الخميس 8 أكتوبر 2026م
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ

الرئيسية ← الفتاوى

الفتــاوى

فتاوى فضيلة الشيخ في العبادات والمعاملات المالية والنوازل المعاصرة — ولمن أراد أن يسأل، فباب الاستفتاء مفتوح.

س

وقت دخول المعتكف المسجد للاعتكاف

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف

أريد أن أعتكف العشر الأواخر من رمضان كاملة، لأني علمت أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك، فأرجو أن تبينوا لي متى أدخل المسجد لأبدأ الاعتكاف؟. جزاكم الله عنا خير الجزاء.

جواب فضيلة الشيخ

أولاً: لقد أحسنت في اقتدائك برسول الله ﷺ واقتفائك لأثره، حين أردت اعتكاف العشر الأواخر من رمضان كما كان يفعل رسول الله ﷺ، فنسأل الله لنا ولك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد.

ثانياً: في وقت دخول المعتكف المسجد الذي يريد أن يعتكف فيه، لأهل الفقه مواقف ومذاهب(1)، فمنهم من أطلق الحكم على سائر أنواع الاعتكاف، ومنهم من فرق بين الاعتكاف الواجب والاعتكاف المندوب، ومنهم من نظر إلى مدة الاعتكاف وظرفه من اليوم والليلة وغير ذلك، وعلى ذلك نفصّل الجواب على النحو الآتي:

من أوجب على نفسه اعتكاف شهر، يدخل مسجده الذي سيعتكف فيه قبل غروب الشمس من ليلة اليوم الذي نوى بدء الاعتكاف فيه، وهذا قول الجمهور: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأصحابهم وبه قال أبو ثور.

وجعل مالك وأبو حنيفة هذا الوقت لدخول كل من أراد أن يعتكف يوماً أو أكثر، لأنّ ليل يوم الاعتكاف داخل فيه عندهم.

من أوجب على نفسه اعتكاف يوم؛ يدخل قبل طلوع الفجر ويخرج بعد غروب شمس ذلك اليوم، وهو قول الشافعي، مفرّقاً بين من اعتكاف شهر واعتكاف يوم.

ودخول المعتكِف قبل طلوع الفجر هو قول أبي يوسف وزفر من الحنفية والقاضي عبد الوهاب من المالكية ورواية عن الإمام أحمد وأحد قولي الليث بن سعد رحمهم الله تعالى في كل اعتكاف واجبٍ أو مندوبٍ، وحجتهم أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يعتكف صلّى الصبح ثم دخل معتكفه(2). وهذا يعني أنه دخل المسجد فصلى الصبح ثم دخل معتكفه، فدلّ أن دخول المسجد يكون قبل طلوع الفجر.

ذهب الأوزاعي، والثوري، والليث في أحد قوليه، وابن المنذر وطائفة من التابعين رحمة الله تعالى عليهم، إلى أن مريد الاعتكاف يدخل عقب صلاة الفجر في كل اعتكف فرضٍ أو تطوعٍ، مستندين لحديث أم المؤمنين عائشة قالت: ” كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ” (3).. وفي رواية البخاري قَالَتْ : “كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ” (4).

ولكن المراد بدخوله معتكفه دخوله الخباء المضروب له لانفراده وخلوته، لا أنه كان وقت ابتداء اعتكافه ودخوله مسجده، كما يبيّن ذلك قول عائشة في رواية البخاري رحمه الله.

وعلى هذا: فمن أراد أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان دخل المسجد الذي سيعتكف فيه قبل غروب شمس يوم العشرين من رمضان ليكون قد اعتكف ليلة الحادي والعشرين، وذلك للآتي:

أـ أنّ اعتكاف الأيام كصيام الأيام، فكما يبدأ اليوم الأول من رمضان من ليلته؛ يبدأ اعتكاف العشر الأواخر من ليلة الحادي والعشرين أول أيام العشر.

ب ـ أنّ ليالي العشر الأواخر داخلة مقصودة بالاعتكاف كأيامها، وقد سميت بالعشر الأواخر، والعشر بغير التاء المربوطة [ ة ] عدد الليالي، لأنها عدد المؤنث، قال تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (5) وأول الليالي العشر هي ليلة إحدى وعشرين.

ج ـ ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنّ النبي ﷺ اعتكف العشر الأواسط من رمضان حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج في صبيحتها من اعتكافه قال: « إِنِّى اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لِى إِنَّهَا فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ ». هذا لفظ مسلم ، وعند البخاري: أنه ﷺ «كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ قَالَ مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ»(6). فدلّ أن اعتكاف العشر الأواخر إنما يبدأ من أول ليلة إحدى وعشرين، وهذا يلزم أن يدخل مسجد اعتكافه قبل غروب شمس يوم عشرين حتى يكون بدأ اعتكافه من ليلة إحدى وعشرين.

د ـ إنّ من أعظم مقاصد الاعتكاف في العشر الأواخر؛ التماس ليلة القدر ـ كما سبق وقررنا ـ وليلة إحدى وعشرين من ليالي الوتر في العشر الأواخر التي يتأكّد تحري ليلة القدر فيهن، فكان اعتكافها مطلوباً بلا ريب.

والله تعالى أعلم.

الحواشي

  1. راجع وقت دخول المعتكف في: المغني لابن قدامة ج3 ص 155- 157، بداية المجتهد، ج2 ص 206 – 207، المجموع شرح المهذب ج6 ص 481، الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 309، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ، ج2 ص 220.
  2. أخرجه الشيخان، البخاري برقم 2041، ومسلم برقم 1173.
  3. أخرجه مسلم في صحيحه برقم 2842، وأبو داود برقم 2466، والترمذي برقم 791.
  4. البخاري في الصحيح برقم 2033 .
  5. سورة الفجر: 2
  6. أخرجه البخاري ومسلم ، البخاري برقم 2027، ومسلم برقم 2828.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

خروج المعتكف لصلاة الجمعة

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف

كنا جماعة معتكفين في مسجد حيّنا الذي تقام فيه الصلوات الخمس ولكن لا تُصلَّى فيه الجمعة، فوجدنا أنفسنا أننا لا بدّ أن نخرج لصلاة الجمعة حيث تقام في مسجد واحد في القرية على بعد كيلو مترين من الحيّ، فقال بعض المعتكفين لو خرجنا بطل اعتكافنا، فهل هذا صحيح؟.

جواب فضيلة الشيخ

من كان معتكفاً في مسجد لا تصلّى فيها الجمعة، فواجب عليه الخروج لصلاة الجمعة بلا خلاف يُعلم بين أهل الفقه، ولكن هل خروجه للجمعة مع لزومه يبطل به اعتكافه؟ في بطلان اعتكافه اختلف الفقهاء على قولين:

القول الأول: ما ذهب إليه الجمهور، وهو أنّ خروجه للجمعة واجب ولا شيء عليه فيه، واعتكافه باقٍ صحيحاً لا يبطل بذلك.

وهذا قول الجمهور، أبي حنيفة وأحمد ومالك في رواية ابن الجهم عنه، وبه قال ابن المنذر، والحسن البصري، والثوري، وابن المبارك، والحسن بن حي، وسعيد بن جبير، وعمرو بن حريث، والشعبي، وأبو سلمة وغيرهم، وهو اختيار ابن العربي وابن الماجشون من أئمة المالكية وصححه القرطبي في تفسيره (1).

القول الثاني: ما ذهب إليه المالكية في المشهور أنّه إنْ اعتكف في غير المسجد الذي يجمَّع فيه لزمه الخروج لصلاة الجمعة فيخرج ويبطل اعتكافه بخروجه(2).

ووافقهم الشافعية في الصحيح من مذهبهم في حالتين:

أ ـ إذا كان الاعتكاف تطوعاً.

ب ـ إذا كان نذراً متتابعاً (3).

وحجتهم: أنه كان يمكنه الاحتراز من الخروج للجمعة بالاعتكاف في المسجد الذي تصلى فيه الجمعة، فقصّر(4).

والراجح: ما ذهب إليه الجمهور، وهو الذي اختاره وصححه كثير من أئمة المالكية، وذلك:

أـ لقول عليّ رضي الله عنه: ” من اعتكف فلا يرفث في الحديث ولا يساب، ويشهد الجمعة والجنازة وليوصل أهله إذا كانت له حاجة وهو قائم لا يجلس عندهم” (5).

ب ـ لأنّ الاعتكاف مأذون في عموم المساجد لقوله تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين والألف واللام للاستغراق والعموم، فلزم من ذلك أن يخرج إلى مسجد الجمعة.

ج ـ أن من عليه الجمعة كان الخروج مما لا بد له منه، لأنه لا يتم له حضور صلاة الجمعة إلا بالخروج من معتكفه، فكان خروجاً للضرورة.

الحواشي

  1. راجع: تفسير القرطبي ج2 ص 219، المغني لابن قدامة ج3 ص 131- 132، بدائع الصنائع ج2 ص 114. الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 281 – 283. وسنن الترمذي ج3 ص 168 الحديث رقم 805، المصنف لابن أبي شيبة ج3 ص 88.
  2. تفسير القرطبي ج2 ص 219، تبيين المسالك ج2 ص191.
  3. المجموع شرح المهذب ج6 ص 501، تبيين المسالك ج2 ص 191.
  4. المصادر السابقة.
  5. أخرجه عبد الرزاق في مصنفه برقم 8049، وابن أبي شيبة برقم 9724. وانظر فقه الاعتكاف د. خالد المشيقح، ص 118، وص 152 – 154.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

عـــلاقة الاعتكاف برمضـــــان

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف

هل من شروط صحة الاعتكاف أن يكون في رمضان؟ وإلا فماذا يحرص المسلمون على الاعتكاف في رمضان وفي العشر الأواخر منه دائماً؟.

جواب فضيلة الشيخ

ليس من شروط صحة الاعتكاف أن يكون في رمضان، ويصح الاعتكاف في غير رمضان، وقد ثبت أنّ النبي ﷺ كما اعتكف غالباً في رمضان اعتكف في غير رمضان، ففي الصحيحين وغيرهما أنّ النبي ﷺ اعتكف مرة في العشر الأول من شوال (1). فدلّ أنه يجوز الاعتكاف في غير رمضان.

ولكن سبب حرص المسلمين في الاعتكاف في رمضان؛ اتفاق الأئمة وصالحي الأمة على أنّ أفضل الشهور للاعتكاف شهر رمضان، وأفضل أيامه العشر الأواخر منه. وفوق ذلك هناك علاقة حميمة بين رمضان والاعتكاف.

فالاعتكاف سنة من سنن الصوم يكتمل به مقصود الصيام، وتتوثق آثاره التي منها: تصفية مرآة العقل في المسلم الصائم، والتشبه بالملائكة الكرام في وقته، الذين لا يأكلون ولا يشربون ولا يقولون إلا خيراً ومعروفاً كما قال الله في وصفهم: آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين(2). فأتبع الشارع الحكيم تشريع استحباب الاعتكاف في آخر أيام الصيام الواجب في العشر الأواخر من رمضان ليكون الشبه تاماً بملائكة الرحمن في استغراق الأوقات بالعبادات، وحبس النفس عن الشهوات، وكف اللسان عما لا ينبغي، فكان الأليق بهذا الحال؛؛ لزوم أحبّ الأماكن إلى اللهآية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين والإقامة على أحب الأعمال إلى الله من العبادات والطاعات والأذكار، وحبس النفس عن كل ما لا يحبه الله من المحرمات والمكروهات.

بل إن الاعتكاف لِيَكْتَمِلَ به مقصودُ الصيام من تحصيل التقوى والتحقق بها؛ منع الشارعُ فيه ما كان مباحاً في غيره من نحو الخروج من المسجد بعد قضاء الصلوات انتشاراً في الأرض، ونحو كل ما لا حاجة إليه من دواعي الخروج، ومن نحو معاشرة الأزواج مما كان مباحاً في غير الاعتكاف، وذلك ليتحقق الحبس والملازمة على أكمل وجهٍ وأجمله.

ولذلك كان النبي ﷺ يعتكف في رمضان، وما مرّ رمضان برسول الله ﷺ إلا واعتكف فيه، بل إنه اعتكف رمضان كله متنقلاً بين العشر الأوائل إلى العشر الأواسط ثم صار اعتكاف العشر الأواخر من سننه المؤكدّة عليه الصلاة والسلام، ففي الصحيحين من حديث أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ في قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ عَلَى سُدَّتِهَا حَصِيرٌ – قَالَ – فَأَخَذَ الْحَصِيرَ بِيَدِهِ فَنَحَّاهَا فِى نَاحِيَةِ الْقُبَّةِ ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ فَكَلَّمَ النَّاسَ فَدَنَوْا مِنْهُ فَقَالَ « إِنِّى اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لي إِنَّهَا في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ »(3).

ولأنّ من مقاصد الاعتكاف الترصّد والتحرّي لالتماس ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر بخبر الله تعالى للنبي ﷺ وأمته، ولهذا نادى رسول الله ﷺ في العاكفين معه العشر الأوسط أن يواصلوا معه في اعتكاف العشر الأواخر لالتماس ليلة القدر فيها، فعَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه فَقُلْتُ: أَلاَ تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ نَتَحَدَّثْ! فَخَرَجَ، فَقُلْتُ: حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. قَالَ: « اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ. فَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ : إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ. فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ : ( مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلْيَرْجِعْ، فَإِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، وَإِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي وِتْرٍ، وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ)، وَكَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا، فَجَاءَتْ قَزْعَةٌ فَأُمْطِرْنَا، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالْمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَرْنَبَتِهِ تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ» (4).

ولهذا يحرص المسلمون على الاعتكاف في رمضان وفي العشر الأواخر منه في كل عام، تقبل الله منا جميعاً صالح أعمالنا.

الحواشي

  1. صحيح البخاري برقم 2033، صحيح مسلم برقم 2842، وسنن أبي داود برقم 2465، وموطأ مالك برقم 690.
  2. التحريم الآية 6.
  3. أخرجه البخاري برقم 813، ومسلم برقم 2828.
  4. أخرجه البخاري برقم 813 وبرقم 2018وبرقم 2027، ومسلم برقم 2828، وبرقم 2829، ومالك في الموطأ برقم 692 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

اعتــكاف المـــرأة فـي البيــت

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف

أنا فتاة لم أتزوج بعد، وتربيت على ألا أخرج إلا في الأمور الضرورية والمهمة، وكذلك لا أحب أن أخالط البنات ولا مجتمع النساء كثيراً، وأرغب بشدة في الاعتكاف، ولكني أرى أني لو اعتكفت في المسجد مع مجموعة البنات والنساء سيكثر الأنس والتحادث وسيضيع كثير من الوقت ولن أتمكن من الاختلاء بربي، وكذلك أخشى أن يظهر مني شيء وغير ذلك من الأسباب، وسمعت أنه يجوز الاعتكاف في البيت، فهل يمكنني أن أعتكف في البيت؟.

جواب فضيلة الشيخ

في جواز اعتكاف المرأة في البيت خلاف بين الفقهاء(1).

ذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا يصحّ الاعتكاف إلا في المسجد، فلا يجوز في البيت، لا للرجل ولا للمرأة.

واستدلوا لذلك بالكتاب والسنة.

فمن الكتاب قوله تعالىآية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين. فنصّ على مكان الاعتكاف، ومن لطيف ما يستدل به من الآية أن الله تعالى نهاهن عن المباشرة والجماع في حال الاعتكاف في المسجد، مع أنه لا يتصور أن يباشر أحدهم أو أن يجامع في المسجد، فدلّ ذلك أن الاعتكاف قربة خصت بالمساجد.

ومن السنة أنّ النبي ﷺ لم يثبت في صحيح ولا حسن ولا غيره أنه اعتكف في غير المسجد، وأنّ نساءه كن يعتكفن معه، فلم يأذن لإحداهن أن تعتكف في غير المسجد، فإنّ أزواج النبي ﷺ استأذنه في الاعتكاف في المسجد(2).

وقد نقل بعض أئمة العلم الإجماع على ذلك فقال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره : ” أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد لقوله تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (3).

وقال الحافظ الإمام ابن عبد البر في الاستذكار: ” وأجمعوا أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد لقوله تعالى تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (4).

وهذا الإجماع باعتبار أن المذهب الثاني ـ آتي الذكر ـ لا يخرج عن مدلول المساجد، فهو صحيح بهذا الاعتبار. وقد شذّ ابن لبابة رحمه الله فقال بجواز وصحة الاعتكاف في غير المسجد(5).

وذهب الحنفية وسفيان الثوري والشافعي في القديم كما حكاه الخراسانيون وبعض العراقيين من الشافعية(6): إلى أنّ المرأة يجوز لها أن تعتكف في أي مسجد ويجوز لها أن تعتكف في بيتها في المكان المخصص لصلاتها فيه ويصح اعتكافها، بل لها ذلك أفضل، وقد روى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: ” للمرأة أن تعتكف في مسجد الجماعة، وإنْ شاءت اعتكفت في مسجد بيتها، ومسجد بيتها أفضل لها من مسجد حيّها، ومسجد حيّها أفضل لها من المسجد الأعظم” (7).

ودليلهم على صحة اعتكاف المرأة في مسجد بيتها:

1ـ أنّ قوله تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين عام في كل المساجد، فيعمّ مسجد الجماعة والمسجد الجامع والمساجد الثلاثة وكذلك مسجد البيت، لأنه في معنى المسجد، إذ المسجد هو مكان الصلاة وموضعها، فالموضع التي تخصصه المرأة في بيتها لصلواتها يكون مسجداً.

2ـ أن الشرع أعطى مسجد بيتها حكم المسجد في حقها في حق الاعتكاف، لأن له حكم المسجد في حقها في حق الصلاة، حتى كانت صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في مسجد حيّها،(8) وقد قال ﷺ: «صَلاَةُ الْمَرْأَةِ فِى بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهَا فِى حُجْرَتِهَا وَصَلاَتُهَا فِى مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهَا فِى بَيْتِهَا »(9).

والراجح فيما نرى: أنّ كل قول من القولين له وجْهٌ شرعي يقبل الأخذ به، وعليه؛ نرى أنّ اعتكافها في المسجد أو في مصلاها في بيتها يكون بحسب الحال.

ـ ففي حالة أن يكون معها زوجها؛ فالاعتكاف لا يكون إلا في المسجد.

ـ وفي حالة أن يكون في المسجد موضعٌ مخصص كمصلى للنساء منفصل بجدار أو بستار ومعها جماعة نساء؛ فالأفضل أن تعتكف في المسجد كذلك.

ـ وفي حالة أن لا يوجد مصلَّى خاص بالنساء، ولا فاصل يفصل الرجال عنهن، ولا يكون معها نساء أخريات؛ فالأفضل أن تعتكف في مصلّى بيتها.

ـ وفي الحالة التي ذكرتْ الأخت الكريمة أنها تخشى إفساد اعتكافها بالمخالطة وكثرة المؤانسة وتقليل فرص التعبد والذكر والتلاوة، مع اجتهادها في اجتنابهن وعدم المخالطة بهن، يكون الأفضل في حقها وفي حق مثلها أن تعتكف في مصلَّى بيتها.

ـ وفي حالة أن لا يأذن لها زوجها بالخروج إلى المسجد والاعتكاف فيه؛ ويَسمح لها بالاعتكاف في مصلَّى بيتها، خيرٌ لها أن تعتكف فيه بدل أن لا تعتكف بتاتاً. والله تعالى أعلم.

الحواشي

  1. راجع: بداية المجتهد لابن رشد ج2 ص 203، المغني لابن قدامة ، ج3 ص 130، المجموع شرح المهذب ج6 ص 471 – 473 .
  2. سبق تخريج أخبار استئذان أمهات المؤمنين رضي الله عنهن رسول الله ♀ في الاعتكاف.
  3. تفسير القرطبي، ج2 ص 216 .
  4. الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 273 ، الفقرة 14816.
  5. راجع: بداية المجتهد لابن رشد الحفيد، ج2 ص 203 ، المقدمات الممهدات لابن رشد الجد، ج1 ص 256. والقوانين الفقهية لابن جزي الكلبي، ص 134.
  6. راجع: بدائع الصنائع ج2 ص 113، بداية المجتهد ج2 ص 203 ، المجموع شرح المهذب ج6 ص 472 . شرح مشكل الآثار، لأبي جعفر الطحاوي، ج12 ص 138 – 142 .
  7. بدائع الصنائع، ج2 ص 113 .
  8. راجع، بدائع الصنائع ج2 ص 113 .
  9. أخرجه أبو داود برقم 570 ، وابن خزيمة في صحيحه برقم 1688 وصححه الألباني، ومسند البزار برقم 2060.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

حكم اعتكاف المرأة

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف

زوجتي مُحبَّةٌ لفعل الخيرات وتكثر من النوافل، وتريد الاعتكاف في رمضان، وأنا غير مطمئن لصحة اعتكافها وظني أنه لا اعتكاف على النساء، وأن صيامها ومكوثها في بيتها خير لها لحديث: (صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها). فأرجو إفادتي بارك الله فيكم.

جواب فضيلة الشيخ

المرأة في الاعتكاف حكمها حكم الرجل في الاستحباب والسنية، وأنه يسن لها الاعتكاف كما يسنّ للرجل، وليس صحيحاً ما ظننت في حقها أنه لا اعتكاف للنساء، ولا عبرة بالظن البين خطؤه كما يقول الفقهاء في قواعدهم.

ودليل جواز الاعتكاف للنساء فعل زوجات النبي ﷺ أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن، فقد كنّ يعتكفن في مسجد رسول الله ﷺ معه وبعد وفاته عليه الصلاة والسلام، وهذا ثابت بما صح في البخاري من حديث أم المؤمنين عَائِشَةَ ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ، وَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ دَخَلَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ، فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ أَنْ تَعْتَكِفَ فَأَذِنَ لَهَا فَضَرَبَتْ فِيهِ قُبَّةً، فَسَمِعَتْ بِهَا حَفْصَةُ فَضَرَبَتْ قُبَّةً، وَسَمِعَتْ زَيْنَبُ بِهَا فَضَرَبَتْ قُبَّةً أُخْرَى، الحديث(1).

وفي السنن الكبرى للبيهقي من حديث عروة بن الزبير أن عائشة كانت تعتكف العشر الأواخر فلا تدخل بيتها إلا لحاجة الإنسان التي لا بدّ له منها(2).

وفيها أيضاً: عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ(3).

وفي سنن ابن ماجة عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ : اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ(4).

وفي هذا الكفاية على صحة اعتكاف النساء وأنه سنة في حقها كما هو سنة في حق الرجال.

وما قررناه من أنّ الاعتكاف سنة للمرأة كما هو سنة للرجل؛ هو قول جمهور أهل العلم، وقد استدلوا لذلك بجملة أدلة، منها :

1ـ عمومات أدلة مشروعية الاعتكاف من الكتاب والسنة.ومنها قوله تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (5) وهو عام في الرجال والنساء.

2ـ وبما سبق من أخبار إذن النبي ﷺ لأزواجه في الاعتكاف معه واعتكافهن من بعده رضوان الله عليهن.

3ـ وبالأخبار الدالة على أن نساء الصحابة رضوان الله عليهن كنّ يعتكفن في زمان رسول ﷺ الله فأقرّهن رسول الله ﷺ على ذلك. ومنه:

أ ـ ما رواه ابن بطة عن عائشة قالت في المعتكفات إذا حضن ، أمر رسول الله ﷺ بإخراجهن عن المسجد وأن يضربن الأخبية في رحبة المسجد حتى يطهرن. وقال: إسنادٌ جيد (6).

ب ـ خبر عكرمة مولى ابن عباس أن زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ كَانَتْ تَعْتَكِفُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِىَ تُهَرِيقُ الدَّمَ ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلاَةٍ (7).

ولم يخالف في جواز الاعتكاف للمرأة إلا القاضي من الحنابلة رحمة الله تعالى عليه، ولكنه لم يمنع كل النساء وإنما ذهب إلى كراهة اعتكاف المرأة الشابة(8). والحجة مع الجمهور، ولا معارض معه لما استدلوا به.

والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. أخرجه البخاري في صحيحه برقم 2041. وابن حبان في صحيحه برقم 3667 .
  2. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 3325 .
  3. البيهقي في السنن الكبرى برقم 3324 .
  4. سنن ابن ماجة برقم 1780 .
  5. (1) البقرة 125
  6. انظر: الفروع لابن مفلح ج3 ص 176، وقال : ورواه أبو حفص العكبري أيضاً، ونقله يعقوب بن بختان عن أحمد وقال أحمد: النبي ♀ أمر أن تضرب قبة في رحبة المسجد.. قال صاحب المحرر: وهذا من أحمد دليل على ثبوت الخبر عنده. اهـ.
  7. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 1716 .
  8. راجعه في شرح العمدة، ج2 ص 748، فقه الاعتكاف د. خالد المشيقح، ص 39ـ40.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

اعتكاف العاملين والموظفين

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية الاعتكاف

أنا موظف في إحدى الشركات، وحاولت كثيراً أن آخذ إجازتي حتى أتمكن من الاعتكاف في العشر الأواخر، ولكني عجزت عن ذلك، وأرغب بشدة في الاعتكاف، دلوني جزاكم الله خيراً على طريقة شرعية أتمكن بها على الاعتكاف في رمضان؟.

جواب فضيلة الشيخ

الأصل الواجب أن يكون الاعتكاف في المسجد، وقد جعل أكثر الفقهاء المسجد من شروط صحة الاعتكاف على خلاف في المسجد الذي يصح فيه، وذلك لقوله آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (1)فنصّ على أن الاعتكاف يكون في المساجد.

ولذلك لا يصلح أن يعتكف الموظف في المكتب أو في مكان عمله عموماً، لأنه يكون مخالفاً بأمرين:

أولهما: أنه لن يكون قد اعتكف في المسجد ، فلم يحقق شرطه فلا يصح اعتكافه.

وثانيهما: أنه سيترك عمله في وقت دوامه الرسمي لغير مصلحة العمل وصاحب العمل، وهذا الوقت وأداء العمل فيه هو حقّ صاحب العمل، وهو من حقوق الآدميين، وحقوق الآدميين مقدّمة على حقوق الله، لأنّ حقوقهم على المشاحة، وحقوق الله على المسامحة، فيأثم بذلك وهو يبحث بالاعتكاف عن الثواب.

والذي ننصح به الإخوة العاملين والموظفين الذين يعجزون عن التفرغ للاعتكاف: أنه متى ما عاد من عمله جاز له أن يدخل في الاعتكاف في المسجد الذي يرغب فيه بنية يعقدها، لمدة يقدرها حسب ظروف عمله وظروفه كل ليلة من ليالي العشر، أو من صلاة العصر إلى طلوع الفجر، أو أكثر أو أقل، فإنّ بعض السلف رضوان الله تعالى عليهم كانوا يعتكفون الساعة والساعتين.

فعن عطاء بن أبي رباح رحمه الله أنّ يعلى بن أمية رضي الله عنه ـ وهو من أصحاب رسول الله ﷺ ـ كان يقعد في المسجد الساعة فينوي بها الاعتكاف(2).

وروى ابن جريج رحمه الله أن يعلى بن أمية رضي الله عنه كان يقول لصاحبه: ” انطلق بنا إلى المسجد فنعتكف فيه ساعة” (3).

وهذا الذي عليه الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة رحمهم الله تعالى:

ـ فهو قول محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وظاهر رواية الإمام أبي حنيفة وهو المفتى به في المذهب الحنفي كما ذكر صاحب الدر المختار فقال: ” وأقله نفلاً ساعة من ليل أو نهار عند محمد وهو ظاهر الرواية عن الإمام لبناء النفل على المسامحة وبه يفتى، والساعة في عرف الفقهاء جزء من الزمان لا جزء من أربعة وعشرين. “اهـ(4).

ـ وهو المنصوص عن الشافعي والأئمة وقد قال الإمام النووي رحمه الله في المجموع يشرح قول المهذب: ” ويجوز أن يعتكف ما شاء من ساعة ويوم وشهر”. فقال النووي: ” وهو الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه يشترط لبث في المسجد وأنه يجوز الكثير منه والقليل حتى ساعة أو لحظة”(5).

ـ ومن أئمة الحنابلة قال ابن قدامة رحمه الله في المغني: ” وإنْ كان اعتكافه مدة غير وقت الصلاة كليلة أو بعض يوم جاز..” (6).

وقال المرداوي رحمه الله في الإنصاف: ” فعلى المذهب: أقله ـ إذا كان تطوعاً أو نذراً مطلقاً ـ ما يسمَّى به معتكفاً لابثاً، قال في الفروع: وظاهره ولو لحظة، وفي كلام جماعة من الأصحاب: أقله ساعة لا لحظة.”(7).

والمالكية وإن كانوا على خلاف ذلك إذ أقل الاعتكاف عندهم يومٌ وليلة، ولا يصح اعتكاف أقل من يوم، ولكن عندهم بديل يصلح أيضاً للعاملين والموظفين ومن في حكمهم ممن لا يقدر على الاعتكاف الأيام والليالي، وهو الجوار.

والجوار شبيه بالاعتكاف لأنه يكون بالإقامة في المسجد بنية العبادة، والفرق بين الجوار والاعتكاف عندهم أن الاعتكاف يلزمه فيه الصيام والجوار لا يلزمه الصيام(8)، فإن جلس في المسجد ما شاء له أن يجلس بنية الجوار؛ نال الأجر والثواب بفضل الله وكرمه.

فطالما كان اعتكافك أو جوارك في المسجد، وقد عقدت به النية؛ فالمدة التي تمكثها فيها سعة عند أهل الفقه، والحمد لله الذي هدانا لهذا الدين ويسّره لنا.

الحواشي

  1. سورة البقرة الآية187.
  2. حلية الأولياء لأبي نعيم، ج3 ص 312، وانظر: حياة الصحابة ج3 ص 94.
  3. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم 9745، ج3 ص 89 – 90.
  4. الدر المختار مع رد المحتار (حاشية ابن عابدين) ج2 ص 131. وانظر: الاختيار لتعليل المختار ج1 ص 177 وقد فرق الحنفية بين الاعتكاف الواجب فلا يجوز أقل من يوم، وبين النفل منه فيجوز ساعة من زمان، أي لحظة أو دقيقة أو أكثر، فلا حد لمدة اعتكاف النفل.
  5. المجموع شرح المهذب للإمام النووي، ج6 ص 479 – 480 .
  6. المغني مع الشرح الكبير ج3 ص 129.الفقرة 2152.
  7. الإنصاف، ج3 ص 359.
  8. راجع: مدونة الفقه المالكي وأدلته ، للغرياني، ج1 ص 660 – 661 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

قضــاء التــراويــح

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح

كنت مرهقاً يوماً في نهار رمضان، فصليت العشاء وعدت للبيت بنية أن أصلي التراويح بالليل بعد أن آخذ قسطاً من الراحة، فلم أشعر بنفسي إلا والمؤذن ينادي لصلاة الفجر، فهل يجوز لي أن أقضي التراويح بالنهار؟.

جواب فضيلة الشيخ

الفقهاء في قضاء التراويح على ثلاثة أقوال(1):

القول الأول: أنه يستحب قضاؤها، وهو الصحيح من مذهب الشافعية، وبه قال المزني وأحمد في رواية عنه.

والقول الثاني: أنه يكره قضاؤها، وبه قال أبو حنيفة ومالك في الأشهر عنه والشافعي في القديم.

والقول الثالث: أنه يجوز قضاؤها منفرداً ما لم يدخل وقت تراويح أخرى، وقيل ما لم يمض الشهر، وهذا قول بعض الحنفية.

والراجح فيما يظهر، القول بجواز القضاء من خمسة وجوه:

الوجه الأول: أنها سنة في رتبة الوتر وركعتي الفجر، وقد أرشد النبي ﷺ بقضائهما، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النّبي ﷺ قال: ( من لم يصلّ ركعتي الفجر حتى تطلع الشمس فليصلهما)(2). وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنّ النّبي ﷺ قال: ( من نام عن وتره أو نسيه فليصلّه إذا ذكره)(3). وعند الترمذي وابن ماجة والبيهقي والحاكم وغيرهم: ( من نام عن وتره فليصل إذا أصبح )(4). وكان ابن عمر يقضيهما من الضحى(5).

الوجه الثاني: أنّ النبي ﷺقضى ركعتين بعد العصر حين انشغل عنهما من بعد الظهر مع وفد عبد القيس، فقال ﷺ لما سألته أم سلمة عنهما: ( إنّه أتاني ناسٌ من عبد القيس بالإسلام من قومهم، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان)(6). وهي سنة من السنن الراتبة، والتراويح كذلك، فاستويا في الحكم.

الوجه الثالث: حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِىِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَىْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَصَلاَةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ»(7).

والدلالة واضحة على المطلوب ، وهي دعوة النبي ﷺ الناس أنْ يقضوا نوافلهم التي فاتتهم بسبب ما .

الوجه الرابع: قوله آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (8) قال عمر بن الخطاب وابن عباس والحسن: “معناه من فاته شيء من الخير بالليل أدركه بالنهار، ومن فاته بالنهار أدركه بالليل”(9).

الوجه الخامس: أنّ الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يقضون ما فاتهم بالليل أثناء النهار:

ـ اسْتَأْذَنَ رجلٌ عَلَى عُمَرَ رضي الله عنه بِالْهَاجِرَةِ، فَحَجَبَهُ طَوِيلاً، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ، فَقَالَ:”إنِّي كُنْتُ نِمْتُ عَنْ حِزْبِي، فَكُنْت أَقْضِيهِ”.

ـ وقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: “مَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ حِزْبِهِ، فَصَلاَّهُ ارْتِفَاعَ النَّهَارِ، فَكَأَنَّمَا صَلاَّهُ بِاللَّيْلِ”.

ـ وعَنِ الْقَاسِمِ رحمه الله، قَالَ: “كُنَّا نَأْتِي عَائِشَةَ قَبْلَ صَلاَةِ الْفَجْرِ، فَأَتَيْنَاهَا ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا هِيَ تُصَلِّي، فَقَالَتْ : “نِمْت عَنْ حِزْبِي فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَلَمْ أَكُنْ لأَدَعَهُ”.

وقال أَبِو سَلَمَةَ رضي الله عنه: “مَنْ فَاتَهُ جُزْؤُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَقَضَاهُ قَبْلَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ”(10). فدلّ كل ذلك على أنّ القضاء هو الأولى.

والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. راجع المسألة في : المجموع شرح المهذب ج4 ص 43، المغني لابن قدامة ، ج1 ص 793-795، حاشية ابن عابدين، ج1 ص 775، والبحر الرائق ج2 ص 316..
  2. أخرجه الترمذي برقم 423، والحاكم في المستدرك ج1ص 274 وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وقال النووي في المجموع (4/45) رواه البيهقي بإسناد جيد.
  3. أخرجه أبو داود برقم 3143، وحسن النووي إسناده في المجموع (4/45).
  4. أخرجه الترمذي برقم 466، وابن ماجة برقم 1188، والدارقطني برقم 1637، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 4711، والحاكم في المستدرك برقم 1127، وصحح الحاكم إسناده على شرط الشيخين ووافقه الذهبي (1/443).
  5. المغني ، ج1 ص 794.
  6. أخرجه الشيخان في صحيحيهما، البخاري برقم 1233، ومسلم برقم 1970.
  7. أخرجه مسلم برقم 1779، وأبو داود برقم 1315.
  8. سورة الفرقان الآية 62.
  9. تفسير القرطبي ، للآية ، ج13 ص 66 ، مؤسسة مناهل العرفان بيروت، توزيع مكتبة الغزالي.
  10. مصنف ابن أبي شيبة، ج2 ص 71، بالأرقام: من 4817 ـ 4820.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

صــلاة التـراويح قيامــاً وجلوسـاً

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية صلاة التراويح

بعض الناس يصلي التراويح فحين يشعر بالتعب والمشقة يجلس في أول الركعة فإذا أتم الإمام القراءة أو أوشك أن يتم يقف قائماً فيركع ويسجد معه فإذا قام الإمام بقي جالساً الركعة الثانية ثم يقوم إذا أوشك الإمام من الانتهاء من القراءة فيركع معه ويسجد ويسلم، وهكذا يفعل في كثير من الركعات، هل هذا يصح شرعاً؟.

جواب فضيلة الشيخ

في المسألة ثلاثة أقوال(1):

القول الأول: جواز الركعة الواحدة بعضها من قيام وبعضها من قعود، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وعامة الفقهاء، وسواء قام ثم قعد أو قعد ثم قام.

القول الثاني: منع القعود بعد القيام والقيام بعد القعود، وهو محكي عن بعض السلف، قال الشيخ صديق حسن خان: وهو غلط.

القول الثالث: كراهة القعود بعد القيام والقيام بعد القعود، حكاه القاضي عياض عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني صاحبي أبي حنيفة. ففي الخانية: يُكره للمقتدي أن يقعد في التراويح فإذا أراد الإمام أن يركع يقوم لأن فيه إظهار التكاسل في الصلاة والتشبه بالمنافقين قال تعالىآية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (2) “.. قالوا: “إذا لم يكن لكسل بل لكبر ونحوه لا يكره”(3).

والراجح قول الجمهور بصحة هذه الصلاة وجواز القيام بعد القعود والقعود بعد القيام، فتصح صلاة التراويح لمن جمع بين القيام والجلوس ، يجلس حيناً إذا شعر بالتعب والإرهاق والمشقة، ثم إذا أتم الإمام القراءة من الركعة قام فركع معه وسجد، والدليل عليه أمران:

الأمر الأول: أن صلاة التراويح من النوافل والتطوعات التي يجوز أداؤها قياماً وقعوداً ولو من غير حاجة أو من غير تعب أو مشقة، فلا حرج في صلاة النافلة جلوساً ولو لم يشقّ عليه القيام، بخلاف صلاة الفريضة، فإنها لا تجوز من قعود إلا لصاحب العذر، ففي صحيح البخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: “كانت بي بواسير فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: ( صَلِّ قَائِماً فإنْ لمْ تستطعْ فقاعداً فإنْ لم تستطع فعلى جنب)(4).

الأمر الثاني: أنّ ذلك من فعله الشريف عليه الصلاة والسلام، فقد صحّ عن رسول الله ﷺأنه كان يفعل ذلك في صلاة الليل كما في حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: سَأَلْتُ أمنا وسيدتنا عَائِشَةَ عَنْ صَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَطَوُّعِهِ، فَقَالَتْ: “كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّى بِالنَّاسِ ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّى بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، وَيُصَلِّى بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ وَيَدْخُلُ بَيْتِى فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ فِيهِنَّ الْوِتْرُ، وَكَانَ يُصَلِّى لَيْلاً طَوِيلاً قَائِمًا، وَلَيْلاً طَوِيلاً قَاعِدًا، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَإِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَكَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ”(5).

وكما أخبرت عنه السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: ” ما رأيت رسول الله ﷺيقرأ في شيء من صلاته جالساً، حتى إذا كَبِر قرأ جالساً، حتى إذا بقي عليه من السورة ثلاثون أو أربعون آية قام فقرأهن ثم ركع”(6).

ومع ذلك نلاحظ أن بعض المصلين لا يبدأ مع الإمام بل ينتظر قرب ركوعه للدخول معه، لكنه في فترة جلوسه ينشغل بغير الصلاة ولا يحرم للصلاة بل يتكلم مع إخوانه وربما تآنسوا وضحكوا، ثم إذا أوشك الإمام من الركوع أو ركع؛ أسرع بالدخول مع الإمام، وقد يفعل ذلك مراراً ربما في كل ركعتين، فهذا ليس داخلاً في الصورة المسؤول عنها، بل أقلّ أحوال هذا الفعل الكراهة، وصاحبه مسيءٌ لم يراع حرمة المسجد ولا حرمة الصلاة ولا حرمة المصلين وشوش عليهم صلاتهم، وعلى المصلين أن ينكروا على أمثاله وينهوه عن هذا السلوك المشين. والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. انظر: السراج الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ، ج3 ص 63.
  2. سورة النساء الآية 142.
  3. انظر: حاشية ابن عابدين ج1 ص 475.
  4. أخرجه البخاري برقم 1117.
  5. أخرجه مسلم في صحيحه برقم 1733.
  6. صحيح مسلم باب صلاة الليل قائما وقاعدا .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

دفع زكاة الفطر للجان أو لديوان الزكاة

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر

نحن مهاجرون في بعض البلاد العربية وحين يقبل العيد بخيره يخرج الجميع عندنا زكاة فطرهم ، ولا نجد من نعرفهم من الفقراء والمساكين حتى نعطيهم ، وغالباً ما يتوجه الجميع بزكاتهم إلى فقير أو فقيرين معروفين، ويبقى بقية الفقراء في حاجتهم وفقرهم ، وعندنا في الجالية بعض اللجان الخدمية التي ترعى شؤوننا في المهجر ، فهل يجوز لنا أن نجمع زكاة الفطر وندفعها للجان حتى تتولى توزيعها بمعرفتها للمحتاجين بيننا ؟ أم نجمعها ونرسلها لديوان الزكاة ؟ أم يقوم بتوزيعها كل واحد عن نفسه بمعرفته فنصيب أحياناً ونخطئ أحياناً ؟.

جواب فضيلة الشيخ

جرى عمل المسلمين في التاريخ المعروف على أن يتولى صاحب زكاة الفطر توزيعها بنفسه، ولا يطالب بتقديمها لولي الأمر ( مسؤول الزكاة )، وهذا الحال مستمر إلى يومنا هذا. ولكن عند التحقيق نجد أنّ الذي عمل المسلمين غير موافق لما كان عليه العمل في عهد الرسالة والخلافة الراشدة. فإنّ الذي كان في تلك القرون الخيرة أن يتوجه الناس بفطرة رمضان إلى من تجمع عنده زكاة الفطر في كل عام، فيدفعونها إليه ومن ثَمَّ يقوم ولي الأمر بتوزيعها للفقراء ، وقد كان رسول الله ﷺ يقوم بتوزيعها على الفقراء.

والدليل على ذلك ثلاثة أمور:

[1] أن النبي ﷺ كان يكلّف من يقوم بحفظ زكاة الفطر ، والصحابة يعرفونه فيدفعون إليه بزكاة فطرهم ، وهذا دليل على أن زكاة الفطر تجمع من الناس في مكان جامع ، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ” وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان ، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت : والله لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال : إني محتاج، وعليّ عيال، ولي حاجة شديدة . قال : فخليت عنه . فأصبحت، فقال النبي ﷺ : ( يا أبا هريرة ! ما فعل أسيرك البارحة ؟ ) قال : قلت: يا رسول الله ! شكا حاجة شديدة وعيالاً ، فرحمته فخليت سبيله . قال: ( أما إنه قد كذبك ، وسيعود ) فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله ﷺ إنه سيعود ، فرصدته ، فجعل يحثو من الطعام ، فأخذته فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ . قال: دعني فإني محتاج وعليّ عيال ، لا أعود ، فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت ، فقال لي رسول الله ﷺ: ( يا أبا هريرة ! ما فعل أسيرك ؟ ) قلت : يا رسول الله ! شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته فخليت سبيله . قال : ( أما إنه قد كذبك ، وسيعود) فرصدته الثالثة، فجعل يحثو من الطعام ، فأخذته فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ وهذا آخر ثلاث مرات، إنك تزعم لا تعود ثم تعود . قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها . قلت : ما هنّ ؟ قال : إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين(1)حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح”. فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ: (ما فعل أسيرك البارحة ؟ ) قلت: يا رسول الله! زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله . قال : ( ما هي ؟ ) قلت : قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية وقال لي : لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح . فقال النبي ﷺ : (أما إنه قد صدقك وهو كذوب. تعلم من تخاطب مذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ قال: لا. قال:(ذاك شيطان)(2).

فثبت أن أمر زكاة الفطر كان أمراً جماعياً ولم يكن أمراً خاصاً يقوم بأدائها وتوزيعها كل واحد بطريقته .

[2] وممّا يؤكّد أن زكاة الفطر كانت تجمع ويتولّى جمعها من يكلّف بها، أنّ ذلك كان هو الحال الذي استقر عليه أمر الصحابة رضوان الله عليهم، فقد روى نافع عن ابن عمر : “أنه كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تُجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة ” (3).

وهذا يعني: أنهم ما كانوا يقومون بتوزيعها وتقسيمها بأنفسهم ، وإنما كان يقوم بتقسيمها من يتولّى أمرها فيهم .

[3] كانت السنة الماضية على عهد رسول الله ﷺ وصحابته الكرام هي أن زكاة الفطر يقوم بجمعها وتقسيمها الإمام والوالي ، وما يؤكد ذلك حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الذي أخرجه ابن مردويه : ” أن رسول الله ﷺ كان يقسم الفطرة قبل أن يغدو إلى المصلّى يوم الفطر”(4).

إذنْ: الأوْلَى والموافق لما كان عليه أمر المسلمين في عصر النبوة أن يقوم بتقسيم زكاة الفطر ولي الأمر بأية درجة كان ، لا أن يقسمها كل مخرج للزكاة بنفسه .

فقط كان الفرق بين زكاة الفطر وزكاة المال أنه ما كان يُبعث لزكاة الفطر السعاة ، وإنما كان الناس يبعثون بزكاة الفطر إلى من تجمع عنده بأنفسهم.

ولهذا فيصحّ أن تدفع زكاة الفطر للجان الخدمية لمعرفتها بفقراء البلدة أو الحي أو الجهة ، فيقومون بتقسيمها عليهم ، مراعين أحوال الفقراء فيهم ، ودرجة حاجتهم وفقرهم ، وما يلزمهم من الديون والحقوق للغير ونحو ذلك، فيُحقق العدل في التقسيم بدل أن تتكدس أموال زكاة الفطر في يد فقير واحد بينما يدوم معاناة أمثاله الآخرين.

والله تعالى أعلم .

الحواشي

  1. البقرة 255.
  2. البخاري كتاب الوكالة باب إذا وكل رجلاً فترك شيئاً فأجازه الموكل فهو جائز ، برقم 2311 ، ج4 ص 568 ـ 569 ، بفتح الباري ، وفي كتاب فضائل القرآن ، باب فضل سورة البقرة مختصراً ، برقم 5010 ، ج8 ص 672 بفتح الباري .
  3. أخرجه مالك في الموطأ ، كتاب الزكاة باب وقت إرسال زكاة الفطر ، ج1 ص 285 .
  4. فتح القدير للشوكاني ، ج5 ص 518 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الاستدانة لزكاة الفطر

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية زكاة الفطر

بحمد الله تعالى صمت رمضان هذا العام بأفضل حال ، وأحب أنْ استكمل الأمر بأفضل حال ، ولهذا ؛ فأنا حريص جداً أن أخرج زكاة الفطر، ولكن ليس عندي ما يمكنني من إخراج زكاة الفطر عن نفسي وعن أهلي وأولادي . فهل أستدين قيمة الزكاة لأخرجها ؟.

جواب فضيلة الشيخ

لا تجب زكاة الفطر على الصائم إلاّ بشرط أن يفضل عنده قوته وقت من يعول ليلة العيد ويومه ، فإنْ فضل شيء بعد ذلك وجب عليه إخراج زكاة الفطر وإلاّ فلا تجب عليه . وقال ابن المنذر : ” وأجمعوا على أن من لا شيء له فلا فطرة عليه “(1).

أما أن يستدين لدفع زكاة الفطر ؛ فهذا لا يجب عليه ، ولكن يستحب له في حالة ولا يستحب له في الأخرى .

أما الحالة التي يستحب له أن يستدين لزكاة الفطر : أن يغلب على ظنه أنه سيقدر على قضاء ما يستدينه إما من راتبه الشهري على أقساط يرضى بها من يقرضه ، أو لمال مستفاد عنده قريباً أو في أجل معروف، ونحو ذلك ، وإنْ كان متيقناً بقضاء دينه فذلك أولى، ولعله يدخل في الذين قال الله فيهم آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (2).

وإنْ كان الدين المؤجل لا يسقط الوجوب ـ كما رأينا من قبل ـ فهذه الحالة من الدين المؤجل ، لأن الدين المؤجل يمكن أن يكون ديناً سابقاً ويمكن أن يكون ديناً مستأنفاً نشأ لأجل الفطرة.

وأما الحالة التي لا يستحب له أن يستدين لزكاة الفطر : أن يظن أو يتيقن عدم قدرته على قضاء ما يستدينه ، ففي هذه الحالة لا يستدين من أجل إخراج زكاة الفطر . والله تعالى أعلم .

الحواشي

  1. المجموع للنووي ، ج6 ص89 .
  2. سورة آل عمران ، 134 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن

لديك مسألةٌ تُشكل عليك؟ استفتِ الشيخ

اكتب سؤالك وسيصل مباشرةً إلى مكتب فضيلة الشيخ، ويصلك الجواب على بريدك.

الردّ خلال ٣–٧ أيام بياناتك محفوظة ولا تُنشر ١١٣ فتوى منشورة
استفتِ الشيخ
فتوى مختارة

حكـم صـلاة التـراويح

بعض الناس في شهر رمضان يهتم بصلاة التراويح أكثر من الصلوات الخمس، ويهمل بعض الأوقات من الصلوات المكتوبة ويتساهل في البعض الآخر فيدخل الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء مثلاً، وأحياناً يتكاسل عن صلاة الفجر؛ ومع ذلك تجده يهتم بشدة بأداء صلاة التراويح مع الجماعة في…

اقرأ الجواب