأواخر

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية النساء

أحياناً تكون دورتي الشهرية "الحيض" في أيام العشر الأواخر من رمضان، وقد انتشر بين النساء أن تستفيد المرأة أيام الحيض بالإعداد للعيد، ودخول السوق، وشراء الحاجيات، والانشغال بأمور البيت والأولاد ونحو ذلك؛ فهل هذا هو المناسب مع المرأة الحائض في هذه الأيام الفاضلة؟ أم ماذا؟ أرجو إرشادنا جزاكم الله خيراً.

جواب فضيلة الشيخ

مما لا يخفى على المسلم أنّ العشر الأواخر من أفضل أيام السنة، وهي أفضل أيام رمضان، فيها أُنزل القرأن، ولياليه هي ليالي الحظوة بأنس المولى جلّ وعلا وقُربه، ومنها ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، هي ليلة القدر الذي أخبرنا عنها ربّ العزة الكريم الرحيم فقالآية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين [سورة القدر].

وقد عرف الصالحون فضل هذه العشر فاجتهدوا فيها بسائر الطاعات، تعلّماً وتأسّياً واقتداءً بالمعلّم المعصوم ﷺ. فقد كان عليه الصلاة والسلام” يجتهد ما لا يجتهد في غيره “(1). وكان عليه الصلاة والسلام كما تقول عائشة ( إذا دخل العشر شدّ مئزره وأحيا ليلَهُ وأيقظ أهله ) فكان ﷺ يخصّ هذه الليالي العشر الأواخر من رمضان بأعمال لا يعملها في بقية الشهر، مما جعل الصالحين يتنبّهون لفضل هذه العشر الأواخر فيجتهدون فيها اجتهاداً كبيراً.

لذلك؛ فليس من العقل الراشد، ولا من صلاح المرأة؛ أن يَضِيعَ عليها كل هذا الفضل بالانشغال بالتسوّق وإضاعة الوقت والجهد في التجهيز للعيد بالكماليات وغير الضروريات، كتزيين البيوت، والاهتمام بشراء الملابس، وإعداد الحلوى والمقبلات والخبائز وغير ذلك مع المبالغة في ذلك بما تنقضي فيها الأوقات الفاضلة كلها أو جلها.

وإنما الذي ينبغي أن تتنبّه له المرأة الحائض في أيام العشر ولياليها؛ الاشتغال بأنواع الطاعات مما يصحّ منها فعلها، لاسيما الأجور مضاعفة وأسباب القبول وافرة، ومن ذلك:

1ـ الإكثار من ذكر الله تعالى وملأ أوقات فراغها بالتسبيح والتحميد والتهليل وغيرها من الأذكار القولية، فالذكر قوت قلوب العارفين، وغذاء أرواح العابدين، ونشوة المتنسكين، فتدخل بذلك في الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب : 35].

2ـ إعمار نهارها وليلها بالاستغفار، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما يقول رسول الله ﷺ: ( من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب )(2). لاسيما والنبي ﷺ أرشد النساء بخصوصهن بالإكثار من الاستغفار، كما في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول الله ﷺ قال: ( يا معشر النساء! تصدقن، وأكثرن الاستغفار، فإنى رأيتكنّ أكثر أهل النار ). فقالت امرأة منهن جزلة: « وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟». فقال ﷺ: ( تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، وما رأيت من ناقصات عقلٍ ودينٍ أغلب لذي لب منكن ). قالت: «يا رسول الله! وما نقصان العقل والدِّين؟» قال: ( أما نقصان العقل؛ فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين )(3).

ومن ذلك؛ سيّد الاستغفار الذي أرشد إليه النبي ﷺ، وهو أن تقول: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي اغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) قال النبي ﷺ: (ومن قالها من النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي؛ فهو من أهل الجنة ، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح؛ فهو من أهل الجنة) (4).

3ـ أن تبيع حاجات دنياها تلك بلذة المناجاة لربها، وبأنس القرب لمولاها، فتعيش ليلها وغالب نهارها ويومها تستمع إلى كلام ربها من جهاز تسجيل أو هاتف أو تلفازٍ، تسمع خطاب ربها بأُذُنٍ واعية، وقلبٍ شاهد، إذ فيه ذكرى ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق : 37]، فيصحّ قلبها، وتزكو نفسها، وترقّ وتصفو. فيالها يومئذ من فائزة.

4ـ الإلحاح في الدعاء مع الإكثار منه ، خاصة في الليالي التي ترجَى فيها ليلة القدر، وكان مما أرشد إليه نبينا ﷺ عائشة حين قالت له عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله! أرأيت إنْ علمتُ أيَّ ليلةٍ ليلة القدر؛ ما أقول فيها؟. قال: ( قولي: اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني) (5) . فتكثر في الليالي التي يُظَنُّ أنها ليلة القدر وليالي الوتر من العشر بهذا الدعاء ” اللهم إنك عفوٌّ تحبّ العفو فاعف عني”ولو أدخلت أهلها وزوجها وإخوانها ووالديها وأولادها معها في ذلك فقالت: “..فاعف عنا”.

5ـ إطعام الطعام، وإفطار الصائمين، وفي حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ: ( من فطّر صائماً؛ كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً)(6). وفي حديث سلمان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: (من فطّر صائماً على طعام، وشراب من حلال، صلّت عليه الملائكة في ساعات شهر رمضان، وصلَّى عليه جبريل عليه السلام في ليلة القدر)(7) .

ومن العادات الحميدة الجميلة في بلادنا السودان، المعبّرة عن كرم أهلها، واهتمامهم بأمر المسلمين، وإظهار أخوّة الإسلام في أبهى صورها: الترصّد للمسافرين وأهل السبيل في أوقات الفطر على الطرق، وتجهيز إفطاراتٍ لهم، والحرص على ألاّ يمضوا وقت الإفطار إلا بعد الإفطار عندهم.

فلو أعدَّت المرأة الحائض خاصة في هذه الأيام من الطعام والشراب بقدر ما تقدر وبقدر ما عندها قليلاً كان أو كثيراً، فبعثت به إلى أولئك، كان ذلك لها خيراً ، وتقبل الله الصالحات.

6ـ أن تبعث إلى المسجد بالطيب والنضوح والدُّخنة والبخور، تطيّب بها المسجد ليالي العشر، خاصة في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر.

وغير ذلك من الطاعات والأذكار والأعمال الصالحات والاجتهاد في ذلك ما استطاعت إليه، والله نسأله أن يوفق ويعين، فهو خير مرجوّ وخير معين.

الصياموأقضية العوائدالصياموأقضية العوائدالصياموأقضية العوائدالصياموأقضية العوائد

الصيام

وأقضية العوائد

الصيام

وأقضية العوائد

الحواشي

  1. أخرجه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها.
  2. أخرجه أبو داود برقم 1520، وابن ماجة برقم3819.
  3. أخرجه مسلم في صحيحه برقم 250 .
  4. أخرجه البخاري في صحيحه برقم 6306 .
  5. أخرجه الترمذي برقم 3513، وقال: حديث حسن صحيح.وابن ماجة برقم 3850.
  6. أخرجه الترمذي برقم 807، وابن ماجة برقم 1746، وقال الترمذي: حسن صحيح وصححه الألباني.
  7. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير برقم 6039، وبرقم 6038، والبزار في مسنده برقم 2501 . وفيه الحسن بن أبي جعفر قال عنه ابن عدي: له أحاديث صالحة وهو صدوق. وفيه علي بن زيد بن جدعان قال عنه الترمذي صدوق، وذلك من جانب حفظه، وقد أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأخرج له مسلم في صحيحه وكذلك الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة في سننهم، فمثل هذا الحديث يُعمل به في فضائل الأعمال ، ولله الحمد.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

حكم صيام الحامل والمرضع

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية النساء

كثير من النساء الحوامل والمرضعات خوفاً من القضاء يقمن بصيام شهر رمضان وهنّ يعانين معاناة شديدة ، فما حكم صيام الحامل والمرضع؟ هل واجب عليهما الصوم؟ أم يجوز لها الفطر إذا شعرت بالضرر على جنينها أو رضيعها؟ أفيدونا نفع الله بكم.

جواب فضيلة الشيخ

لا خلاف بين أهل العلم في المرأة إذا كانت حاملاً أو مرضعاً أنها يرخَّص لها في الفطر في رمضان، وقد نقل عدم الخلاف في ذلك غير واحد:

ـ قال الشوكاني رحمه الله: ” يجوز للحبلى والمرضع الإفطار.. قال أبو طالب: ولا خلاف في الجواز”(1).

ـ وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي: “ولا خلاف في جواز الإفطار للحامل والمرضعة إذا خافت المرضعة على الرضيع والحامل على الجنين”(2).

ومع عدم اختلافهم في جواز أن تفطر الحامل والمرضع في رمضان؛ فإنهم ذهبوا في حكم صيامهما إلى ثلاثة مذاهب:

المذهب الأول: قول من يرى أنه لا يجوز للحامل ولا للمرضع الصيام بل يجب عليها الفطر إذا خافت على نفسها أو على جنينها ورضيعها. وهو قول ابن حزم رحمه الله تعالى مستدلاً على وجوب الفطر عليهما في الخوف على الجنين والرضيع بقوله تعالىآية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين(3). وبقوله ﷺ:(من لا يَرحم لا يُرحم)(4). قال: ” فإذ رحمة الجنين والرضيع فرضٌ، ولا وصول إليها إلا بالفطر، فالفطر فرضٌ”(5).

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كانت له أمة ترضع فأُجهدت، فأمرها ابن عباس أن تفطر وتطعم ولا تقضي(6). وهذا يعني أنه أوجب عليها الفطر.

وكما أمر المرضع بالفطر كذلك أمر الحامل بالفطر، وقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن سعيد بن جبير رحمه الله أنّ ابن عباس رضي الله عنهما كان يأمر وليدة له حبلى أن تفطر في شهر رمضان(7).

وسئل ابن عمر رضي الله عنهما عن امرأة صامت حاملاً فعطشت في رمضان، فأمرها ابن عمر أن تفطر وتطعم كل يوم مسكينا مداً(8). وأمر رضي الله عنهما ابنته حين صامت وعطشت في رمضان أن تفطر وتطعم عن كل يوم مسكيناً (9).

فإجهاد الأمة قرينة على موجب الخوف على الولد أو النفس، وعطش ابنة ابن عمر كذلك قرينة على إجهادها يدلّ على موجب الخوف على الجنين، فدلّ على أنّ الخوف على الجنين والرضيع موجبٌ للفطر على رأيهم.

المذهب الثاني: أن الحامل والمرضع يجب عليهما الصوم في حالة ويجب عليهما الفطر في حالة:

أ ـ يجب عليهما الفطر ويحرم عليهما الصوم إذا خافتا الضرر على أنفسهما أو ولديهما، ففي هذه الحالة محظورٌ عليهما الصوم..

ب ـ ويجب عليهما الصوم ولا يجوز لهما الفطر إن أَمِنَا ولم يخشيا ضرراً على أنفسهما ولا على ولديهما فعندئذٍ يجب عليهما الصوم ولا يجوز لهما الإفطار. وهو الرأي هو الذي ذهب إليه الحنفية(10)، وهو قول الإمام الشافعي، فقد قال رحمه الله: ” والحامل والمرضع إذا أطاقتا الصوم ولم تخافا على ولديهما لم تفطرا، فإن خافتا على ولديهما أفطرتا..” (11).

وهذا المذهب قريب من الأول، لأن الإيجاب وعدمه دائر على خوف الضرر على النفس أو الولد.

والمذهب الثالث: أنهما يباح لهما الفطر مطلقاً سواء أخافتا على أنفسهما أو ولديهما أم لم تخافا.

وهذا القول حكى ابن الحاجب المالكي الاتفاق عليه، واستظهره قائلاً: ” إذا كانت الشدة مبيحة للفطر من المرض، فالحامل والمرضع أولى بذلك”اهـ(12).

وهذا هو الصحيح الراجح، للوجوه الآتية:

1ـ أنّ الشدّة تلحقهما، ومشقة الحمل والرضاعة أكثر من مشقة سائر الصائمين، فزادتا على من سواهما بالمشقة الزائدة المعتبرة فأبيح لهما الفطر.

2ـ أنّ الشرع رخّص لهما في الفطر بسبب الحمل والرضاع، كما جاء في سنن النسائي أنّ النبي ﷺ ( رخصّ للحبلى والمرضع)(13) فدار حكم الرخصة معهما، فدلّ أن الحمل والرضاعة هما علّة الحكم وسببه، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فطالما كانت حاملاً أو مرضعاً ثبت لها حكم الفطر ورخصته، أما المشقة والخوف وغير ذلك فكلها أوصاف متفاوتة غير منضبطة ولا ظاهرة، فلا تصلح علّة للحكم، فثبتت لهما الرخصة بمجرد الحمل أو الإرضاع. ولا يحرم عليها الفطر بأية حال ما كانت حاملاً أو مرضعاً.

ولكن قد يجب على الحامل الفطر ولا يجوز لها أنْ تصوم في حالتين:

الحالة الأولى: إذا شعرت بإعياء ومشقة وشدة ظاهرة، فلا يجوز لها الصوم، وإن كانت صائمة قطعت.

والحالة الثانية: إذا أمرها الطبيب المسلم الحاذق أو نصحها.

كما يجب على المرضع الفطر في حالة واحدة هي أن يجف لبنها أو يقلّ إلى درجة قدرت معها الضرر على ولدها ولا بديل له إلا لبنها.

والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. نيل الأوطار، للشوكاني ج4 ص 323.
  2. تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي، لأبي العلا المباركفوري، ج3 ص 330. وقد أخرج ابن ماجة في سننه برقم 1668 عن أنس بن مالك ◙ أنه قَالَ: “رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ♀ لِلْحُبْلَى الَّتِي تَخَافُ عَلَى نَفْسِهَا أَنْ تُفْطِرَ، وَلِلْمُرْضِعِ الَّتِي تَخَافُ عَلَى وَلَدِهَا” غير أنّ الشيخ الألباني رحمه الله ضعّفه.
  3. سورة الأنعام ، 140 .
  4. أخرجه البخاري برقم 5997، ومسلم برقم 6170، وأبو داود برقم 5220، والترمذي برقم 1911 وغيرهم.
  5. المحلى لابن حزم ج4 ص 410 فقرة 770.
  6. أخرجه الدارقطني في سننه برقم 10 ، ج2 ص 207، وقال : هذا صحيح.
  7. مصنف عبد الرزاق برقم 7567 ج4 ص 219.
  8. البيهقي في السنن الكبرى برقم 7868ج4 ص 230.
  9. سنن الدارقطني برقم 15 ج2 ص 207.
  10. أحكام القرآن لأبي بكر الجصاص الرازي ، ج1 ص 181.
  11. كتاب الأم للشافعي، ج2 ص 103ـ 104.
  12. راجع: منح الجليل ،عليش، ج2 ص 151.. وقال ابن رشد:” للمرضع على المشهور من مذهب مالك ◙ في الفطر ثلاثة أحوال: ( حال ) لا يجوز لها فيها الفطر والإطعام ، وهي إذا قدرت على الصيام ولم يجدها الإرضاع ؛ و(حال) يجوز لها فيها الفطر والإطعام ، وهي إذا أجدها الإرضاع ولم تخف على ولدها ، إما بأنه يبقى لها من اللبن إن لم تفطر ما ترمقه به ، وإما لأنها تقدر على أن تستأجر له من ترضعه من ماله ، أو من مال الأب ، أو مالها – إذا كان يقبل غيرها ؛ و(حال) يجب عليها الفطر والإطعام ، وهي إذا خافت على ولدها : إما بأنه لا يقبل غيرها ، وإما بأنها لا تقدر على أن تسترضع له بحال”اهـ وقال أبو الحسن اللخمي من المالكية: ” للحامل ثلاث حالات: حالة يجب معها الصوم، وحالة يجب معها الفطر، وحالة تكون بالخيار بين الصوم والفطر، فإن كانت في أول حملها وعلى حالة لا يجهدها الصوم لزمها، وإنْ كانت تخاف على ولدها متى صامت، أو حدوث علة لزمها الفطر ومنعت من الصوم، فإن كان يجهدها أو يشق عليها، ولا تخشى إن هي صامت شيئاً من ذلك كانت بالخيار بين الصوم والفطر.. قالت: وللمرضع ثماني حالات، يلزمها الصوم في أربع، ويلزمها الفطر في ثلاث، وهي بالخيار في الثامنة، فإن كان الرضاع غير مضر بها ولا بولدها، أو كان مضراً بها وهناك مال يستأجر به للابن أو للأب أو للأم، والولد يقبل غيرها لزمها الصوم، وإن كان مضراً بها تخاف على نفسها أو على ولدها والولد لا يقبل غيرها أو يقبل غيرها ولا يوجد من يستأجر له، أو يوجد وليس هناك مالٌ يستأجر منه لزمها الإفطار، وإن كان يجهدها الصوم ولا تخاف على نفسها ولا على ولدها والولد لا يقبل غيرها كانت بالخيار بين الصوم والإفطار” راجع: البيان والتحصيل لابن رشد الجد ج2 ص 320 ، والتبصرة لأبي الحسن اللخمي، ج2 ص 757 – 758، وراجع: شرح زروق للرسالة ج1 ص 317 ، وحاشية الدسوقي ج1ص536.
  13. النسائي برقم 2277 ج4 ص 181، وحسنه الألباني. وأخرج ابن ماجة ج2 ص 576 برقم 1668، من حديث أنس بن مالك ◙، قال : “رخص رسول الله ♀ للحبلى التي تخاف على نفسها أن تفطر، وللمرضع التي تخاف على ولدها” وضعف الألباني إسناده غير أن معناه صحيح وأصله ثابت في السنن.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الصوم أفضل للمسافر أم الفطر؟

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية السفر

كثيراً ما يختلف الناس ويتنازعون في للمسافر : هل الأفضل في حقه الصوم أم الأفضل الفطر خاصة إذا كان لا يجد مشقة ظاهرة في سفره؟.

جواب فضيلة الشيخ

[1] من تصوّر من العلماء مشقة القضاء وكونه معلّقاً على الظروف بعد أيام رمضان ، والمسافر لا يشق عليه الصوم مع السفر ، فيمكنه أن يصوم بلا مشقة تحتاج إلى الرخصة ، قرّر أن الأفضل لمثل هذا المسافر الصوم لا الفطر، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية واستدلوا بقوله آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين ، وبقوله ﷺ: ( إنّ أفطرت فهو رخصة، وإنْ صمت فهو أفضل )(1).

[2] ومن نظر إلى مقصود الشارع في التخفيف والتيسير في أحكام الصيام، ووجود الحكمة البالغة ـ بلا شك ـ في تعليق الرخصة بالسفر دون تقييد بمشقة أو عدمها، قرّر أن الأفضل للمسافر الفطر لا الصوم، وهو مذهب الحنابلة وابن الماجشون من المالكية واختاره ابن تيمية، ومحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما .

[3] ومن نظر إلى خفاء الحكمة وظهور الرخصة ، قرّر أن الأفضل هو الأيسر والأسهل عليه ، فإن كان الفطر أسهل عليه مع القضاء ، كان الفطر له أفضل ، وإنْ كان الصوم أسهل عنده من القضاء كان أفضل، وقد جعلوا ـ والله أعلم ـ ذكر إرادة التيسير عقب الترخيص للمريض والمسافر سبباً للرخصة وعلة لها ، فما وافق التيسير كان أولى ، وهو قول مجاهد وعمر بن عبد العزيز ورجّحه ابن المنذر ونسبه القرطبي إلى جلّ مذهب مالك.(2).

وهو الراجح :

أولاً: لأن الشارع قصد إلى التيسير على الصائمين فرخّص لهم في الفطر بسبب السفر، كما رخّص لهم بسبب المرض ، وقد يكون على كثيرين القضاء بعد رمضان أشق عليه من الفطر في السفر ، خاصة سفر بطائرة أو باخرة ، أو بص مكيّف مريح ، وهذا هو المقصود بالرخصة (مراعاة التيسير ) فما كان أيسر كان أفضل ، ومن تلا الآية بتدبّر انشرح صدره لهذا الرأي وقد قال تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (3)وهو تعقيب يدلّ على المراد بوضوح.

ثانياً : كانت السنة الجارية في أسفار النبي ﷺ وصحابته الكرام رضي الله عنه أنهم كانوا لا ينكرون على من صام فيها ولا على من أفطر فيها ، فدلّ أن المقياس شخصيٌّ ، ولا يكون إلاّ تقدير الأيسر له والأسهل عليه .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : ” صام رسول الله ﷺ وأفطر ـ أي في أسفار رمضان ـ من شاء صام ومن شاء أفطر ” .

وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: ” غزونا مع رسول الله ﷺ لست عشرة مضت من رمضان ، فمنّا من صام ، ومنّا من أفطر ، فلم يعب الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم “.. وفي رواية: كنا نسافر مع رسول الله ﷺ في رمضان ، فما يعاب على الصائم صومه، ولا على المفطر إفطاره ” .. وفي رواية: ” يرون أنّ من وجد قوة فصام، فإن ذلك حسن، ويرون أنّ من وجد ضعفاً فأفطر ، فإن ذلك حسنٌ “.

وقال أنس رضي الله عنه، وقد سئل عن صوم رمضان في السفر فقال: “سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان ، فلم يعب الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم ” .

وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه : ” سافرنا مع رسول الله ﷺ، فيصوم الصائم ويفطر المفطر ، فلا يعيب بعضهم على بعض ” (4).

ثالثاً : أن النبي ﷺ خيّر المسافر بين الصوم والفطر ، والتخيير يجعل المقياس في المخيّر شخصياً ، ويكون هو الأيسر، ويستبعد أن يختار شخصٌ غير الأيسر وقد خُيِّر بين أمرين ، وكان رسولنا الحبيب ﷺ إذا خيِّر بين أمرين اختار أيسرهما إنْ لم يكن إثماً ، كما صحّ عنه ﷺ. وكذلك كل عاقل يفعل . وفي الصحيح عن عائشة قالت : ” سأل حمزة ابن عمرو الأسلمي رسول الله ﷺ عن الصيام في السفر فقال : ( إنْ شئت فصم، وإنْ شئت فأفطر)(5).

هذا وقد شذّ الظاهرية فأوجبوا الأخذ بالرخصة وذهبوا إلى تحريم الصوم في السفر(6) أخذاً بظاهر حديث (ليس البر أن تصوموا في السفر) وحديث (أولئك العصاة)(7). ولا يصلح أحدهما في تحريم الصوم في السفر، لأنهما خاصّان بحالة من شقّ عليه الصوم ، وكره الرخصة . أما حديث (ليس البر أن تصوموا في السفر) قاله ﷺ حينما رأى رجلاً قد اجتمع الناس عليه وقد ظلل عليه ، فقال : ( ماله ؟) قالوا : رجل صائم . فقال: ( ليس البر أن تصوموا في السفر ) .. وأما حديث ( أولئك العصاة ) إنما قاله ﷺ حينما شقّ الصوم على الناس وقيل له : إنّ الناس قد شقّ عليهم الصيام ، وإنما ينظرون فيما فعلت ، فدعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب ، فقيل له : إن بعض الناس قد صام . فقال ( أولئك العصاة أولئك العصاة ) كما في صحيح مسلم . وواضح جداً أن هؤلاء العصاة رفضوا رخصة رسول الله ﷺ وكرهوا فعله وأصروا على الصوم مع ما يشقّ عليهم، فكانوا فعلاً عصاة .

لذلك الراجح : التخيير للمسافر إنْ شاء أفطر وإنْ شاء أمسك وصام، بما يراه هو أيسر عليه وأسهل له . والله تعالى أعلم ..

الحواشي

  1. أخرجه البيهقي في الصيام 4/245 وقال حديث منكر ، وأن الصحيح أنه موقوف على أنس ◙ .
  2. يراجع الأقوال والمذاهب في : المجموع شرح المهذب 6/266-267 ، تفسير القرطبي، 2/261-262، بداية المجتهد 2/167-168 ، مجموع الفتاوى 25/213-214 .
  3. البقرة : 185.
  4. كلها في أخرجها مسلم في صحيحه كتاب الصيام باب جواز الصوم والفطر في رمضان للمسافر في غير معصية ، ج7/229 ـ 236 بشرح النووي .
  5. صحيح مسلم كتاب الصيام برقم 2620، 2621، 2622، ج7 ص 237 بشرح النووي.
  6. المحلى لابن حزم ، 4/395 وما بعدها .
  7. حديث ( ليس من البر ) أخرجه مسلم في الصيام برقم 2607 والبخاري في الصوم برقم 1946 ، وأبو داود في الصوم برقم 2407 . وحديث ( أولئك العصاة ) أخرجه أيضاً مسلم في الصيام برقم 2605، والترمذي في الصوم برقم 710 ، والنسائي في الصوم باب ذكر اسم الرجل برقم 2262 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

السفر المبيح للفطر

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية السفر

ما هو السفر الذي يباح للمسافر أن يفطر فيه ؟

جواب فضيلة الشيخ

أجمع المسلمون على إباحة الفطر للمسافر في الجملة لقوله تعالىآية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (1)

ولكن ليس كل سفر يباح فيه الفطر ويرخّص للصائمين أن يفطروا، هذا السفر اشترط العلماء فيه شرطين هما :

الشرط الأول : أن يكون السفر مما يجوز فيه القصر على رأي الجمهور. وهو السفر الذي يصحّ أنْ يطلق عليه اسم سفر . أما مسافة السفر المجوّز للقصر فليست منضبطة ، فلا تضبط بأيام ولا بأميال ، لأنّ ما روي عن سلفنا الصالح رضوان الله عليهم كله لم يضبط مسافة معينة ، حتى المرويّ عن واحد نجده يقصر في مسافات مختلفة .. مثلاً ابن عمر رضي الله عنهما، روي عنه أنه قصر في مسافة ستة وتسعين ميلاً ، وفي مسافة اثنين وسبعين ميلاً ، وروي عنه لا يكون الفطر إلاّ في ثلاثة أيام ، وروي : لا يكون القصر إلاّ في اليوم التام، وروي عنه القصر في ثلاثين ميلاً ، وفي ثمانية عشر ميلاً ، وفي سفر ساعة ، وفي ميل واحد ، وفي سفر ثلاثة أميال وقريب من هذا روي عن ابن عباس وعن عمر وغيرهما .. (2).

ولهذا فالصحيح أن يكون ضابط السفر المبيح للفطر والقصر ما يصحّ أن يطلق عليه اسم سفر .

الشرط الثاني : أن يكون سفر طاعة لا سفر معصية ، لأنّ سفر المعصية لا يسمح فيه بالرخص ، والقاعدة الفقهية : [ الرخص لا تناط بالمعاصي ] فالشرط في السفر المبيح للفطر أن يكون سفراً مباحاً لا سفراً محرّماً ، وكل سفر اتُخذ سبباً لارتكاب المعاصي ، كمن يسافر ليقطع الطريق ، أو يسافر ليبغي على حاكم مسلم مستحق للطاعة ، أو يسافر ليسرق ، أو يسافر ليزنِي، أو نحو ذلك .

فهذه الأسفار لا تبيح الأخذ برخصة الفطر في السفر ، وهذا ما رجّحه ابن عطية والقرطبي والقرافي من المالكية وهو مذهب الشافعية وغيرهم (3) .

الحواشي

  1. سورة البقرة الآية 185.
  2. انظر : المحلّى لابن حزم ، 4/385 ـ 387 ، سنن البيهقي 3/137 ، والمصنف لابن أبي شيبة 3/20.
  3. انظر : الفروق للقرافي ، 2/33 ـ 34 ، الأشباه والنظائر للسيوطي ، ص 138 ـ 140 ، تفسير القرطبي ، ج2 ص 258 ، المجموع للنووي 6/264 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

التبرع بالدم في نهار رمضان

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية المرض

أصيب أخي الأكبر في حادث حركة رابع يوم من رمضان، فأخبر الأطباء أنه فقد كمية كبيرة من دمه وأنه يحتاج إلى نقل دم، وكانت فصيلة دمي نفس فصيلة دمه والحمد لله لا أشكو من مرض يخشى منه لنقل الدم، ولكنّي ترددت في التبرع بالدم في نهار رمضان خوفاً من فساد صومي بسبب ذلك، وكانت حالته خطيرة بحيث لا يمكن انتظار الليل، وشفقة على أخي من الموت قمت بالتبرع بالدم، فما حكم صومي مع تبرعي بدمي في نهار رمضان؟.

جواب فضيلة الشيخ

أولاً: أنت الآن بتبرعك بالدم لهذا المحتاج؛ تكون كأنك أحييت نفساً مؤمنة، وهي نفس أخيك، وقد مدح رب الأنفس جل وعلا من يفعل ذلك فقال: آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (1).

وبشّره رسول الله بعاقبة الحسنى ففي صحيح مسلم: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة»(2). وفي صحيح الترمذي: «من نفس عن أخيه كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة»(3). وروى أبو نعيم الأصبهاني بسنده مرفوعاً إلى النبي ﷺ أنه قال: « من سقَى مؤمناً شربة من الماء والماء موجود؛ فكأنما أعتق سبعين رقبة، ومن سقاها في غير موضعها فكأنما أحَيَا نفساً، ومن أحيا نفساً فكأنما أحَيَا الناس جميعاً »(4).

فهنيئاً لمن أعان أخاً له بمثل هذا فأنقذه.

ثانياً: إنّ التبرع بالدم وسحبه من الصائم لنفع أخ ومسلم محتاج إليه، لا يفسد الصوم عند جماهير علماء العصر.

وقد ذهب بعضهم إلى إفساد الصوم بالتبرع بالدم، قياساً على الحجامة، ومنهم: الشيخ ابن جبرين وقد قال: ” إذا تبرع بالدم فأُخذ منه الكثير فإنه يبطل صومه قياساً على الحجامة”.

ويفهم ذلك من كلام الشيخ ابن باز رحمه الله في فتاويه: ” أما التبرع بالدم فالأحوط تأجيله إلى ما بعد الإفطار، لأنه في الغالب يكون كثيراً، فأشبه الحجامة”(5).

والراجح الذي قررناه: أنّ الحجامة لا تفسد الصوم، وأنّ النبي ﷺ احتجم وهو صائم، وأن كثيراً من أصحابه كانوا يحتجمون وهم صائمون، كسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وأنس بن مالك رضوان الله تعالى عليهم(6).

وعليه: فلا يفسد الصوم بالتبرع بالدم اللهم إلاّ إذا أُخذ منه دمٌ كثيرٌ أضعفه ضعفاً يلحقه بالمريض فيفطر لذلك لا لمجرد سحب الدم منه أو تبرعه به، وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه في معنى ذلك: “”إِنَّمَا الصِّيَامُ مِمَّا دَخَلَ، وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ، وَالْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ وَلَيْسَ مِمَّا دَخَلَ”(7).

والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. سورة المائدة، 32.
  2. أخرجه مسلم في صحيحه برقم 2699، بتحقيق عبد الباقي.
  3. الترمذي في سننه برقم 2945 ، وصححه الألباني في صحيح الترمذي ج5 ص 195.
  4. أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في أخبار أصبهانن ج3 ص 88، برقم 701.
  5. راجع القولين في : فتاوى الصيام من موقع الإسلام سؤال وجواب، ص 220، ومجموع فتاوى ابن باز، ج5 ص 253.
  6. راجع: فصل: اقضية المرض نفسه سؤال رقم [2] من هذا الكتاب فقد حررنا مسألة الاحتجام للصائم، والله الموفق.
  7. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير برقم 9460.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

حدّ المرض المبيح للفطر في رمضان

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية المرض

نحن نعرف أن المرض يرخِّص للصائم في رمضان أن يفطر بسببه ، ولكن لم نعرف : هل كل مرض يجوز أن نفطر به ؟ أم المرض المفطر مرض معيّن؟.

جواب فضيلة الشيخ

أجمع المسلمون على أن المرض سبب لرخصة الفطر في رمضان لقوله تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (1).

إلاّ أن المرض لم يكن في الحقيقة الواقعة للمرضى على درجة واحدة، فهناك مرض خفيف في ظاهره شديد على المريض في حقيقته ، ومرض تقلّ أيامه وتزيد آلامه ، ومرضٌ يثبت على كل حال ، ومرضٌ يزداد ويشتد مع التعب والإرهاق،، وهكذا ..

وبهذا النظر ! فالمرض بالنسبة للصيام والفطر على أربع مراتب:

المرتبة الأولى: المرض الذي لا يُطاق معه الصوم ، فهذا المرض يوجب الفطر، ولا يجوز لمن وصل به المرض إلى هذه الدرجة أن يصوم . وقد أشار أهل الفقه إلى هذه الرتبة كالإمام القرطبي من المالكية، والجرجاني والغزالي من الشافعية (2).

المرتبة الثانية: المرض الذي يقدر معه على الصوم ولكن بضرر ومشقة، فهذا ـ كما يقول القرطبي رحمه الله : ” يُستحبُّ له الفطر ، ولا يصوم إلاّ جاهل “(3). وهو ما صرّح به الحنابلة من الأحوال التي يُكره فيه الصوم ويستحب الفطر من الأمراض (4).

المرتبة الثالثة : المرض الذي يقدر معه على الصوم ومشقته مشقة المرض العادية ـ أي أدنى مشقة تلحق المريض ـ ، وهذا يكون في كل مرض يسير في نفسه أو يسير في زمنه ومدته، أو يسير في علاجه ، ونحو ذلك . هذا النوع لا يجب الفطر فيه ولا يستحب الفطر، وإنما يجوز معه الفطر ، وهذا أدنى درجات المرض الذي يبيح للصائم الفطر في رمضان، وهو ما أخذ به ابن سيرين، وعطاء بن أبي رباح ، والإمام البخاري، وشيخه إسحاق بن راهويه، وهو ما رجحه القرطبي، رحمهم الله تعالى.

ـ دخل طريف بن تمام العطاردي على محمد بن سيرين في رمضان، فوجده يأكل ، فلما فرغ قال ابن سيرين : ” إنه وجعتْ إصبعي هذه “..

ـ وقال البخاري : ” اعتللت بنيسابور علة خفيفة ، وذلك في شهر رمضان، فعادني إسحاق بن راهويه في نفر من أصحابه ، فقال لي: أفطرت يا أبا عبد الله ؟ فقلت : نعم . فقال : ” خشيت أن تضعف عن قبول الرخصة”(5). وهذا من مواقف العلماء القوية فيما يرونه حقاً وصواباً ،وكثيراً ما نشاهد ونرى ونسمع من يتساهل في قبول الرخصة ويتحاشى منها ويتشدد على العزائم ، مع أن السنة عند صاحب السنة أنه ما خيّر بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما ، ينبّه إلى استواء حب الله للرخصة والعزيمة فقال عليه الصلاة والسلام : ( إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه)(6).

المرتبة الرابعة : المرض الذي يكون الصوم أنفع له من الفطر ، بل الأكل والشرب يضره ويشتد عليه المرض بسببه ، فهذا يكره معه الفطر، وقد نبّه إليه الكاساني رحمه الله (7).

والخلاصة : أن كل ما يحصل للصائم من حال يستحق بها اسم المرض جاز به الفطر ، فإن زادت مشقته عن المشقة العادية استحب الفطر وكره الصوم ، فإذا ازداد إلى درجة الضرورة وجب به الفطر وحرم الصوم

هذا : وقد ألحق كثير من العلماء في كل المذاهب بالمرض المبيح للفطر أموراً نذكرها لزيادة الفائدة ، هي:

[1] المرض الذي يُخشى الزيادة فيه بالصوم أو إبطاء البرء منه .

[2] المرض الذي يُخشى فساد عضو بالصوم أو وجع العين أو الصداع أو الجراحة .

[3] المريض الذي لا يجد مشقة زائدة على الصوم ولكن يأخذ علاجاً في النهار ويخشى لو ترك العلاج أن يبطأ البرء أو يزداد المرض .

[4] الصحيح الذي خاف المرض بالتجربة أو بإخبار طبيب مسلم حاذق، أو بغلبة الظن ـ لا مجرد الوهم ـ .

[5] الصحيح الذي يمرّض المريض ويرعاه إذا خشي ضياع المريض بسبب صومه ، أو خاف هلاكه لضعفه عن القيام برعايته إذا صام (8).

والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. سورة البقرة الآية 185 .
  2. انظر : تفسير القرطبي ، 2/258 ، كفاية الأخيار ، تقي الدين الحصني الشافعي ، 1/408 . ولكن الشافعي والحسن البصري وإبراهيم النخعي جعلوا هذا النوع هو حدّ المرض الذي يبيح الفطر ، يراجع ذلك في تفسير القرطبي الموضع السابق .
  3. تفسير القرطبي نفسه . وهو النوع الذي جعله الجمهور حداً للمرض الذي يبيح الفطر للصائم، يراجع: تفسير القرطبي نفسه ..
  4. انظر : معونة أولي النُهَى شرح المنتهى ، لابن النجار الفتوحي الحنبلي ، 3/392 .
  5. كلاهما في : تفسير القرطبي ، نفسه .
  6. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 3/140 ، وابن حبان في صحيحه باب ذكر الأخبار عما يستحب للمرء ، 2/69 ، وأحمد في المسند 2/108 برقم 5885 بلفظ ( كما يكره أن تؤتى معصيته ) .
  7. بدائع الصنائع ، 2/94 .
  8. يراجع: حاشية ابن عابدين ، 2/116 ، معونة أولي النهى ، 2/392 ، تفسير القرطبي نفسه.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

إفطار سكان الطوابق العالية

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان

رجلٌ يسكن الطابق العشرين في عمارة عالية ، يسمع المؤذن يؤذن للمغرب ، ولكنه يرى الشمس لا تزال طالعة ، هل يفطر بالأذان أم ينتظر المغيب ؟

جواب فضيلة الشيخ

الصيام الواجب لا يتحقق ولا يصحّ شرعاً إلا إذا بدأ الإمساك من طلوع الفجر واستمر إلى غروب الشمس ، وهو صريح قوله تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (1)، وساكن الطابق العشرين إذا أفطر بأذان المؤذن وهو يرى الشمس لا يكون أتم صيامه إلى الليل، والإفطار يكون بتيقن الوقت لا بسماع الأذان، والأذان ما جعل إلا تنبيهاً للوقت، ولكنه متيقن من النهار فلا يجوز له الإفطار بالأذان إلا إذا تيقن من غروب الشمس .

وغروب الشمس في مثل هذه الحالة لا يتأخر طويلاً عن وقت أذان ساكني الطوابق الأرضية، فليس في الانتظار حتى الغروب مشقة زائدة، وليست من المشقات المعتبرة تأخر انقضاء التكليف عشر دقائق أو ربع ساعة حتى يقتضي الترخيص .

هذا وقد سئل الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله عن هذه المسألة فأجاب: “من كان في العمارة العالية ، وهو يرى الشمس ، لا يجوز له أن يفطر حتى يراها تغيب” أ.هـ (2).

والله تعالى أعلم ..

الصيام وأقضية المرضالصيام وأقضية المرضالصيام وأقضية المرضالصيام وأقضية المرض

الصيام وأقضية المرض

الصيام وأقضية المرض

الحواشي

  1. سورة البقرة الآية 187.
  2. فتاوى علي الطنطاوي ، جمعها ماجد ديرانيه ، ص 232 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

مـنْ يصوم ولا يصلِّي

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان

زوجي لا يصلي، ومع ذلك كلما دخل شهر رمضان يتحمّس للصيام فيصوم معنا، وأنا أكلمه كثيراً عن أهماله للصلاة وتركه لها، وهو لا يسمع لي، وقد سمعت من بعض الدعاة أنّ صيامه لا ينفعه ما دام لا يصلي، فما رأيكم دام فضلكم؟.

جواب فضيلة الشيخ

الصلاة عماد الدين، وتاركها ليس له من الإسلام كثير حظٍّ، بل منزلته بين الفسوق والكفران لا يرتفع عنهما قيد أنملة، لا يخرج من أيِّهما إلا بإقامتها على الدوام. وهي العبادة التي لا تسقط بعذر من مرض أو سفر مهما بلغ به المرض، وهي العبادة التي ما أُنزل فرضها من السماء، بل دُعي لفرضها النبي الكريم ﷺ إلى السماء السابعة ففرضها ربنا عليه وعلى أمته، وقد حذّر رسول الرحمة عليه الصلاة والسلام من تركها تحذيراً شديداً، حتى إنّه ﷺ جعل العهد الذي بين المسلم وبين المسلمين الصلاة، فقال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)(1) وقال ﷺ: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)(2). وقول فاروق الأمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تارك الصلاة: ( لا حظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة)(3) . والشريعة تؤاخذ تاركها إنْ ظفرت به ولا تتركه حرَّاً طليقاً وهو لا يزال مستخفاً بها مستهيناً بأمرها.

وعليه فتارك الصلاة قبل الحكم على صيامه؛ يجب أن يُنظر في أمر تركه للصلاة، فإنْ كان تركه لها جحوداً وإنكاراً، فهو كافرٌ مرتدٌّ لا ينفعه صيامٌ ولا زكاةٌ ولا حجٌّ بإجماع الأمّة والأئمّة، ويُقتل كفراً بعد استتابته. أمّا إنْ كان تركه لها كسلاً وتهاوناً فالجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم يوجبون قتله كذلك حدَّاً، والحنابلة وابن حبيب من المالكية كفراً، بعد استتابته، بينما ذهب الحنفية إلى حبس من تركها تهاوناً وكسلاً وضربه حتى يصلي أو يموت في حبسه.

فها هو تارك الصلاة في مجتمع المسلمين لا يترك حراً طليقاً بينهم، بل حقّه بين القتل كفراً أو حداً وبين الحبس والضرب.

والراجح في تارك الصلاة كسلاً وتهاوناً أنه عاصٍ فاسق، ولا يكفر بتهاونه وكسله في أداء الصلوات ـ وإنْ كان حدّه القتل ـ ، ما دام مقرَّاً بوجوبها غير منكِرٍ لها؛ والقاعدة في ذلك: أنّ من دخل الإسلام بيقين لا يخرج منه إلا بيقين، ولقوله تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين(4). ولحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: « خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن؛ كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن؛ فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة»(5). ولحديث أَبِي قَتَادَةَ بْنَ رِبْعِيٍّ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: افْتَرَضْتُ عَلَى أُمَّتِكَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ، وَعَهِدْتُ عِنْدِي عَهْدًا أَنَّهُ مَنْ حَافَظَ عَلَيْهِنَّ لِوَقْتِهِنَّ أَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنَّ فَلاَ عَهْدَ لَهُ عِنْدِي)(6). على أنّ في حديث ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) إضماراً تقديره : ( فمن تركها ـ جحوداً وإنكاراً ـ فقد كفر) وكذلك في حديث مسلم (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) وتقديره : (..ترك الصلاة إنكاراً). كما أنّ الكفر فيهما مؤَّولٌ بكفر المعصية، كتأويل ابن عباس وغيره لقوله تعالىآية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (7) وكتأويل العلماء لقوله ﷺ في حجة الوداع: ( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)(8). ولقوله ﷺ: ( سباب المسلم فسوقٌ وقتاله كفرٌ)(9). قال الترمذي رحمه الله: ” ومعنى هذا الحديث (قتاله كفر) ليس به كفراً مثل الارتداد عن الإسلام..وقد روي عن ابن عباس وطاووس وعطاء وغير واحد من أهل العلم قالوا: كفر دون كفر وفسوق دون فسوق”(10).

ولكنه مع ذلك دلّ على أنّ ترك الصلاة وقتال المسلم أفعالٌ أشبه بالكفر وأقرب إليه من الإسلام والإيمان، لأنها أفعال تشبه أفعال أهل الكفر لا أهل الإسلام.

ولهذا: فإنْ وجدنا من يصوم رمضان إذا دخل الشهر، وهو لا يصلي، لا نمنعه من الصيام، ولا نقول إنّ صيامه لا ينفعه، إذ الصيام فرضٌ قائم بنفسه، واجب أداؤه بذاته، كما يجب أداء الصلاة، وعليه يصحّ صومه، ولو ترك الصيام مع الصلاة يكون قد ترك ركنين وأضاع فرضين، ولا شكّ أنّ ترك ركن أو فرض؛ أخفّ من ترك ركنين وإضاعة فرضين .

ونرجو أن يحمله الصوم إلى محبة دينه، وأن يزيد تقواه به، فيقوى في التزامه، ويزداد في تديّنه، فيحبَّبَ إليه الإيمان، ويكرَّه إليه الفسوق والعصيان، حتى يخرج مع خروج الشهر من فسوق ترك الصلاة إلى صفوف مقيمي الصلاة والصيام. والله ولي ذلك والقادر عليه.

الحواشي

  1. أخرجه الترمذي برقم 2621، والنسائي برقم 463، وابن ماجة برقم 1079، وأحمد برقم 22987، وصححه الألباني وشعيب الأرناؤوط.
  2. أخرجه مسلم في صحيحه برقم 256، وأحمد في المسند برقم 15221، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 6730.
  3. موطأ الإمام مالك برقم 82.
  4. سورة النساء الآية 48 .
  5. أخرجه أبو داود في السنن برقم 425، 1422، ومالك في الموطأ برقم 268.وابن ماجة برقم 1401، والنسائي برقم 461، وصححه الألباني سنن النسائي ج1 ص 230.
  6. أبو داود في السنن برقم430 ، وابن ماجة برقم 1403.
  7. سورة المائدة الآية 44.
  8. البخاري في صحيحه برقم 121، وبرقم 1739، 4403، 4405، ومسلم في الصحيح برقم 232، 234، 4477.
  9. أخرجه البخاري في صحيحه برقم 48، 6044، 7076، ومسلم برقم 230،والترمذي برقم 1983،
  10. سنن الترمذي ج5 ص 21.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

صيام من أصبح جُنباً

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان

هل يجب على مريد الصيام إذا جامع زوجته أو احتلم فأصيب بجنابة أن يغتسل قبل طلوع الفجر ؟ وما حكم من لم يغتسل حتى طلع الفجر ، هل يصحّ صومه ؟

جواب فضيلة الشيخ

اتفق الصحابة كلهم رضوان الله عليهم – فيما عُلم – على أنه لا يجب على من أصيب بجنابة أن يغتسل قبل طلوع الفجر ، وأنه إذا أصبح وهو جُنب صحّ صومه ، ولا شيء عليه ، لا قضاء ولا كفارة . فاتفقوا جميعاً إلا ما رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : ( من أدركه الفجر جُنباً فلا يصم )(1)

وقد تعلّق بعض الناس بقول أبي هريرة رضي الله عنه من التابعين وتابعيهم . إلا أن الحُجَّة في سنة رسول الله ﷺ التي صحت عنه من فعله عليه الصلاة والسلام. فقد أخرج أهل الصحاح عن عائشة وأم سلمة زوجي رسول الله ﷺ أنهما قالتا: ( إن كان رسول الله ﷺ ليصبح جُنباً من جماع غير احتلام في رمضان ثم يصوم)(2) . وصرّحت أم سلمة قائلة : ( ثم لا يفطر ولا يقضي)(3).

ولا شك أننا نأخذ بحديث عائشة وأم سلمة زوجي النبي ﷺ دون ما رواه أبو هريرة رضي الله عنهما :

أولاً : لأن عائشة وأم سلمة هما زوجتا رسول الله ﷺ، وزوجتاه أعلم بهذا الأمر من رجل لا يعرف مثل ذلك إلا سماعاً أو خبراً ، وليس الخبر كالمعاينة.

ثانياً : لأن النقاء عن الجنابة ليس من شروط صحة الصوم وإن كان من شروط صحة الصلاة . ومن المتفق عليه بين العلماء أن من احتلم في نهار رمضان يجب عليه الغسل ولا يبطل صومه .

ثالثاً : لأن الله تعالى أباح للصائمين الأكل والمباشرة إلى طلوع الفجر فقال آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (4)، فإذا جاز الجماع إلى طلوع الفجر لزم منه أن يصبح جُنباً . فدلّ القرآن على جواز أن يصبح الجُنب صائماً

ومع ذلك فإن أبا هريرة رضي الله عنه قد تراجع عن مذهبه وفتواه حين اُخبر برواية عائشة وأم سلمة حتى قال : ” هما أعلم “(5) ، وفي رواية: ” هنّ أعلم برسول الله ﷺ منّا “(6)

ولما وافق أبو هريرة الجمهور لم يعد للخلاف مكان ، فارتفع واستقر الإجماع على صحة صوم من أصبح جُنباً كما جزم به النووي . وقال ابن دقيق العيد : ” صار ذلك إجماعاً أو كالإجماع “(7). والله تعالى أعلم ..

الحواشي

  1. أخرجه مسلم في كتاب الصيام برقم (2584) .
  2. أخرجه مالك في الموطأ 1/289 ، ومسلم في صحيحه كتاب الصيام برقم (2587).
  3. صحيح مسلم ، كتاب الصيام حديث رقم (2586) .
  4. سورة البقرة الآية 187.
  5. أخرجه مسلم في كتاب الصيام برقم (2584) .
  6. الاستذكار لابن عبد البر 1/52.
  7. فتح الباري 4/174 ، شرح النووي لصحيح مسلم 8/223
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الفطر قبل غروب الشمس

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان

قومٌ أفطروا قبل غروب الشمس في يوم غيم وقد ظنّوا غروبها، وبعد أن أكلوا استبان لهم أن الشمس لم تغب ؟ ماذا يصنعون ؟ هل عليهم قضاء أو كفارة ؟

جواب فضيلة الشيخ

هذه المسألة من جنس المسألة السابقة ، فإن أهل المدن والحضر يستخدمون الساعات لضبط الأوقات فلا عذر لهم إن أفطروا للغيم أو بمجرد الظن . أما أهل البوادي والقرى البعيدة ممن لا يزالون يضبطون المواقيت بالشمس والظل والشفق وسواد الليل وبياض النهار ، فهؤلاء هم أصحاب هذه المسألة . وقد ذهب العلماء فيه إلى قولين :

القول الأول : أنه يجب القضاء . وهو قول الجمهور .

القول الثاني : أنه يتم صومه ، ولا شيء عليه ، لا قضاء ولا شيء، وهذا قول أحمد في رواية عنه ، وإسحاق بن راهوية ، والحسن البصري ومجاهد(1) .

وقد وقعت هذه المسألة في عهد الرسول ﷺ وفي عهد عمر وفي عهد معاوية .

أما ما حدث في عهد الرسول ﷺ فهو ما أخرجه البخاري في صحيحه، وأبو داود في سننه عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت:(أفطرنا على عهد رسول الله يوم غيم ثم طلعت الشمس )(2) . وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير” أنهم لم يؤمروا بالقضاء”(3).

قال ابن تيمية : “وهذا يدل على شيئين : على أنه لا يستحب مع الغيم التأخير إلى أن يتيقن الغروب ، فإنهم فعلوا ذلك ، ولم يأمرهم به النبي ﷺ، والصحابة مع نبيهم أعلم وأطوع لله ولرسوله ممن جاء بعدهم. والثاني : لا يجب القضاء ، فإن النبي ﷺ لو أمرهم بالقضاء لشاع ذلك كما نقل فطرهم، فلم ينقل ذلك دلّ على أنه لم يأمرهم به” (4) .

وأما ما حدث في عهد عمر ، فهو ما أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهما عن زيد بن وهب وغيره قال : كنت جالساً في مسجد رسول الله ﷺ في رمضان في زمن عمر بن الخطاب ، فأتينا بعساس فيها شراب من بيت حفصة ، فشربنا ونحن نرى أنه من الليل ، ثم انكشف السحاب فإذا الشمس طالعة . قال : فجعل الناس يقولون أنقضي يوماً مكانه ؟ فقال عمر: (والله لا نقضيه ما تجانفنا لإثم)(5).

وعند ابن أبي شيبة أن عمر رضي الله عنه قال:( من كان أفطر فليصم يوماً مكانه)(6).

والأول موافق لخبر أسماء .

وأما ما حدث في عهد معاوية ؛ فهو ما أخرجه ابن أبي شيبة عن سعيد بن فطن عن أبيه أنه كان عند معاوية في رمضان ، فأفطروا ، ثم طلعت الشمس ، فأمرهم أن يقضوا(7) .

والصحيح: أنه لا قضاء عليهم ولا شيء . والدليل عليه من وجهين:

الوجه الأول : أن النبي ﷺ لم يأمر بالقضاء ، فدلّ على أن حكم هذه المسألة عدم وجوب القضاء .

الوجه الثاني : أن روايات القضاء عن عمر ومعاوية روايات في المصنف لعبد الرزاق وابن أبي شيبة ، ورواية عدم القضاء في صحيح البخاري ، ورواية البخاري مقدمة ، كما أن حكم النبي وفعله يقضي على قول غيره ، ولا يقدم مذهب صحابي على حكم رسول الله ﷺ وفعله . والحمد لله …

هذا في حالة أنهم اعتقدوا غروب الشمس ، أما إذا كانوا شاكّين من غروب الشمس ، فأفطروا ، واستبان لهم أن الشمس لم تغرب . في هذه الحالة وجب عليهم القضاء ، لأنهم لم يتبينوا ، لأن الأصل بقاء النهار، والصائم مأمور أن يتم صومه إلى الليل كما قال تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (8) وهو لم يتم الصيام إلى الليل، فيقضي . والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. انظر فتح الباري 4/236 .
  2. البخاري كتاب الصيام ، حديث رقم (1959) ، وأبو داود في كتاب الصوم حديث رقم (2359) .
  3. مجموع فتاوى ابن تيمية 25/232 .
  4. مجموع الفتاوى 25/231 .
  5. مصنف ابن أبي شيبة ، كتاب الصيام 3/24.
  6. مصنف ابن أبي شيبة 3/23-24 ، كتاب الصيام .
  7. مصنف ابن أبي شيبة ، كتاب الصيام 3/25
  8. البقرة : 187
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن

لديك مسألةٌ تُشكل عليك؟ استفتِ الشيخ

اكتب سؤالك وسيصل مباشرةً إلى مكتب فضيلة الشيخ، ويصلك الجواب على بريدك.

الردّ خلال ٣–٧ أيام بياناتك محفوظة ولا تُنشر ١١٣ فتوى منشورة
استفتِ الشيخ
فتوى مختارة

البخور والطيب والكحل

نشم على بعض الناس روائح الطيب والعطر في نهار رمضان ، كما نجد بعضهم يستخدمون البخور ويشمونه ، أفلا يفسد هذا الصيام؟

اقرأ الجواب