فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر
أنا شخص فقير ، وأعول أسرة كبيرة ، فيهم الأبناء والبنات، ومعي أمي وزوجتي وبعض أخواتي غير المتزوجات ، فهل عليّ فطرة هؤلاء جميعاً؟ وإنْ كنت لا أملك ما يكفي لإخراج زكاة الفطر لأكثر من شخصين أو ثلاثة فهل عليّ زكاة ؟ فإن كانت عليّ فحقّ منْ أقدّم حق الأم أم حق الزوجة أم حق الأبناء أم حق البنات أم حق الأخوات؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً .
جواب فضيلة الشيخ
هذا النوع من الزكاة تسمى بزكاة الأبدان ، فالمعتبر فيها البدن لا المال ، فبحسب الأشخاص يكون إخراجها ، ولذلك تجب على المكلف المطالب بزكاة الفطر أن يخرج الفطرة عن نفسه وعمن تلزمه نفقته (1).
وأسباب تحمل النفقة ثلاثة : الزوجية والرق والقرابة ، أو قل: الملك والنكاح والقرابة ، وعليه : تجب عليه زكاة الأبوين ، والزوجات(2)، والأولاد الصغار من البنين والبنات الذين يعولهم. وأخواته غير المتزوجات إنْ لم يكن لهن عائل غيره .
فإن فضل من قوته وقوت أهله وعياله يوم العيد وليلته أخرج زكاة الفطر بالترتيب الآتي :
[1] فطرة نفسه أولاً ..
[2] ثم أخرج عن زوجته أو زوجاته..
[3] ثم أخرج عن ولده الصغير ..
[4] ثم عن أبيه أو أمه ..
[5] ثم عن ولده الكبير ، مع تردد في أقوالهم بين تقديم الولد أو تقديم الوالد، لقوله تعالى (3).
[6] ثم بقية قرابة النسب..
فإن لم يفضل عنده إلاّ فطرة واحد؛ أخرج عن نفسه ، فإنْ فضل فعن زوجته ، وهكذا حسب الترتيب المذكور لحديث : (ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك..)(4).
والله تعالى أعلم..
الحواشي
وذهب الحنفية إلى أن زكاة الفطر لا تجب إلا على من يملك نصاباً فاضلاً عن مسكنه وأثاثه وثيابه وفرسه وسلاحه وغير ذلك من حاجته الأساسية ، راجع : الإفصاح عن معاني الصحاح ، ج1 ص 180 ، البحر الرائق ، ج2 ص 274 ، الفتاوى الهندية ج1 ص 191 .الاختيار لتعليل المختار ، ج1 ص 158 – 159.
الأحناف لا يوجبون زكاة الفطر عن الزوجات ولا الأبوين إلا إذا كان الأب مجنوناً فقيراً فتجب عليه صدقة فطره . راجع : المصادر السابقة .
سورة النساء :11 .
أخرجه مسلم باب الابتداء في النفقة بالنفس ، برقم 2310 ، ج7 ص 84 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س
حكـــــم زكاة الفطــــر
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر
في بعض الأحيان أتردد في إخراج زكاة الفطر ، أحياناً أتكاسل عن إخراجها وأحياناً أرى أن بعض الأمور في البيت ولدى الأسرة أهمّ، وفكرت في هذا الموضوع فلاحظت أن السبب غالباً أني لا أعرف مدى لزوم زكاة الفطر على الصائم ، فهل إخراج زكاة الفطر واجبٌ عليّ حتى ألتزم بإخراجها دون تردد ؟ أم أنّ إخراجها غير لازم ولا واجب فيحق لي أحياناً أن أقدّم بعض مطالب الأهل والأبناء عليها ؟ .
جواب فضيلة الشيخ
زكاة الفطر وصدقة الفطر وتسمى أيضاً صدقة رمضان وزكاة رمضان وكذلك تسمى بالفطرة، واجبة عند جماهير فقهاء الإسلام، من المالكية والشافعية والحنابلة والحنفية وأيضاً الظاهرية والهادوية وغيرهم من مذاهب أهل الإسلام . (1)
واستدل الجمهور على وجوب الفطرة بأدلة منها :
[1] حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : ” فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر ، أو صاعاً من شعير ، على العبد والحر، والذكر والأنثى ، والصغير والكبير من المسلمين ” (2). والفرض دليل الوجوب .
[2] حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة” (3). والأمر يقتضي الإيجاب كما هو معروف عند الأصوليين.
[3] حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: “فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين..” الحديث4)). فعبّر ههنا أيضاً بالفرض ، والفرض دليل الوجوب ـ كما قررنا في حديث ابن عمر .
[4] حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال : ( لا صدقة على الرجل في فرسه وفي عبده إلاّ زكاة الفطر ) (5). والمعنى: لا تجب على الرجل صدقة إلا زكاة الفطر .
[5] عموم قوله تعالى (6) فزكاة الفطر داخلة فيه، لأنها زكاة(7).
[6] قوله تعالى (8). وقد قال فيها ابن عمر رضي الله عنهما : ” هذه الآية أنزلت في زكاة الفطر، وهو قول أبي سعيد الخدري وقتادة وعطاء وأبي العالية، ومالك، وسعيد ابن المسيب ، وعمر بن عبد العزيز ، رحمهم الله تعالى (9).
وقد استدل ابن حجر بها على وجوب زكاة الفطر فقال بعد أن تلاها: ” وثبت أنّها نزلت في زكاة الفطر ، وثبت في الصحيحين إثبات حقيقة الفلاح لمن اقتصر على الواجبات ..” (10).
ولأنّ هذا القول هو الذي عليه أكثر الفقهاء قال إسحاق بن راهويه: “إيجاب زكاة الفطر كالإجماع” . ونقل ابن المنذر إجماع أهل العلم على وجوب زكاة الفطر، وصرّح به البيهقي قائلاً: ” وقد أجمع العلماء على وجوب زكاة الفطر “(11).
وقد خالف قلة من العلماء وقالوا : هي سنّة وليست واجبة ، وهم: ابن اللبان من الشافعية ، وداود الظاهري في آخر أمره ، وأشهب من المالكية وقد ذهب إلى أنها سنة مؤكدة . وقد استدل لهم بحديث قيس بن سعد رضي الله عنه : ” أمرنا رسول الله ﷺ بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة ، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله ” (12). فقالوا : هذا يدلّ على أنّ وجوبها قد نُسخ بوجوب زكاة الأموال .
وقد أجاب الجمهور بوجهين وجيهين:
الوجه الأول : أن مداره على أبي عمّار ، وهو مجهول الحال ، فلا يُترك أحاديث الوجوب وتنسخ بمثل رواية مجهول لخبر .
الوجه الثاني : أنه وعلى فرض الصحة لا دلالة فيه على النسخ ، لأن نزول فرض لا يوجب سقوط آخر ، وليس في كلام الراوي تصريح بإسقاطها ، والأصل بقاء ما كان على ما كان (13).
وعليه : فزكاة الفطر واجبة لا يجوز التردد في إخراجها ولا تقديم شيء عليها إذا وجبت ، أعان الله السائل وإيانا على التزام فرضه وامتثال أمره وحسن عبادته.
أخرجه البخاري برقم 1509 كتاب الزكاة باب صدقة الصدقة قبل العيد ، ومسلم كتاب الزكاة برقم 2285 ج7 ص 66 بشرح النووي .
ابن ماجة في كتاب الزكاة باب صدقة الفطر برقم 1823 ج1 ص 395 .
البيهقي في السنن الكبرى برقم 7674 ، كاب الزكاة ج4 ص 270 .
(1) البقرة: 43
فتح الباري ، ج3 ص 431 .
سورة الأعلى ، 14 – 15 .
السنن الكبرى للبيهقي ، ج4 ص 268 كتاب الزكاة برقم 7667 وفتح الباري ج3 ص 430 ـ 431 ، والجامع لأحكام القرآن ، للقرطبي ، م10 ج20 ص 19 – 20 .
فتح الباري، ج3 ص 431 .
المجموع ج6 ص 86 ، وشرح النووي على صحيح مسلم ، ج7 ص 61 .والفتح الموضع السابق، والمغني الموضع السابق ، والسيل الجرار المكان السابق نفسه .
أخرجه النسائي ج5 ص 49 ، وابن ماجة في الزكاة برقم 1828 والبيهقي في السنن الكبرى ج4 ص 159
راجع الفتح والمجموع المواضع السابقة نفسها .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س
صوم المرأة بغير إذن زوجها
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية التطوع
زوجتي كثيرة العبادة والحمد لله، وأكثر ما تحبه من العبادات الصيام، فهي ترغب أن تصوم كل اثنين وخميس وبعد ذلك تصوم ثلاثة أيام من كل شهر، ولا تفوت يوم عرفة ولا عاشوراء وأيام شوال بعد العيد مباشرة، وأنا شاب أحتاج إليها، وأخجل أن أطلب منها أن تفطر هذه الأيام، فما حكم صيامها هذه الأيام وأنا راغب فيها؟.
جواب فضيلة الشيخ
لا خلاف بين أهل العلم في وجوب صيام المرأة شهر رمضان وأنه لا يتوقف صيامها ولا يشترط له لا إذن الزوج ولا غيابه ولا غير ذلك.
كما أنه لا خلاف بينهم في صيامها من غير إذن زوجها سواءٌ أكان حاضراً أو غائباً، صائماً أو مفطراً، محتاجاً لها أو غير محتاج؛ كل صيام واجب ضاق وقته، كالقضاء في شعبان، أو صيام نذر أو كفارة أو جزاء صيد حل أوانه، ونحو ذلك.
أما صيامها تطوعاً أو صيامها الواجب الموسع الوقت، ففي ذلك دار الخلاف بين العلماء، فمنهم من اشترط لها إذن الزوج، ومنهم من شرط لذلك حاجته، ومنهم من كرّه لها ذلك، ومنهم من فصّل في ذلك، وتوضيح المسألة كما يلي:
أولاً: حكم صوم المرأة تطوعاً وزوجها حاضر:
الأحاديث الواردة في المسألة كلها تنهى المرأة إذا كانت ذات زوج أنْ تصوم صوم تطوعٍ وهو حاضر عندها إلا أن تستأذنه، فإنْ أذن لها صامت، وإنْ لم يأذن لها فلا تصوم.
وقد جاءت هذه الأحاديث إما بصيغة الإخبار عن عدم حلّ صومها، أو بصيغة النهي لها عن الصوم في حضوره، وكلا الصيغتين تعضّد الأخرى وتقويها، بما يجعل التحريم أشدّ وأغلظ.
فمما ورد بصيغة الإخبار ما أخرجه البخاري في صحيحه وغيره وفيه أن النبي ﷺ قال: ( لا يحلّ للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه)(1) . فهذا إخبار بعدم الحلّ، وما ليس بحلال فهو الحرام.
وأيضاً مما ورد بصيغة الإخبار ما في الصحيحين: (لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه)(2). وما في صحيح الترمذي وسنن ابن ماجة: (لا تصوم المرأة وزوجها شاهد يوماً من غير شهر رمضان إلا بإذنه)(3). وفي مسند أحمد بلفظ حاضر: (لا تصوم المرأة وزوجها حاضر إلا بإذنه)(4).
ومما ورد بصيغة النهي ما جاء في صحيح ابن حبان: (لا تصومن امرأة يوماً سوى شهر رمضان وزوجها شاهد إلا بإذنه)(5). وكالذي في مسند أحمد وأبي يعلى: (لاَ تَصُمِ الْمَرْأَةُ يَوْمًا سِوَى رَمَضَانَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ)(6). وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنّ النبي ﷺ قال لامرأة صفوان بن المعطل : ( لا تصومي إلا بإذنه)(7).
والشهود والحضور بمعنى واحد. والجميع حملوا النهي على صوم التطوع، لإجماع الأمة على أنّ الزوج ليس له أن يمنعها من أداء الفرائض اللازمة لها إذا حلّت.
ولا بدّ أن تنتبه المرأة المسلمة المتطلعة لأن تكون صالحة، أنّ الله منعها أن تصوم، مع أن الصيام عبادة لله، وقربة من أعظم القربات؛ ومع ذلك منعها ربها منه لعظم حقّ الزوج.
وقد أقرّ النبي ﷺ صفوان بن المعطل رضي الله عنه منعه لزوجته من صيام التطوع تأكيد لحقه في ذلك، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جاءت امرأة صفوان بن المعطل إلى النبي ﷺ ونحن عنده فقالت: يا رسول الله! إن زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليت، ويفطِّرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس. وصفوان عنده، فسأله النبي ﷺ عما قالت. فقال: يا رسول الله! أمّا قولها يضربني إذا صليت؛ فإنها تقرأ سورتين، فقد نهيتها عنها، فقال: (لو كانت سورة واحدة لكفت الناس). وأمّا قولها يفطرني؛ فإنها تصوم وأنا رجلٌ شابٌّ فلا أصبر. فقال: رسول الله ﷺ يومئذ: (لا تصومن امرأة إلا بإذن زوجها) قال: وأما قولها بأني لا أصلي حتى تطلع الشمس؛ فإنَّا أهل بيت قد عرف لنا ذاك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس. فقال ﷺ: (فإذا استيقظت فَصَلِّ) (8).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ” ومن حقّ الزوج على زوجته أن لا تصوم تطوعاً إلا يإذنه، فإنْ فعلتْ؛ لم يقبل منها” (9).
1ـ وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم صومها في حضور زوجها وأنها آثمة إذا صامت وهو حاضر بغير إذنه.
2ـ وذهب بعض الشافعية إلى أن صيامها في حضوره لا يحرم عليها بل يكره لها كراهة تنزيه. وقد ضعّفه النووي(10). ولعل الكراهة قول مالك رحمه الله في المرأة تصوم من غير أن تستأذن زوجها، قال: “ذلك يختلف، من الرجال من يحتاج إلى أهله، وتعلم المرأة أن ذلك شأنه فلا أحب لها أن تصوم إلا أن تستأذنه، ومنهن من تعلم أنه لا حاجة له فيها فلا بأس بأن تصوم”(11). فلعل قوله: ” فلا أحب لها أن تصوم إلا أن تستأذنه” أراد به الكراهة، والتحريم هو المذهب(12).
ثانياً: صيام المرأة تطوعاً في غياب زوجها:
إذا كان الزوج غائباً عن البلد الذي هي فيه، وتعلم أو تغلب على ظنها أنّه لن يأتي قبل انحلال الليل؛ فهذا جائز لها أن تصوم بغير إذنه، وقد نفى النووي في الخلاف في ذلك، والدليل على صحة صومها أمران:
الأول: مفهوم حديث البخاري: (لا يحلّ لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه) (13) وفي رواية للبخاري ومسلم: (لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه)(14). وعند الإمام أحمد في المسند : (لا تصوم المرأة وزوجها حاضر إلا بإذنه)(15).
والدليل الآخر: زوال معنى النهي، فالنهي إنما مقصوده ومراده الشرعي مراعاة حقّ الزوج منها وحاجته إليها، وقد زال كل ذلك بغيابه، فلا معنى للنهي حينئذٍ(16).
ولكن قد يأتي الزوج قبل انحلال الليل وغروب الشمس، فماذا تصنع؟ وهل له أن يفطِّرها؟.
الجواب: أما هي؛ فلا تفطر، بل تمضي صائمة يومها، وأما هو؛ فيكره له أن يفطرها إلا إذا كانت حاجته إليها شديدة يعسر عليه الصبر حتى تتم صيامها، فحينها جاز له أن يفطِّرها.
وقال الحافظ ابن حجر: “فلو صامت وقدم زوجها في أثناء الصيام فله إفساد صومها ذلك من غير كراهة”(17).
ووجه بقائها صائمة: أنها عقدت صيام هذا اليوم، والشارع يقول لمن عقدوا الصيام: (18) فإنْ أفطرها من غير شدة حاجة إليها؛ فقد أعانها على مخالفة أمر الشارع.
ووجه حقّه في أنْ يفطّرها؛ أنّ حقه عليها واجبٌ، وصومها تطوع غير واجب، ولا شكّ أن الواجب مقدّم على التطوع.
وقد خصّ المالكية منعها من الصوم في حضوره: ما إذا كان محتاجاً بمعرفتها ذلك من حاله، أما إذا لم يكن محتاجاً؛ فلا يحرم عليها الصوم.
ـ فإذا كان مريضاً لا يقدر على حاجته انتفت حاجته، فلا تحتاج إلى إذنه.
ـ وإذا كان صائماً معها؛ انتفت الحاجة، فلا تحتاج إلى إذنه.
ـ وإذا كان من عادته وعمله لا يعود إلى البيت قبل الليل غالباً، فلا تحتاج إلى إذنه.. وهكذا.
ثالثاً: صيامها التطوع مع علمها بحاجة زوجها:
بعض الزوجات يعلمن حاجة أزواجهن لهن، إما لرعاية في مرض ونحوهن أو لاستمتاع بحسب ما علمت من حاله وشأنه معها، وأنه لا يصبر عنها، ونحوه، ومع ذلك ترغب في صيام التطوع، بل تنشئه وتصبح صائمة.
وهي بذلك تكون قد وقعت في مخالفة الشرع مرتين:
الأُولى: بصيامها وهي تعلم حاجته، وحاجته مقدّمة على التطوع، لأنه حقّ يلزمها، والتطوع غير ذلك.
والثانية: أنّها لم تستأذنه ولم يأذن لها، فلم تحقق الشرط، وشرط صيامها تطوعاً إذن زوجها الحاضر المحتاج، وقد قال ﷺ : ( لا يحلّ لامرأة أن تصوم يوماً وزوجها شاهد ـ حاضر ـ إلا بإذنه).
أما إذا أذن لها، أو علمت رضاه بصومها، صامت، وإنْ لم تستأذنه، فإنّ علمَ رضا الزوج كإذنه.
رابعاً: صيامها ما لا يتكرر صومه:
صيام التطوع منه ما يكون متكرراً كثيراً، كصيام الاثنين والخميس، وصيام الثلاثة البيض، ونحو ذلك، ومنها ما لايتكرر صومه في أيام السنة، كصيام يوم عرفة وعاشوراء والست من شوال. فهل المراة منهية عن كل صيام تطوعٍ وإنْ كانت مما لا يتكرر صومه؟.
ـ الجمهور لم يخصّص صوماً دون صوم ما دام تطوعاً، ولذلك حرموا عليها صومها أيضاً.
ـ والشافعية خصّصوا الحرمة بصوم ما يتكرر، فأخرجوا ما لا يتكرر صومه من النهي، فقالوا: يجوز للمراة أن تصوم دون إذن زوجها الأيام التي لا يتكرر صومها وهي: يوم عرفة، ويوم عاشوراء، والست من شوال، فتبادر إلى صيامها بغير إذنه، إلاّ أن يمنعها (19).
خامساً: صيامها الواجب الموسّع:
والصوم الواجب منه ما هو متراخٍ ووقته واسع لم يحنْ بعد، كالنذر المطلق، وجزاء الصيد، وتتمة صيام التمتع، ومنه ما هو على مضيّق الوقت أو على الفور وقد آن أوانه، كصوم رمضان، والنذر المؤقت الذي حان وقته.
أمّا الفرض مضيّق الوقت وحل زمانه؛ فلا تنتظر المرأة إذن زوجها لصيامه، بل تبادر إلى صيامه دون إذنه، ولا يحق له منعها بلا خلاف بين العلماء.
أما الصوم الواجب الذي يتسع وقته ولم يحل زمانه وأوانه؛ فالعلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه طالما كان ذلك فرضاً وواجباً عليها؛ فليس لزوجها حقّ في أن يمنعها، ولها أن تصوم دون إذنه حاضراً كان أو غائباً، محتاجاً أو غير محتاج، وهو مذهب أهل الظاهر(20).
والقول الثاني: أنّه طالما لم يتضيّق وقت أدائه فواجب عليها إذا أرادت أن تصوم أن تستأذنه، فإنْ لم يأذن لها فلا تصوم، إلا إذا ضاق وقت ذلك فلا تنتظر إذنه، لأنه حقه فيه واجب على الفور، وهذا واجب على التراخي، فلا يفوّت الواجب على الفور بواجب على التراخي، لأنه يمكن تداركه. وهذا هو قول الجمهور من الشافعية والحنابلة والمالكية إلا في قضاء رمضان(21). وتفصيل مسألة القضاء في الفقرة الآتية، وهي.
سادساً: صومها قضاء رمضان:
وقضاء رمضان ليس من صيام التطوع بل هو من الصيام الواجب، ولكنه من الواجب الموسع حيث يسعها أن تقضي إلى ما قبل رمضان القابل، ولذلك اختلف الفقهاء هل تحتاج المرأة في قضاء رمضان أيضاً إلى إذن زوجها؟ وهل له منعها من القضاء ما تسع وقت القضاء؟ أم يجوز لها أن تصوم القضاء في أيّ وقت أرادت؟. فكانوا على مذهبين:
المذهب الأول: للجمهور من الشافعية والحنابلة وبعض المالكية، أنّ قضاء رمضان داخل في النهي، وأنّها تحتاج إلى إذنه فيه، وأنّ له الحق في منعها من تعجيل القضاء(22).
ودليل هذا القول ما يلي:
1ـ قول النبي ﷺ من حديث الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه: (لا تصوم المرأة وزوجها شاهد يوماً من غير شهر رمضان إلا بإذنه)(23). وأيام القضاء أيامٌ من غير شهر رمضان.
2ـ أنّ قضاء رمضان على التراخي، وحقّ الزوج على الفور، لأن الحقوق على المناجزة والمضايقة، فيُقَدَّم حقه على القضاء.
3ـ أنّ القضاء يمكن تداركه في أثناء السنة، فلا يفوت بتأخيره، بينما حقّ الزوج يفوت بالتأخير، فما يفوت تداركه مُقدَّمٌ على ما لا يفوت.
المذهب الثاني: لجمهور المالكية والظاهرية، أنّ الزوج لا يمنعها، وأن المرأة لا تحتاج إلى استئذانه في قضاء رمضان، بل تبادر إلى القضاء دون إذنه، لأنه ليس له الحق في تأخيرها فيه ولا منعها منه(24). وقد استدلوا:
1ـ كونه فرضاً وواجباً، وما وجب ليس للزوج فيه مدخل بمنع أو تأخير، وقد قال تعالى (25(.
2ـ حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي ﷺ قال: « لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه غير رمضان ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه» وفي رواية أحمد: «لا تصوم المرأة يوما واحدا وزوجها شاهد إلا بإذنه، إلا رمضان»(26).
والشاهد قوله ﷺ: ( غير رمضان، أو إلا رمضان). وقضاء رمضان حكمه حكم رمضان، فاستثني من النهي ومن إذن الزوج.
3ـ وكما أنّها لا تستأذن زوجها في أداء الصلوات في أول الوقت لفضيلته؛ لا تستأذنه في قضاء رمضان في أول الوقت، وكلاهما واجب، وأول الوقت لكليهما فضيلة.
وعلى كلٍّ: فإنّ من فقه المرأة المسلمة، ومن أداب الزوجة الصالحة مراعاة حاجة الزوج ورضاه، فإنْ أخَّرت القضاء حتى تطمئن إلى أنّ زوجها غير محتاج إليها، وأنه راضٍ عنها، قضت، وإلا فالتأخير حتى يلزمها القضاء لضيق وقته؛ من فقهها وأدبها وذلك لاشك هو الأحبّ إلى الله ورسوله ﷺ، وقد كانت قدوة الصالحات حبيبة رسول الله الصديقة بنت الصديق تؤخّر قضاء رمضان حتى شعبان، بل هذا التأخير كان حال سيدات الأمّة أمهات المؤمنين خير من يُقتَدى بهن وأفضل من يُحاكَى أمرهن رضوان الله عليهن، وقد حكت عائشة ذلك فَقَالَتْ: “إِنْ كَانَ لَتَكُونُ عَلَى إِحْدَانَا الأَيَّامُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا تَسْتَطِيعُ قَضَاءَهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْنَا شَعْبَانُ”(27).
وذلك لثلاثة أسباب:
الأول: أنّها كانت تتفرغ لحاجة زوجها رسول الله ﷺ وخدمته، قَالَتْ : “كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلا فِي شَعْبَانَ مِنَ الشُّغْلِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (28).
والسبب الثاني: أنّ النبي ﷺ كان يكثر الصيام في شعبان فتصوم معه، لأنه بصومه علمت رضاه وإذنه وأنه لا حاجة له فيها تقتضي فطرها.
والسبب الثالث: أنّ شعبان آخر الوقت للقضاء،فإنْ لم تقضِ ما عليها فيه فاتها، فتضيّق وقت القضاء بحلول شعبان ومضيّه، فصار القضاء واجباً مضيقاً فلزمها. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
الحواشي
أخرجه البخاري برقم 5195، و4899، ومسلم .
البخاري برقم 5192، وأبو داود برقم 2460، وأحمد في المسند برقم 8173،
الترمذي برقم 782، وابن ماجة برقم 1761،وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح، ووافقه الألباني على التصحيح، ج3 ص 151.
مسند أحمد برقم 9987، وصححه شعيب الأرناؤوط. ج2 ص 464.
صحيح ابن حبان برقم 3573، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده قوي. ج8 ص 339.
أحمد في المسند برقم 9732، 9734، وأبو يعلى في مسنده برقم 6273. واللفظ لأبي يعلى. وصحح شعيب الأرناؤوط إسناد أحمد جج2 ص 444، كما صحح حسين أسد إسناد أبي يعلى، ج11 ص 156.
أخرجه أبو يعلى في مسنده برقم 1037، الدارمي في سننه برقم 1719، وصحح حسن سليم أسد إسناد أبي يعلى، وحسن إسناد الدارمي. راجع: مسند أبي يعلى بتحقيقه ج2 ص 308، وسنن الدارمي بتحقيقه ج2 ص 21.
أخرجه أحمد في المسند برقم 11776، أبو داود برقم 2461، وابن حبان برقم 1488، وأبو يعلى في مسنده برقم 1174، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 8762، والحاكم في المستدرك برقم 1594، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وقال الأرناؤوط في تحقيق المسند (ج3 ص80): إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الصحيحين، وقال حسن أسد في تحقيق مسند أبي يعلى ( ج2 ص 398): إسناده صحيح.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل القضاء والكفارة
عندنا في بلادنا من زمن بعيد عادة معروفة ، وهي أنّ العروسَيْنِ المتزوجين حديثاً لا حرج عليهم إذا أفطروا في شهر رمضان ، لحاجتهم إلى اللقاء المستمر ليلاً ونهاراً ، بل إنّ بعض الناس فيهم يصرّون على إفطار العروسَيْنِ إلى درجة إجبارهم من بعض أوليائهم لحملهم على الإفطار ليتمكّنوا من اللقاء ليلاً كان ذلك أو نهاراً ، فما حكم هذه العادة أثابك الله ؟.
جواب فضيلة الشيخ
أولاً : مما يجب أن يكون معلوماً لدى الناس أن الزواج حديثاً كان أو قديماً لا يوجب الجماع على العروسين مما يجعلهم ينتهكون بسببه حرمة هذا الشهر الفضيل، لا ليلاً ولا نهاراً ، ولو أخّر العروسان اللقاء بينهما أو الجماع إلى الليل أو شهراً أو شهرين أو أكثر لا مؤاخذة عليهما بذلك في شرع الله، ناهيك أن يفطروا بسببه في رمضان .
ثانياً : ليس الزواج في رمضان من مبيحات الفطر فيه ، لم يجعل الزواج من مبيحات الفطر أحدٌ من أهل العلم ولا من أنصاف أهل العلم ، وعليه :
[1] لا يجوز لأحدٍ تزوّج حديثاً في شهر رمضان أن يفطر فيه بحجة أنه عروس جديد ، ولو أفطر فيه وجب عليه القضاء والكفارة ، لأنه قد انتهك حرمة نهار رمضان من غير عذر شرعي مبيحٍ للفطر فيه .
[2] قد اكتسب إثماًً عظيماً كل من حمل أحداً للفطر في رمضان بأنه عروسٌ وعليهم أن يتوبوا إلى الله تعالى .
ثالثاً : لا يعني هذا أنّ هنالك مانعاً من الزواج في شهر رمضان ، بل ربما كان الزواج في شهر رمضان خيراً وبركة ، لمن أمن انتهاك حرمة ، وفي آيات الصوم إشارة إلى أنّ هذا الشهر الكريم يكرم الأزواج الذين يريدون الولد فيرشدهم إلى طلبه في لياليه ، وذلك في قوله تعالى (1) بعد أن أباح اللقاء والجماع في ليالي رمضان قائلاً: (2).
أقضية التطوعأقضية التطوعأقضية التطوعأقضية التطوع
أقضية التطوع
أقضية التطوع
الحواشي
(1) البقرة: 187
سورة البقرة ، 187 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س
صيام ست من شوال لمن عليه قضاء فرض
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل القضاء والكفارة
أصبتُ بمرضٍ أيام شهر رمضان مما اضطرني إلى أن أُفطر فيه أياماً، وبعد خروج شهر رمضان وحلول شهر شوال ؛ أحببت أن أدرك فضل صوم ستٍ من شوال ، ثم ترددت ، لأني لم أقض ما عليّ من الأيام التي أفطرتها من رمضان بسبب المرض ، فهل يصحّ مني أن أصوم ستاً من شوال أو أي صيام تطوع وعليّ قضاء رمضان ؟.
جواب فضيلة الشيخ
هذه المسألة تتعلق بحكم التطوع قبل القضاء ، ومعروف أنّ قضاء رمضان واجبٌ لقوله تعالى بينما صيام التطوع ليس بواجبٍ. فالأصل في المسألة أنه لا يجوز الصيام تطوعاً قبل القضاء ، لأن الواجب لا يُترك إلاّ لواجب ، والتطوع ليس واجباً فلو صام تطوعاً يكون قد ترك واجب القضاء من أجل التطوع غير الواجب.
ومع ذلك اختلفت أقوال الفقهاء في هذه المسألة إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: يرى عدم جواز صيام التطوع قبل القضاء، بناءً على القاعدة السابقة” لا يُترك الواجب إلاّ لواجب ” ولحديث أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ( من صام تطوعاً وعليه من رمضان شيء لم يقضه؛ فإنه لا يُتقبل منه حتى يصومه )(1).
القول الثاني : يرى جواز التطوع وإنْ كان عليه قضاء ، لينال فضيلة شوال، فيجوز له أن يصوم ستاً من شوال ثم يقضي ما عليه من رمضان، لأمرين:
الأمر الأول: أن القضاء عبادة تتعلق بوقت موسّع، فلا تزاحم بين القضاء والتطوع، لأنه يستطيع أن يقضي ما عليه من رمضان في أي وقت غير شوال ، ولا يستطيع أن ينال فضل شوال إلا في شوال.
والأمر الثاني: قياساً على الصلاة ، فإنه يتطوع في وقتها ، فكذلك الصوم.
والقولان مرويان عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى(2).
القول الثالث: يذهب إلى جواز الجمع بين القضاء والتطوع بصيام واحد يُشرك فيه نية التطوع مع نية القضاء، فيصوم القضاء في وقت الفضيلة، كأن يقضي ما عليه من رمضان في شوال جمعاً بين قضاء رمضان وصيام ست من شوال ، أو يقضي رمضان في أيام العشر من ذي الحجة، أو يوم عاشوراء، ونحو ذلك.
وهو قول للمالكية والشافعية..
أما المالكية فقد قال اليعقوبي في شرح الكفاف (3):
فللقضاء يوم عاشـــــــوراء ندبٌ لمن طولـب بالقضـاء
وأجرُ ذَينِ قد رآه الـــــرائي لقاصد القضـا وعاشــــوراء
وأما الشافعية فهو المعتمد عندهم كما جاء في تحفة الحبيب على شرح الخطيب: “قال البجيرمي: وأفتى البارزي بأن من صام عاشوراء مثلاً عن قضاء أو نذر حصل له ثواب يوم عاشوراء ، وهو المعتمد” (4).
وجاء في الشرقاوي على التحرير للشيخ زكريا الأنصاري: “ولو صام فيه أي في شوال قضاء عن رمضان أو غيره أو نذرًا أو نفلا آخر حصل له ثواب تطوعها، إذ المدار على وجود الصوم في ستة أيام من شوال وإن لم يعلم بها أو صامها عن أحد (أي النذر أو النفل ) لكن لا يحصل له الثواب الكامل المترتب على المطلوب إلا بنية صومها عن خصوص الست من شوال، ولا سيما من فاته رمضان أو صام عنه شوال، لأنه لم يصدق عليه أنه صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال”(5).
وهذا هو المختار الراجح، للأسباب الآتية:
[1] أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يستحب قضاء رمضان في العشر من ذي الحجة، وقد قال: ” ما من أيام أحبّ إليّ أن أقضي فيها شهر رمضان من هذه الأيام، لعشر ذي الحجة”(6).
[2] أنّ خالد بن أبي عمران سأل القاسم بن محمد وسالم بن عبدالله رحمهم الله تعالى عن رجل عليه يوم من رمضان، أيقضيه في العشر؟ قالا: ” نعم ويقضيه يوم عاشوراء” (7).
[3] أنّ كثيراً من العبادات تصح وتتم بالجمع فيها بين الواجب والمستحب بفعل واحد، ومن ذلك :
أ ــ من كان عليه غُسل واجب يوم الجمعة فجمع بين الواجب والمستحب في غُسل واحد صح منه وأجزأه ، ويشير إليه حديث النبي ﷺ: (من غَسّل يوم الجمعة واغتسل ، وبكّر وابتكر، ودنا واستمع وأنصت، كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها ) (8).
ب ـ يمكن أن تؤدى تحية المسجد بفرض بحيث إذا نوى الفرض وتحية المسجد حصلا له، وإن لم ينو التحية لم يحصل ثوابها، كما يقول المالكية.
ج ـ وتؤدى ركعتا الحاجة بالفرض والنفل وتحصل بذلك كما يقول الشافعية(9).
د ـ من عليه قضاء فوائت من صلاة قديمة فوقّته في أوقات التنفل المستحبة كوقت الضحى ووقت التهجد بالليل صحّ .
كذلك يجوز ويصحّ توقيت قضاء رمضان في الأيام المستحب صيامها كست من شوال، وعشر ذي الحجة، ويوم عاشوراء، ويوم عرفة، ونحو ذلك، وينال بكرم الكريم الرحيم فضلهما.
وعليه: فإنّ الخيار للصائم في الثلاثة، ولكن مع ذلك الأَوْلَى له:
أولاً: أنْ يقضى أولاً ثم يصم التطوع ..
ثانياً: إنْ لم يستطع أو شق عليه ذلك، صام تطوعاً الست من شوال ثم قضى فيما بعد ما عليه من رمضان..
ثالثاً: إنْ خشي أن لا يستطيع ذلك؛ جمع بين القضاء والتطوع في صيام واحد بإشراك نية التطوع في القضاء لنيل فضيلة شوال فله ذلك، وصحّت منه الصور الثلاث (10).
الحواشي
أخرجه أحمد في المسند ج2 ص 352 برقم 8606 .، والطبراني في الأوسط وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (3/179) وهو حديث حسن .
راجع المغني لابن قدامة، ج3 ص 68 .
مرام المجتدي شرح كفاف المبتدي، لليعقوبي الجوادي، محمد الحسن بن أحمد الخديم، ج1 ص 300-301.
تحفة الحبيب على شرح الخطيب ج3 ص 154.
الشرقاوي على التحرير لزكريا الأنصاري ،ج1 ص427، وراجع: حواشي الشرواني والعبادي ج3ص457، وحاشية إعانة الطالبين للدمياطي ج2 ص 304، وحاشية الرملي على أسنى المطالب ج1 ص 431، ونهاية المحتاج باب صوم ستة من شوال .
المدونة الكبرى لمالك، ج1 ص 311، وأخرجه عبد الرزاق في مصنقع برقم 7744، وابن أبي شيبة في المصنف ج2 ص 488برقم 1، والبيهقي في السنن الكبرى ج4 ص 472.
أما حديث أبي هريرة السابق فلا يصلح للاحتجاج وقد قال فيه ابن قدامة رحمه الله: ” في سياقه ما هو متروك ” إذ أن صدر الحديث يظهر علة فيه وصدره ( من أدرك رمضان وعليه من رمضان شيء لم يقضه لم يتقبل منه …) وهذا يشمل من كان له عذر ولم يكن له عذر ، كما أنه يقضي بأن من عليه قضاء رمضان الماضي لا يصوم رمضان ، وهذا لا يستقيم ، مما يجعل الخبر مقدوحاً هذا مع الاختلاف في صحته بسبب ابن لهيعة ، والله أعلم” قلت: وحسنه الذي ذكره الهيثمي فيما سبق فهو من جهة السند على رأيه في ابن لهيعة، والعلل التي ذكرها ابن قدامة واضحة في إسقاطه عن الاحتجاج به، والله أعلم.. وراجع المغني لابن قدامة ، ج3 ص 68 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س
مـَـنْ مــات وعليــه قضاءٌ أو صيــامٌ
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل القضاء والكفارة
كان على أبي رحمه الله صوم أيام من رمضان لمرض أصابه في شهر رمضان، وقبل أن يقوم بقضاء تلك الأيام عاجَلَه الموت رحمة الله عليه، فهل عليه هو شيءٌ؟ وهل علينا نحن أبناؤه وأهله شيء؟.
جواب فضيلة الشيخ
من مات وعليه قضاء رمضان كله أو بعضه فله حالتان:
الحالة الأُولَى: أن يكون معذوراً في إفطاره أيام رمضان، ودام عذره حتى مات، مثل رجل مرض أياماً من رمضان فأفطر فيها حتى خرج رمضان فاستمر مرضه حتى مات به.
فهذا حكمه أنه معذور حتى عن القضاء ، فلا شيء عليه، ولا على أهله وأبنائه وورثته ، لأن سبب الرخصة كان قائماً ـ وهو المرض أو السفر أو الحمل أو الرضاع ـ فلم يكن مطالباً بصوم أصلاً لا أداءً ولا قضاءً .
وهذا قول أكثر أهل الفقه سوى ما حُكي عن طاوس وقتادة رحمهما الله فإنهما قالا: ” يجب الإطعام عنه لأنه صوم واجب سقط بالعجز عنه فوجب الإطعام عنه كالشيخ الهرم إذا ترك الصيام لعجزه عنه”(1)
قلت: القياس على الشيخ الهرم قياس مع الفارق ، لأن الشيخ الهرم ما زال حياً فعليه الصوم أو الفدية، وصاحب المسألة قد مات والميت لا يكلّف.
الحالـة الثانية: أن يتمكن من القضاء بعد رمضان ولكنه لم يقض ما عليه حتى مات.
ففي حكم هذه الحالة ذهب العلماء إلى مذاهب:
المذهب الأول: أن يصوم عنه وليه ، وهو قول الشافعي في القديم ووافقه أبو ثور ، لحديث عائشة أن النبي ﷺ قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليّه ) (2).
والمذهب الثاني: أن على ورثته أن يطعموا عن كل يوم مسكيناً ولا صيام على أوليائه وورثته، وهو قول الحنابلة والشافعي في الجديد وهو مختار المذهب عندهم، ووافقهما الليث والأوزاعي والثوري وغيرهم، وقد أخذوا بحديث ابن عمر في سنن ابن ماجة مرفوعاً: ( من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً) (3).
والمذهب الثالث: أنّه لا شيء على أهله وأوليائه وورثته لا صيام عنه ولا إطعام ، إلاّ إذا وصّى بالإطعام عنه مكان أيامه التي كانت عليه؛ أطعم عنه ورثته عن كل يوم مسكيناً.
ودليلهم الجمع بين الحديث والقرآن والقياس، فالقياس أن العبادات البدنية الأصل فيها عدم النيابة ، فلا يصلي أحد عن أحد ولا يتوضأ أحد عن أحد ، فكذلك لا يصوم أحد عن أحد ، وقد روي هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما فقال :” لا يصوم أحد عن أحد”(4).
قال ابن عبد البر: “من المجتمع عليه في الصلاة أنه لا يصلي أحد عن أحد، والقياس عليه يقتضي أن لا يصوم أحد عن أحد ، لأن الصلاة عمل بدن كالصوم ، فلا يصوم أحد عن أحد كما لا يصلي أحد عن أحد “(5)
وعن مالك أنه قال» ولم أسمع أن أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ ولا من التابعين من المدينة أمروا أحداً أن يصوم عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد، وإنما يفعل ذلك كل أحد عن نفسه «اهـ (6).
والقرآن يقرر هذا المعنى في قوله تعالى (7)، فإيجاب الصيام أو الإطعام على وليه تحميل له ما على غيره، وقوله تعالى (8) والصيام عنه سعي غيره وليس بسعيه ، فليس له(9).
وبالجمع بين هذه الآيات والقياس السابق وبين حديث عائشة ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ) وما روي عن عائشة فقد قالت وقد سئلت عن امرأة ماتت وعليها صوم ، فقالت: أطعموا عنها.
قال الشاطبي رحمه الله : » فهذا إخبار بترك العمل دائماً في معظم الصحابة ومن يليهم وهو الذي عول عليه في المسألة، كما أنه عوّل عليه في جملة عمله « ا هـ (10)
والمعروف عند أهل الفقه أن الجمع أولى من الترجيح ، فكان قول مالك وأبي حنيفة هو الراجح ، فليس على أهل من مات وعليه صيام شيءٌ، لا من صيام ولا من إطعام، ولكنهم ـ مع ذلك ـ لو عملوا بظاهر الحديثين ـ حديث عائشة وحديث ابن عمر ـ فصاموا عنه أو أطعموا عنه فلا مانع، إذ فيه موافقة لظاهر حديث صح عن النبي ﷺ، ولكن لا إلزام عليهم بذلك.
والله تعالى أعلم ..
الحواشي
راجع : المجموع شرح المهذب ، ج6 ص 388 وما بعدها ، المغني لابن قدامة ، ج3 ص 84 – 85 ، الاختيار لتعليل المختار، ج1 ص 173-174 . الغاية القصوى في دراية الفتوى للبيضاوي ، ج1 ص 415-417، بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، ج2 ص 174-175 .
أخرجه البخاري ، كتاب الصوم ،باب من مات وعليه صوم ، برقم 1952 :ج4 ص192 بفتح الباري، ومسلم كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت ، حديث رقم 153 :ج 7 ص 265 بشرح النووي . وأبو داود كتاب الصوم ، باب فيمن مات وعليه صيام ، حديث رقم 2400 :ج2 ص 315.
أخرجه ابن ماجة في كتاب الصيام باب من مات وعليه صيام رمضان برقم 1757 ، ج1 ص 558 . وقال الترمذي : الصحيح أنه موقوف على ابن عمر.
الموافقات نفسه :ج 3 ص 40 ، والاستذكار :ج10 ص 168 السنن الكبرى للبيهقي:ج4، ص 257.
انظر : الاستذكار : ج10 ص 173 .
الموافقات نفسه .
سورة فاطر :18 .
سورة النجم :39 .
انظر : الموافقات :ج3 ص10 .
المصدر نفسه
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س
التتابـع والتفــريق فــي القضـــاء
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل القضاء والكفارة
عليّ أيام من شهر رمضان أفطرت فيها لمرض ألمّ بي، وأريد أن أقضيها، فهل واجب عليّ أن أقضيها متتابعة ؟ أم يمكنني أن أقضي هذه الأيام متفرقة يوماً أو يومين ، ثم بعد أيام أو بعد أسبوع ، أو بعد شهر أو شهرين أقضي يومين وهكذا حتى أقضيها جميعها؟.
جواب فضيلة الشيخ
[1] ذهب أكثر أهل العلم من السلف الصالح والمذاهب الفقهية المشهورة إلى أنّ قضاء رمضان يجوز متتابعاً ويجوز متفرقاً ولكن القضاء متتابعاً أحسن، وهو قول الأئمة الأربعة وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وسفيان الثوري والأوزاعي، ومن التابعين: الحسن البصري وسعيد بن المسيب وعبيدالله بن عبد الله بن عتبة والشعبي وأبي قلابة ومجاهد وغيرهم. وسبقهم إلى ذلك جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم ومنهم: علي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وأنس بن مالك ، وأبو هريرة ، ومعاذ بن جبل وغيرهم.(1).
[2] وقال الظاهرية : يجب أن يقضيها متتابعة ويجزئه القضاء متفرقاً إن لم يفعله متتابعاً (2)، وحكي عن بعض السلف من الصحابة والتابعين منهم: ابن عمر وعائشة وعروة بن الزبير والنخعي(3).
[3] وحكي عن الطحاوي أنه قال:”التتابع والتفريق سواء، ولا فضيلة في التتابع”(4).
والراجـح :
ما ذهب إليه الجمهور ، فقضاء رمضان يجوز أن يكون متتابعاً ويجوز أن يكون متفرقاً، فلا يأثم من قضى ما عليه من رمضان متفرقاً ، ولكن يستحب لمن أراد القضاء أن يقضي ما عليه متتابعاً وذلك للأدلة الآتية:
[1] ظاهر قوله تعالى: (5).والدلالة على جواز التتابع والتفرق في موضعين من الآية الكريمة:
الموضع الأول: في قوله عز وجل: وهذا مطلق غير مقيّد بتتابع أو غيره، فجاز التفرق كما يجوز التتابع.
الموضع الثاني: في قوله سبحانه: ومقتضى اليسر أن يقضي من عليه القضاء بما هو أيسر عليه، فمن رأى أن اليسر له أن يفرق القضاء، فله ذلك .
ومن جميل ما روي في هذا المعنى قول أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه ، فقد قال في قضاء رمضان: ” إنّ الله لم يرخّص لكم في فطره وهو يريد أن يشقّ عليكم في قضائه “(6).
[2] ما روي عن النبي ﷺ في ذلك، فعن صالح بن كيسان قال: قيل: يا رسول الله! رجل كان عليه قضاء من رمضان فقضى يوماً أو يومين منقطعين أيجزيء عنه؟ فقال رسول الله ﷺ:( أرأيت لو كان عليه دين فقضاه درهما ودرهمين حتى يقضي دينه أترون ذمته برئت؟ قالوا: نعم. قال: يقضي عنه ) وعن محمد بن المنكدر قال بلغني ثم أن رسول الله ﷺ سئل عن تقطيع قضاء صيام شهر رمضان فقال:(ذلك إليك، أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضى الدرهم والدرهمين ألم يكن قضاء؟ فالله أحق أن يعفو أو يغفر)(7).
[3] أنه قول جماهير الصحابة رضوان الله عليهم ، ومن نسب إليه القول بوجوب التتابع فإنه لم يثبت ذلك.
فعليٌّ رضي الله عنه روي عنه القول بجواز التفريق كما روي عنه القول بالتتابع، فقد أخرج البيهقي في سننه عن عليّ أنه كان لا يرى به متفرقاً بأساً(8).
وابن عمر رضي الله عنهما روي عنه القول بجواز التفريق كما روي عنه القول بالتتابع، فقد روي عنه قوله: ” إن سافر فإن شاء فرّق وإن شاء تابع”(9).
والنسبة إلى عائشة غير محققة ، لأنهم إنما نسبوا القول بوجوب التتابع إليها لقولها: ” نزلت فعدة من أيام أخر متتابعات ، فسقطت متتابعات” (10).فهذا الخبر لا يثبت ولا يصح ، ولو صح؛ فإنها ذكرت أن التتابع قد نُسخ وسقط، فلم يعد مطلوباً.
وعلى هذا فالراجح أن الأمر على السعة بسعة رحمته تعالى ومقتضى تيسيره على أهل الصيام أداءً أو قضاءً ، فله الحمد والمنّة الرحيم الرحمان.
البيهقي في السنن الكبرى ج4 ص 259 وقد حسن إسناده ورواه الأثرم عن محمد بن المنكدر وفي آخره : ” فالله أحق بالعفو والتجاوز”، المغني لابن قدامة ج3 ص 92 .
سنن البيهقي ، ج4 ص 259 برقم 8035 .
المغني لابن قدامة ، ج3 ص 91 .
المصنف لعبد الرزاق ، ج4 ص 242 ، برقم 7657 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س
من أفطر في رمضان متعمداً
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل القضاء والكفارة
ابن عم لنا كلما يهل علينا شهر رمضان المبارك من كل عام يبدأ الصيام، ثم بعد يوم أو يومين نجده قد أفطر دون عذر أو سبب لا مرض أو سفر ولا غيره، وإذا سألناه لماذا أفطر؟ قال: تعبت من الصيام، فما حكمه؟.
جواب فضيلة الشيخ
أولاً: إنّ على من أفطر يوماً من رمضان عامداً مختاراً من غير سبب مبيح له أن يفطر به؛:
1ـ الإثم، ما دام الصيام واجباً، ويكون بذلك عاصياً فاسقاً..
2ـ أنّ صيامه قد فسد وبطل بفطره المتعمد.
3ـ أنّه لا يجوز له الأكل والشرب وتناول المفطرات بقية يومه، بل يجب عليه الإمساك عن كل مفطر، ولو قد أفطر وأفسد صومه، فيحرم عليه كل ما يحرم على الصائم، لأنه عاصٍ بفطره متعمداً، فإنْ أكل أو شرب واستمر في فطره ولم يمسك؛ زاد إثماً وفسقاً.
هذا ما عليه جماهير الفقهاء إلا ما رُوي عن الحسن وعطاء بأنّ له أن يفطر(1).
ثانياً: اتفق العلماء على أنّ من أفطر بالجماع متعمداً غير ناسٍ ولا جاهل؛ أنّ عليه القضاء والكفارة، لورود النصّ الصحيح عن رسول الله ﷺ فيه: ففي البخاري عن أمنا عائشة ، قالت: ” إن رجلاَ أتى النّبي ﷺ فقال: “إنه احترق” قال: مالك؟ قال: ” أصبت أهلي في رمضان” فأتي النبي ﷺ بمكتل يدعى العرق، فقال: (أين المحترق؟) قال أنا قال: (تصدق بهذا).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ” بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجلٌ فقال: يا رسول الله هلكت، قال: ما لك؟. قال: “وقعت على امرأتي وأنا صائم!” ، فقال رسول الله ﷺ: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال : لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. فقال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟. قال: لا. قال أبو هريرة: فمكث النبي ﷺ، فبينا نحن على ذلك أُتِيَ النبيّ ﷺ بعرق فيها تمر – والعرق المكتل- قال: أين السائل؟ فقال: أنا. قال: خذها فتصدق به. فقال: الرجل أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها – يريد الحرتين – أهل بيت أفقر من أهل بيتي فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: ( أطعمه أهلك)(2). وفي رواية ابن ماجة: ( وصم يوماً مكانه)(3).
وقد نقل الإجماع على وجوب الكفارة بالفطر بالجماع عمداً ابن هبيرة في الإفصاح(4).
ثالثاً: أما من أَفْطَر يوماً من رمضان بغير الجماع متعمداً فقد اختلف فقهاؤنا الكرام في حكمه اختلافاً كبيراً ، فمنهم من يرى أنه ليس عليه قضاء ولا كفارة وأن أمره إلى الله إن شاء عذبهوإن شاء غفر له، ومنهم من يرى أنّ عليه القضاء مكان اليوم الذي أفطره ولا كفارة تلزمه، ومنهم من يرى أنّ عليه الكفارة مثل كفارة الظهار، ومنهم من يرى أنّ عليه القضاء والكفارة بصيام شهرين متتابعين مكان كل يوم أفطره متعمداً، ومنهم من يرى أن عليه صيام شهر عن كل يوم أفطر فيه متعمداً، ومنهم من يرى أنّ عليه صيام اثني عشر يوماً عن كل يوم تعمد في فطره، ومنهم من رأى أن عليه صوم ثلاثة آلاف يوم عن كل يوم، وهكذا..
أما القول الأول: فهو الذي عليه الظاهرية(5)، وهو ظاهر ما رُوي عن عليّ وابن مسعود وأبي هريرة : أنّه لا يجزيه قضاء ولا كفارة..
أما عليّ رضي الله عنه فقد روى عَرْفَجَةُ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أنّه قَالَ: “مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا ، لَمْ يَقْضِهِ أَبَدًا طُولَ الدَّهْرِ”(6).
وأما أبو هريرة فقد ذكر الإمام البخاري في صحيحه عنه قال: “ويذكر عن أبي هريرة رضي الله عنه رفَعَهُ: “من أفطر يوماً من رمضان من غير عذر ولا مرض، لم يقضه صيام الدهر وإن صامه”.. وجاءه رجل قد أفطر في شهر رمضان فسأله فقال أبو هريرة: ” لا يقبل منه صومُ سنة”(7).
وأما ابن مسعود رضي الله عنه فعند البيهقي والطبراني أنه قال: ” من أفطر يوماً من رمضان من غير علة؛ لم يجزه صيام الدهر حتى يلقى الله، فإن شاء غفر له وإن شاء عذبه”. وفي رواية: ” من أفطر يوماً من رمضان متعمداً من غير علة ثم قضى طول الدهر لم يُقبل منه”(8).
وقد وجّه بعض العلماء هذا بأنّه قيل على سبيل الإنذار والتهديد والوعيد الشديد وما وقع هذا المفْطِر فيه من الإثم وفوات الأجر، قال في شرح السنة معلقاً على حديث أبي هريرة : “هذا على طريق الإنذار والإعلام بما لحقه من الإثم وفاته من الأجر، فالعلماء مجمعون على أنه يقضي يوما مكانه”)9).
أما القول الثاني: فهو الذي عليه الشافعية والحنابلة وأهل الظاهر، أنّ حكمه قضاء اليوم الذي أفطره، ولا كفارة عليه، وفرّقوا بين تعمّد الفطر بالجماع وتعمّد الفطر بغيره بالأكل أو الشرب أو سواهما. فقالوا: من أفطر بغير الجماع عامداً فعليه القضاء. وهو قول سعيد بن جبير والشعبي، قالا: ” يصوم يوماً مكانه ويستغفر الله”(10).
والقول بوجوب القضاء نقل الإجماع عليه في شرح السنة، قال: “فالعلماء مجمعون على أنه يقضي يوماً مكانه”(11). ولكن حصر الحكم على القضاء فقط لم يتفق عليه.
ودليل هذا القول القياس على المستقيء عامداً، في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: ( من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء فعليه القضاء)(12). ووجه الدلالة أنّ من استقاء فقد أفطر عامداً، لكنه لم يكن فطره بالجماع، فلم تجب عليه الكفارة، وهذا يعني أنّ كل مفطر عمداً بغير الجماع لا كفارة عليه.
وأما القول الثالث: أنّ عليه صيام اثني عشر يوماً مكان كل يوم، وهو المحكي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن رحمه الله، قال: ” من أفطر يوماً من رمضان قضى اثني عشر يوماً، لأنّ الله جل ذكره اختار شهراً من اثني عشر شهراً، فعليه أن يقضي بدلاً من كل يوم اثني عشر يوماً”. فأجاب الشافعي رحمه الله عن حجته فقال: “يلزمه أن يقول: من ترك الصلاة ليلة القدر أن يقضي تلك الصلاة ألف شهر، لأنّ الله عز وجل يقول: ” (13((14).
وأما القول الرابع: فهو الذي ذهب إليه سعيد بن المسيب رحمه الله: أنّ من أفطر يوماً متعمداً يصوم شهراً، مستدلاً بما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:« مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ صِيَام شَهْرٍ » وقد أخرجه الدارقطني في السنن وضعّفه لضعف مَنْدَل بن عليّ(15).
وأما القول الخامس: فهو الذي ذهب إليه إبراهيم النخعي ووكيع رحمهما الله تعالى، أنّ عليه صيام ثلاثة آلاف يوم(16). ولم أقف لهذا القول على دليل ولم يظهر لنا وجه.
أما القول السادس: فهو الذي ذهب إليه الجمهور: أبو حنيفة وأصحابه ومالك وأصحابه وسفيان الثوري وابن المبارك واسحاق بن راهويه والحسن وعطاء والزهري والأوزاعي وأبو ثور وهو قول محمد بن جرير الطبري، أنّ عليه القضاء والكفارة(17). وهو الذي كان يفتي به ابن عباس رضي الله عنهما، فقد سأل أيفعُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَمَّنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ قَالَ : “كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: “مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ ، أَوْ صَوْمُ شَهْرٍ ، أَوْ إِطْعَامُ ثَلاَثِينَ مِسْكِينًا “(18). غير أنّه خفّف عليه بدل صيام الشهرين جعله شهراً وبدل إطعام الستين جعله لثلاثين.
والراجح من هذه الأقوال فيما ظهر لنا قول من يرى وجوب القضاء والكفارة عليه، وذلك للآتي:
أولاً: حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الدارقطني أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: أَمَرَ الَّذِي أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ بِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ”(19).
وأمره عليه الصلاة والسلام يقتضي الوجوب، فأوجب على من أفطر الكفارة، والكفارة هي كفارة الظهار، وتكون بتحرير الرقبة، أوصيام شهرين متتابعين، أوإطعام ستين مسكيناً، كما جاءت في آيات المجادلة(20). فالحنفية على الترتيب بين الكفارات الثلاث، والمالكية على التخيير بينها.
وهذا نصٌّ في الفطر بالأكل، ووجوب الكفارة إنْ صح الخبر.
ثالثاً: القياس على خبر الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله هلكت، قال: ما لك؟. قال: “وقعت على امرأتي وأنا صائم!” ، فقال رسول الله ﷺ: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال : لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. فقال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟. قال: لا. قال أبو هريرة: فمكث النبي ﷺ، فبينا نحن على ذلك أُتِيَ النبيّ ﷺ بعرق فيها تمر – والعرق المكتل- قال: أين السائل؟ فقال: أنا. قال: خذها فتصدق به. فقال: الرجل أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها – يريد الحرتين – أهل بيت أفقر من أهل بيتي فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال: ( أطعمه أهلك)(22). وفي رواية ابن ماجة: ( وصم يوماً مكانه)(23).
والعلة الجامعة فيه انتهاك حرمة نهار رمضان بفطر من غير عذر أو سبب مبيح للفطر؛ أنه تجب عليه الكفارة، دون نظر لما انتهك به حرمة الشهر.
والفطر قد يقع بالأكل أو بالشرب أو بالجماع أو بغير ذلك؛ والجامع بينها أنه بأيِّها يفطر؛ يفطر عامداً قاصداً مختاراً، فالمعنى أنه أفطر متعمداً منتهكاً لحرمة رمضان، وهو العلة الجامعة بين من أفطر بجماع وبين من أفطر بغيره دون سبب مبيح للفطر.
رابعاً: الأخبار الواردة بإطلاق الفطر دون تقييد له بجماع أو أكل أو شرب، ومنها:
1ـ خبر الزُّهْرِيّ عن حُمَيد ، عَن أبي هُرَيرة رضي الله عنه أن رجلاً قال : “يا رَسولَ اللهِ! أفطرت يوماً في شهر رمضان”. قال : (أعتق رقبة)(24).
2ـ خبر الموطأ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً أفطر في رمضان، فأمره رسول الله ﷺ أن يكفِّر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً” الحديث(25).
4ـ حديث عائشة قالت : أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله قد احترقت فسأله ماله ؟ قال : أفطرت في رمضان ثم إنه جلس فأتى بمكتل عظيم يدعى العرق فيه تمر فقال : أين المحترق؟ فقام الرجل فقال : (تصدق به) (27).
5ـ حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم قال : إني أفطرت يوما من رمضان. قال : من غير عذر ولا سفر ؟ قال : نعم قال : بئس ما صنعت ! قال : أجل فما تأمرني؟ قال : أعتق رقبة. الحديث(28).
أ ـ أننا نجد فيها كلها السائلَ يخبر النبي ﷺ أنه أفطر يوماً من رمضان متعمداً، ولم يفصّل بم أفطر، وقضى رسول الله ﷺ عليه بالكفارة. فكان الجامع بين هذه الروايات أنّ من أفطر يوماً من رمضان من غير عذر ولا سفر أنّ عليه الكفارة.
ب ـ أنّ العلة من إيجاب الكفارة هي انتهاك حرمة رمضان بتعمد الفطر، ويظهر ذلك من قول السائل: ” أفطرت يوماً في رمضان” ومن خبر أبي هريرة: ” أنّ رجلاً أفطر في رمضان فأمر رسول الله ﷺ أن يكفّر” ومن سؤال النبي ﷺ للسائل في خبر ابن عمر: ( من غير عذر ولا سفر؟)، فكان مناط الحكم: (أَعْتِقْ رَقَبَةً).
ج ـ أنّ حديث الموطأ بلفظ: ” أنّ رجلاً أفطر من رمضان” وإنْ كان مجملاً، والمجمل ليس له عموم ـ كما أجاب مانعي الكفارة ـ إلاّ أنه مما لم يستفصل فيه النبي ﷺ عن سبب الفطر أو بماذا أفطر، ولو كان سبب الفطر أو ما أفطر به مؤثراً في الحكم لاستفصله رسول الله ﷺ، ولهذا نُزِّل منزلة العموم، فشملته وَحَكَمَتْهُ القاعدة الأصولية: ” ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزّل منزلة العموم من المقال”.
وكما يقول الخطيب البغدادي رحمه الله في كتاب الفقيه والمتفقه، وهو من أئمة الشافعية: “اللفظ الوارد على سبب، لا يجوز إخراج السبب منه، لأنه يؤدي إلى تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وذلك لا يجوز، وهل يدخل فيه غيره أم لا؟ ينظر فإن كان اللفظ لا يستقل بنفسه كان ذلك مقصورا على ما فيه من السبب، ويصير الحكم مع السبب كالجملة الواحدة فإن كان لفظ السائل عاماً، مثل: إن قال: أفطرت، وذلك في رمضان، فأجابه بأن قال: أعتق، حمل الجواب على العموم في كل مفطر بأي سبب كان الفطر، كأنه قال: من أفطر فعليه العتق من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، وذلك أنه لما لم يستفصل؛ دل على أنه لا يختلف الحكم، ولما نقل السبب وهو الفطر، فحكم فيه بالعتق صار كأنه علل بذلك، لأن السبب في الحكم تعليل وإن كان لفظ السائل خاصاً” (30).
خامساً: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (من أفطر في رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة)(31). والمفهوم: أنّ من أفطر غير ناسٍ عامداً قاصداً؛ عليه القضاء والكفارة، فلو كان الذي يفطر عامداً غير ناسٍ ليس عليه إلاّ القضاء؛ لاكتفى الشارع بنفي القضاء عليه، ولكن لمّا نفَى مع القضاء الكفارة عليه؛ فُهم أنّ من أفطر عامداً عليه الكفارة مع القضاء، وهي دلالة واضحة على حكم من أفطر متعمداً في رمضان.
سادساً: وفوق ما ذُكر، فإن الأنسب لمتعمّد الفطر في نهار رمضان انتهاكاً لحرمته أنّ توجب عليه مع القضاء كفارة لسببين:
السبب الأول: أنّه بدونها يستوي المتعمّد المنتهك حرمة الشهر مع الناسي والمخطئ والجاهل في الحكم، وهذا ظاهر في الشرع والعقل.
والسبب الثاني: أنّ الكفارات إنما شُرعت للزجر والستر والتكفير، فإنّ الكفارة مأخوذة من التكفير وهو التستير، لأنها تستر الذنب وتغطيه، كما يقول الشوكاني في تفسيره، وهي الفعلة التي من شأنها أنْ تكفّر الخطيئة وتسترها، كما قال أبو السعود والنسفي في تفسيرهما(32).
فإنْ شُرعت الكفارات للزجر، فالذي أفطر بالأكل والشرب عمداً مستحق للزجر، والذي أفطر بالجماع عمداً مستحق للزجر، إذ كلاهما عاصٍ بفطره منتهك لحرمة الشهر، وليس المفطر بالجماع وحده هو العاصي.
وإنْ شُرعتْ الكفارات للتكفير والستر، فإنّ الذي أفطر بالأكل أو الشرب محتاجٌ لتكفير ذنبه ومعصيته كما أن المفطر بالجماع محتاجٌ كذلك لتكفير ذنبه ومعصيته.
وقياس من نفى الكفارة على المستقيء من حديث: ( من ذرعه القيء فلا شيء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء)(33). لا يكفي ولا يفي لنفي الكفارة عمن أفطر متعمداً بثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أنّ كثيراً من العلماء فرّقوا بين من استقاء هكذا ومن استقاء عامداً فأوجبوا الكفارة على من استقاء عامداً دون الآخر، كالإمام أبي بكر الأبهري وابن الماجشون والقاضي عبد الوهاب أبو الفرج المالكي وغيرهم، وبعض الأئمة أوجبوا على المستقيء القضاء والكفارة كعطاء والأوزاعي وأبي ثور، وهذا موافق لمذهب من أوجب الكفارة، فلا يفي هذا القياس بمطلوبهم(34).
الوجه الثاني: أنّ المستقيء في معنى المكره، والقيء والاستقياء غالباً لا يكون إلا لمرض أو شبهه، فيلحق المستقيء بالمريض لا المتعمد، فغالباً ما يكون سببه المرض خفّ أو ثقل، فإما أن يقيء وإما أنْ يعجز عن القيء فيشق عليه الحال مشقة زائدة تضطره إلى الاستقاء، وهذا هو المعروف المشاهد الواقع، فالمناسب له القضاء كالمفطر مكرهاً، وكالمفطر لمرض. وقد وجدت لابن الماجشون اعتبار ذلك بعد أن قررته قال: ” من استقاء من غير مرضٍ متعمداً فعليه القضاء والكفارة”(35).
الوجه الثالث: أنّه قياس مع الفارق، والفارق أنّهما متعاكسان، فالقيءإخراج للطعام أو الشراب، والأكل والشرب إدخال لهما، وقد نبّه إلى هذا المعنى أبو هريرة رضي الله عنه حين قال: ” إذا قاء فلا يفطر، إنما يُخرج ولا يولج” كما في صحيح البخاري(36).
وهكذا نجد أنّ على من أفطر متعمداً دون عذر أو رخصة أو سبب مبيحٍ القضاء والكفارة . والله تعالى أعلم..
الحواشي
راجع: المحلى لابن حزم ج4 ص 384.
أخرجه البخاري في صحيحه برقم 1935 ـ 1936،
أخرجه ابن ماجة في السنن برقم 1671.
الإفصاح عن معاني الصحاح، لابن هبيرة، ج1 ص 204.
راجع: المحلى بالآثار لابن حزم، ج4 ص 309وما بعدها.
مصنف ابن أبي شيبة ج3 ص 106 برقم 9878.
النسائي في السنن الكبرى، برقم 3271.
البيهقي في السنن الكبرى برقم 7856. والطبراني في الكبير برقم 9459.
شرح السنة للبغوي، ج6 ص 290.
معرفة الآثار والسنن للبيهقي، ج6 ص ص268، برقم 2613. ويراجع: المغني لابن قدامة، ج3 ص 133، المجموع شرح المهذب للنووي، ج6 ص 339، المحلى لابن حزم ج4 ص 384.وفتح الباري لابن حجر، ج4 ص 190 وما بعدها.
شرح السنة للبغوي ج6 ص 290. ونقل الإجماع هذا يناقض القول الأول. والعلم عند الله.
سبق تخريجه في أقضية المرض في مسألة القيء للصائم. وراجع الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 103، بدائع الصنائع ج2 ص 92، الهداي مع البناية ج3 ص 317ـ 319، الأم للشافعي ج5 ص 106، المجموع ج6 ص 279، والحاوي الكبير للماوردي ج3 ص 419، المغني لابن قدامة ج3 ص 117، كشاف القناع ج2 ص 371.
سورة القدر الآية 3 .
راجع: معرفة السنن والآثار للبيهقي ج6 ص 269 برقم 2614.
سنن الدارقطني برقم 2335، ج6 ص 89.
انظر: المغني لابن قدامة، ج3 ص 131.
انظر: بداية المجتهد، ج2 ص 179-180، القوانين الفقهية، لابن جزي ص 83، مواهب الجليل ج2 ص 387، البناية شرح الهداية ج4 ص 53، العناية شرح الهداية ج3ص 293، المجموع شرح المهذب ج6 ص 330، فقه الأوزاعي ج1 ص 389،الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 100، سنن الترمذي ج3 ص 102.
السنن الكبرى للنسائي حديث رقم 9069، ج8 ص 234.وبرقم 9118.
أخرجه الدارقطني في سننه برقم 2306، ج3 ص 167.
الآيات: 3 و4 .
أخرجه الدارقطني برقم 2308.
أخرجه البخاري في صحيحه برقم 1935 ـ 1936،
أخرجه ابن ماجة في السنن برقم 1671.
مسند البزار برقم 8074.
موطأ الإمام مالك حديث رقم 620
السنن الكبرى للنسائي برقم 3099.
مسند أبي يعلى حديث رقم 4663. وقال المحقق حسين سليم أسد: إسناده صحيح.
مسند أبي يعلى حديث رقم 5725. قال حسين أسد: رجاله ثقات.
سنن الدارقطني حديث رقم 2396، والطبراني في المعجم الكبير برقم752.
كتاب الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي، ج1 ص 113.
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 7863، والدارقطني في السنن برقم 2266، وابن حبان في صحيحه برقم 3521، وصححه الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام أنظره بشرح سبل السلام، ج2 ص 660، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم 6070وشعيب الأرناؤوط في صحيح ابن حبان ج8 ص 287.
فتح القدير للشوكاني ج2 ص 351، تفسير أبي السعود ج2 ص 284، تفسير النسفي ج1 ص 304.
سبق تخريجه في أقضية المرض في مسألة القيء للصائم. وراجع الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 103، بدائع الصنائع ج2 ص 92، الهداي مع البناية ج3 ص 317ـ 319، الأم للشافعي ج5 ص 106، المجموع ج6 ص 279، والحاوي الكبير للماوردي ج3 ص 419، المغني لابن قدامة ج3 ص 117، كشاف القناع ج2 ص 371.
راجع: المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي ج4ص225، وحاشية العدويي، ج1 ص 447، وفتح الباري لابن حجر، ج4 ص 206. وقد أتى الحافظ بخلاف ما نقله ابن العربي في المسالك عن الأبهري في إيجاب الكفارة عن المستقيء عمداً ، ففي المسالك:”قال أبوبكر الأبهري: إن استقاء عامداً فعليه الكفارة” وفي الفتح قال الحافظ:” واستدل الأبهري بإسقاط القضاء عمن تقيأ عمداًبأنه لا كفارة عليه على الأصح عندهم”. وابن العربي أعرف بأقوال أئمة المذهب. والله أعلم.
انظر: حاشية العدوي، ج1 ص 447.
صحيح البخاري ج4 ص 205، بشرح فتح الباري.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س
الجماع في نهار رمضان وخصال الكفارة
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل القضاء والكفارة
في يوم من أيام رمضان وأنا صائم زادت رغبتي في إتيان أهلي، وثارت شهوتي ولم أستطع أن أصبر حتى الليل فأتيت أهلي في نهار رمضان، وأنا أعلم أن من فعل مثل هذا عليه القضاء والكفارة، فكيف أكفر وبماذا أكفر؟.
جواب فضيلة الشيخ
الكفارات شرعت في الإسلام للزجر عن تعدي حدود الله ، وانتهاك حرمات الدين، ففي الصيام شُرعت الكفارة للزجر عن انتهاك حرمة الصيام لا سيما في رمضان حتى لا تنتهك حرمة نهار رمضان، عقوبة لمن يفعل ذلك. ولا شكّ أن السائل انتهك حرمة نهار رمضان بفعل قد نُهي عنه وأُمر أن يمسك عنه بالصيام وهو الجماع، ولذلك فعليه كفارة وهو يعلم ذلك.
والذي يكفِّر به عن هذه الفعلة الكبيرة وغيرها من موجبات الكفارة أحد ثلاثة أمور:
[1] صيام شهرين متتابعين من غير انقطاع ولا تراخ .
[2] إطعام ستين مسكيناً من أوسط ما يطعم به أهله.
[3] عتق رقبة .
لأن النبي ﷺ قضى على الذي أتى أهله في نهار رمضان بذلك.
ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: ” جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: ” هلكت يا رسول الله ! قال: ( وما أهلكك؟ ) قال: “وقعت على امرأتي في رمضان” قال: ” هل تجد ما تعتق به رقبة؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد ما تطعم به ستين مسكيناً؟ قال: لا ، ثم جلس، فأتى النبي ﷺ بعَرَق فيه تمر (1) فقال: تصدق بهذا . قال: أفقَرَ منّا؟ فما بين لابَتيها أهل بيت أحوج إليه منا ” فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه ثم قال:(اذهب فأطعمه أهلك)(2).
والعلماء في أيّ من الكفارات هي التي تجب على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ما ذهب إليه الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة في مشهور مذهبهم: أن الأمور التي يكفّر بها على الترتيب ، فإنه واجب عليه أن يكفّر بعتق رقبة ، فإن لم يجد وجب عليه صيام شهرين متتابعين ، فإن عجز عن ذلك ؛ كفّر بإطعام ستين مسكيناً (3).
والقول الثاني: هو ما ذهب إليه مالك، وأحمد في رواية عنه، وهو التخيير بين الكفارات الثلاث ، غير أن المالكية يفضّلون الكفارة بالإطعام في المشهور معللين أنه أعمّ نفعاً(4).
والقول الثالث: هو الذي ذهب إليه الإمام يحيى بن يحيى الليثي من أصحاب مالك، وهو أن الكفارة الواجبة هي التي تحقق مقصودها من الزجر للمتعدّي، وقد حكي عنه رحمه الله تعالى أن حاكم الأندلس عبد الرحمن بن الحكم المرواني نظر إلى جارية له في رمضان نهاراً ، فلم يملك نفسه أن واقعها، ثم ندم ، وطلب الفقهاء وسألهم عن توبته، فقال يحيى بن يحيى : ” صم شهرين متتابعين ” فسكت العلماء، فلما خرجوا قالوا ليحيى: ” مالك لم تفته بمذهبنا عن مالك أنه مخيَّرٌ بين العتق والصوم والإطعام؟ ” فقال: ” لو فتحنا له هذا الباب لسهل عليه أن يطأ كل يوم جارية ويعتق رقبة، فحملته على أصعب الأمور لئلا يعود” (5).
والراجـح :
أننا نحقق مقصد الشارع من تشريع الكفارة، فإن مقصود الكفارة تحصيل الزجر في نفس منتهك حرمة نهار رمضان، وأن يشعر بنوع شدّة وعقاب، وكما قال تعالى: (6).
ولذلك يجب أن يُفتَى من وجبت عليه كفارة بأنّه:
إنْ كان ميسور الحال جداً بحيث إذا كفّر بالإطعام أو العتق لا يحصل له الزجر بذلك ؛ فيجب عليه أن يكفر بالصيام ولا يكون مخيّراً بحال، لأنه لن يزجره الإطعام ولا العتق، لأنه سهل عليه ميسور له أن يجامع كل يوم فيكفر بإطعام ستين مسكيناً بل أكثر أو يعتق رقبة أو أكثر، فيستهين بحرمة رمضان، فحتى يزجر يؤمر بصيام شهرين متتابعين.
وإنْ كان معروفاً بحبه للمال وضنّه به وتقتيره حتى على نفسه ، وأنه يكون زاجراً له أن يؤمر بالعتق أو الإطعام ، أُمر بأحدهما.
وإنْ كان ممن يُظَنّ فيه أن أية خصلة من خصال الكفارة الثلاث يحصل له بها الزجر خُيِّر بينها.
وبهذه الطريقة نكون قد أعملنا قول جميع الفقهاء وحققنا المذاهب الثلاثة مع تحقيقنا لمقصود الشرع من تشريع الكفارات.
ولكن عتق الرقبة غير وارد في زماننا إلاّ أن يشاء الله تعالى قريباً بغلبة الأمة على الأمم لا سيما الطاغية المستكبرة، فلم يبق من خصال الكفارة إلاّ صيام الشهرين المتتابعين وإطعام ستين مسكيناً، فيؤمر بأحدهما على الطريقة التي قررناها. والله تعالى أعلم..
الحواشي
العرق بفتح الراء هو الزنبيل أو القفة أو الكيس أو الجراب ، وقد حدده الفقهاء بأنه ما يسع خمسة عشر صاعاً، وهي ستون مداً لستين مسكيناً ، لكل مسكين مدٌّ . راجع : شرح النووي لصحيح مسلم:ج8 ص 226.
البخاري كتاب الصوم باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء برقم 1936 ، وفي باب المجامع في رمضان هل يطعم أهله برقم 1937 . ومسلم في الصيام باب تغليظ تحريم الجماع برقم 2590-81/1 ج8 ص 224 –227 بشرح النووي.
فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية العوائد
أصبح من المشاهد في كل عام في شهر رمضان كثرة المطاعم التي تعمل في الأسواق وفي أماكن تجمعات الناس، وكثيرٌ من الشباب وغيرهم تراهم يرتادون هذه المطاعم، بل تجد بعضهم يخرج على الشارع أمام الناس وفي يده سندوتش يأكل فيه أو زجاجة بارد يشرب منها، من غير أنْ ينتبه ـ أو بتعمّدٍ منه ـ أنّها أيام صيام رمضان!. فما حكم فتح المطاعم أيام شهر رمضان؟.
جواب فضيلة الشيخ
مما يجب أن يعرفه كل مسلم أنّ شهر رمضان واجب التعظيم والرعاية، وأنّ نهار رمضان حرمته عظيمة، وأنّ على كل مسلم يرى أحداً قد انتهك حرمة نهار رمضان بأي نوع انتهاك، واجب عليه أن يُنكر ذلك، وولاة الأمر واجبهم أعظم في رعاية حقّ هذا الشهر الفضيل، ومن أعظم واجباتهم المحافظة على حرمته والمنع من انتهاكها بكل سبيل، وشعائر الإسلام يجب تعظيمها، (1).
ولذلك؛ فلو أظهر أحدٌ من المسلمين ـ وحتى غير المسلمين ـ ما لا ينبغي إظهاره في نهار رمضان أمام الناس من المفطرات أو غيرها؛ وجب على المسلمين الإنكار عليه ونهيه عن ذلك وزجره في نفسه، فإن لم ينزجر أو ينتهِ؛ وجب التبليغ عنه لدى السلطان، فإنّ السلطان يزع بسلطانه ما لايزع غيره. وليس من اللائق بحال أن تفتّح المطاعم في بلاد المسلمين أيام رمضان نهاراً، وعليه:
1 ـ يجب على ولي الأمر في بلاد المسلمين عدم السماح لأصحاب المطاعم بفتحها وممارسة تقديم الأطعمة والأشربة فيها.
2ـ يجب أن يُسنَّ قانونٌ يجرّم كل مظاهر الانتهاك لحرمة رمضان، لردع من يُظهر ما حرم الله في نهار رمضان من المفطرات وغيرها، وإنْ كان من أصحاب الأعذار، فإنّ أصحاب الأعذار لا يجوز لهم أن يجاهروا بالمفطرات بين الصائمين إلاّ في حدود ما يضطر لإظهاره من زمان أو مكان.
وحتى غير المسلمين ـ مستأمنين أو ذمّيين أو معاهدين ـ لا يحقّ لهم أن يظهروا الفطر بين المسلمين في الطرقات والمحلات والمكاتب والأسواق، ويجب على ولاة الأمر منعهم من ذلك تعظيماً لشعائر الله، ولقد قال ابن تيمية رحمه الله: ” ويُمنع أهل الذمّة من إظهار الأكل في نهار رمضان، فإنّ هذا من المنكر في دين الإسلام”(2).
3ـ يقتصر السماح لفتح المطاعم ـ وبحسب الحاجة ـ في أماكن محدّدة لمظنة وجود أصحاب الأعذار بها، وهي: المستشفيات، ومواقف وموانئ النقل الخاصة بالسفريات الطويلة التي تبيح الفطر في رمضان.
أما أن يسمح بفتح المطاعم في الأسواق وأماكن تجمعات الناس، بما يؤدي إلى إظهار انتهاك حرمة نهار رمضان؛ فهذا لا يجوز لأحد بحال، وذلك:
أـ لأنّ في فتحها والسماح بفتحها تعاوناً على الإثم والعدوان، على إثم مخالفة أمر الشرع بالصوم والإمساك، وعلى إثم انتهاك حرمة رمضان، وعلى العدوان على شرع الله وشعائر الملّة.
ب ـ ولأنّ في فتحها لأهل الفسوق والعصيان الذين يفطرون دون عذر أو سبب مبيحٍ للفطر.
اللهم أرنا وولاة أمورنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه.
الحواشي
سورة الحج، 32 .
الفتاوى الكبرى لابن تيمية ، تحقيق محمد ومصطفى عبد القادر عطا، ج5 ص 543.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
لديك مسألةٌ تُشكل عليك؟ استفتِ الشيخ
اكتب سؤالك وسيصل مباشرةً إلى مكتب فضيلة الشيخ، ويصلك الجواب على بريدك.
الردّ خلال ٣–٧ أيامبياناتك محفوظة ولا تُنشر١١٣ فتوى منشورة
نلاحظ أن المرأة يتزايد اهتمامها بصلاة التراويح في كل رمضان، بل وتسابق الرجال إلى المساجد، فهل حكم صلاة التراويح بالنسبة للمرأة كالرجل؟ أم يختلف حكمها للمرأة عن الرجل؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.