الخميس 8 أكتوبر 2026م
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ

الرئيسية ← الفتاوى

الفتــاوى

فتاوى فضيلة الشيخ في العبادات والمعاملات المالية والنوازل المعاصرة — ولمن أراد أن يسأل، فباب الاستفتاء مفتوح.

س

الصيام والإفطار الجماعي

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية التطوع

نحن جماعةُ شبابٍ من الأصدقاء، رأينا أننا لو اتخذنا بعض البرامج التي تشجعنا على الطاعة والعبادة والذكر سيكون خيراً لنا في التعوّد على بعض العبادات، فكنا نتفق أن نصوم ونفطر جماعة كلّ اثنين أو كلّ خميس، وفي بعض المناسبات الأخرى كالعشر الأوائل من ذي الحجة، وعاشوراء، فأنكر علينا بعضهم بأنّ هذا الصيام والإفطار الجماعي بدعةٌ في الدين. فهل مثل هذا الصيام والإفطار الجماعي بدعةٌ محرمة؟ أفيدونا يرحمكم الله!.

جواب فضيلة الشيخ

أولاً: البدعة لا تتحقق إلا إذا كانت في أمر عقديّ أو تعبّديّ منقطع عن أصل شرعي، والأصل الشرعي قد يكون دليلاً صريحاً، وقد يكون قياساً صحيحاً ، أو قد يكون تخريجاً مقبولاً على شبيهٍ أو نظير في الفقه، وقد يكون مما له وجهٌ شرعيٌّ أقر مثله أئمة الدين من العلماء المهديين.

والصيام الإفطار الجماعي في غير رمضان، له من الأصول والوجوه الشرعية التي تحررها وتخرجها من حظيرة البدعة الممنوعة إلى ساحة الأمور والأفعال المشروعة، ومن ذلك:

1ـ أنّ الصيام والإفطار الجماعي من قبيل الجماعة في النوافل، والاجتماع على فعل النوافل وأدائها جائزٌ..

فنوافل الحجّ لا تؤدّى إلا جماعةً لاتحاد المناسك وترتيبها في الوقت .

ونوافل الصلاة جاز أداؤها جماعة، وقد قال مالك رحمه الله: « لا بأس بصلاة النافلة في جماعة ليلا أو نهاراً » (1). وفي تهذيب المدونة للبراذعي: «وجائز صلاة النافلة في جماعة ليلاً أو نهاراً، ويجمعها الرجل بأهل بيته وغيرهم»(2).

واجتماع جماعة لقراءة القرآن يقرأ أحدهم يتلوه غيره فيتناوبون، لا بأس به (3). وفي صحيح مسلم في باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ : (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ) (4).

والاجتماع للذكر جائز بل مستحب، وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج معاوية رضي الله عنه على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمةً لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله ﷺ أقلّ عنه حديثاً منى، وإن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه فقال: ( ما أجلسكم؟ ). قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا. قال: ( آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ ). قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: ( أما إني لم أستحلفكم تهمةً لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أنّ الله عزّ وجلّ يباهي بكم الملائكة) (5).

ونوافل الصوم مثلها جاز الاجتماع فيها والتعاهد عليها.

2ـ ورد عن النبي ﷺ بفعله جواز الجماعة في النافلة.

ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّ جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعامٍ صنعته، فأكل منه ثم قال: ( قوموا فأصلي لكم ). قال أنس بن مالك: «فقمتُ إلى حصيرٍ لنا قد اسودَّ من طول ما لبس، فنضحته بماءٍ، فقام عليه رسول الله ﷺ، وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين ثم انصرف »(6).

وعند ابن حبان، قال أنس رضي الله عنه : صلى بنا رسول الله ﷺ على بساطٍ، فأقامني عن يمينه، وقامت أم سليم وأم حرام خلفنا(7).

وعند أبي داود سنن أبي داود عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ دخل على أم حرام فأتوه بسمن وتمر فقال: (ردوا هذا في وعائه وهذا في سقائه، فإنى صائم). ثم قام فصلى بنا ركعتين تطوعاً، فقامت أم سليم وأم حرام خلفنا » (8).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: « بِتُّ عِنْدَ خَالَتِى مَيْمُونَةَ فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ أُصَلِّي مَعَهُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ ، فَأَخَذَ بِرَأْسِي فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ » (9).

قال البيهقي بعد أن روايته لهذا الخبر: « وقد روينا في قيام شهر رمضان عن عائشة وغيرها ما دلّ على جواز النافلة بالجماعة، وعن أبى ذر عن النبي ﷺ ما دلَّ على استحبابها. وعن ابن مسعود وحذيفة في قيامهما مع النبي ﷺ ما دلَّ على ذلك. وروينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من فعله ما دلَّ على ذلك وبالله التوفيق »(10).

فكلّ هذا من الأصول الدالّة على جواز الاجتماع على الطاعات والعبادات، ومنها الصيام والإفطار الجماعي.

ثانياً: غير أنّ هذا الجواز مشروط بشرطين:

الشرط الأول: أنْ لا يتخذوا ذلك عادةً راتبةً، بحيث لا يصومون هذه النوافل إلا جماعة، التزاماً وتخصيصاً للنافلة بالزمان والاجتماع، فهذا الترتيب يجعل النافلة كالفريضة أو السنة المؤكدة التي لا تؤدَّى إلاّ بالجماعة، كصلاة التراويح والعيدين وصلاة الكسوف ونحوها،وفي هذا تبديل وتغيير لها عن حقيقتها(11).

الشرط الثاني: أنْ لا تكون الجماعة المنتظمة لهذه النافلة كبيرة، كالتزام أهل بلدة كلهم، أو أهل حيّ جميعهم بذلك، فهذا يجعل النافلة شبيهة بالواجبات ملحقة بها، كما يفعل كثير من أهل البلاد الإسلامية في صيام الست من شوال ونحوه. إذ الأصل في النوافل التخفّي وعدم الإشهار، بخلاف العبادات الواجبة والسنن المؤكدة التي جعلت من الشعائر الظاهرة(12).

أقضية زكاة الفطرأقضية زكاة الفطرأقضية زكاة الفطرأقضية زكاة الفطر

أقضية

زكاة الفطر

أقضية

زكاة الفطر

الحواشي

  1. التاج والإكليل،ج2 ص 109.
  2. التهذيب في اختصار المدونة ، لأبي سعيد البراذعي، ص 101.
  3. حاشية الدسوقي ج3 ص 163.
  4. صحيح مسلم برقم 7028 .
  5. أخرجه مسلم في صحيحه برقم 7032 .
  6. صحيح مسلم باب جواز الجماعة في النوافلة، برقم 1531.
  7. ابن حبان في صحيحه برقم 2207، وقال شعيب الأرناؤوط (ج5 ص 584): حديث صحيح. إسناده ضعيف. عمر بن موسى الحادي: ذكره المؤلف في “ثقاته” 8/445-446، وقال: ربما أخطأ، وقال ابن عدي في “الكامل” 5/1710: ضعيف يسرق الحديث، ويخالف في الأسانيد، وقال ابن نقطة في “الاستدراك” 1/96/2: بصري يعد في الضعفاء. ولم ينفرد به، فقد تابعه عليه موسى بن إسماعيل عند أبي داود “608” في الصلاة: باب الرجلين يؤم أحدهما صاحبه كيف يقومان، عن حماد، به. وهذا سند صحيح. وأخرجه الطيالسي “2027” ، ومن طريقه أبو عوانة 2/76، 77، وأخرجه مسلم “660” في المساجد: باب جواز الجماعة في النافلة، من طريق هاشم بن القاسم، والنسائي 2/86 في الإمامة: باب إذا كانوا رجلين وامرأتين، من طريق عبد الله بن المبارك، ثلاثتهم عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، به.
  8. سنن أبي داود برقم 608.
  9. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ، برقم 5124.
  10. السنن الكبرى للبيهقي ج3 ص 54 .
  11. قال ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (23/132 ـ 134): ” الاجتماع على الطاعات والعبادات نوعان: أحدهما : سنة راتبة ، إما واجب وإما مستحب ، كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين وصلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح ، فهذا سنة راتبة ينبغي المحافظة عليها والمداومة .والثاني : ما ليس بسنة راتبة مثل الاجتماع لصلاة تطوع مثل قيام الليل ، أو على قراءة قرآن ، أو ذكر الله ، أو دعاء ، فهذا لا بأس به إذا لم يُتَّخَذ عادة راتبة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى التطوع في جماعة أحيانا ولم يُداوم عليه إلا ما ذُكِر ، وكان أصحابه إذا اجتمعوا أمَرُوا واحدا منهم أن يقرأ والباقي يستمعون … فلو أن قوما اجتمعوا بعض الليالي على صلاة تطوّع من غير أن يتّخِذوا ذلك عادة راتبة تُشبِه السنة الراتبة لم يُكره لكن اتخاذه عادة دائرة بدوران الأوقات مكروه لما فيه من تغيير الشريعة وتشبيه غير المشروع بالمشروع ، ولو ساغ ذلك لساغ أن يُعمل صلاة أخرى وقت الضحى ، أو بين الظهر والعصر ، أو تراويح في شعبان..” اهـ المراد نقله.
  12. يراجع: الموافقات للشاطبي ج3 ص 264 ـ267.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

صوم التطوع المضعف عن العمل والعبادة

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية التطوع

معنا في العمل أخٌ فاضل وعابد، كثير الصوم، فهو يصوم الاثنين والخميس غالباً، ويصوم الأيام البيض وغير ذلك، ولكنه عندما يكون صائماً يظهر عليه التعب الشديد، وغالباً يعتذر عن أداء أعماله الموكلة إليه، ثم إما يكون نائماً أو مستريحاً ولا يؤدي عمله كما هو مطلوب، هل صوم التطوع الذي يسبّب عدم أداء العمل صحيح؟ أفيدونا نفع الله بكم.

جواب فضيلة الشيخ

يجب أن يعرف هذا الأخ الفاضل أنّ عمله في وظيفته التي يشغلها واجب عليه أداؤه بالوجه المطلوب، دون تأخير شيء منه أو تأجيله أو التباطئ فيه، بينما صيام الاثنين والخميس والأيام البيض صيام تطوع لا يجب عليه، فصار حاله متعارضاً بين العمل الواجب عليه وبين الصيام غير الواجب عليه، والقاعدة أنّ الواجب لا يُترك إلا لواجب، فلا يجوز ترك الواجب لمندوب أو مستحب، ولا يجوز ترك الواجب لجائز أو مباح، كما لا يجوز ترك الواجب حتى لمكروه.

وبهذا: إذا وجد أنّ صوم التطوع يضعفه عن أداء واجباته الوظيفية، أو أعماله التي يعول بها نفسه وأهله وعياله؛ ينتقل صومه من الندب والاستحباب إلى الحرمة، لأنه منعه عن فعل واجب، فلا يجوز له أن يقصِّر في عمله الواجب بصيام التطوع.

بل ذهب الفقهاء إلى التفاضل بين صيام التطوع وبين التطوعات الأخرى التي هي أحب منه في الشرع، كالصلاة والذكر وتلاوة القرآن، فهذه في مراتب الأعمال أحبّ وأعلا من صيام التطوع، وكان فقهاء الأمة من السلف والخلف يراعون الأولى فالأولى، فربما تركوا صيام التطوع إذا أضعفهم عما هو أحبّ منه.

فهذا أبو طلحة رضي الله عنه كان يقلّ من صيام التطوع من أجل الغزو والجهاد، قال أنس رضي الله عنه: « كان أبو طلحة لا يكاد يصوم ـ أي التطوع ـ على عهد رسول الله ﷺ من أجل الغزو، فلما توفي رسول الله ﷺ ما رأيته مفطراً إلا يوم فطر أو أضحى» (1).

وهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقلّ من صيام التطوع من أجل الإكثار من الصلاة والذكر وتلاوة القرآن..

فعن عبد الرحمن بن يزيد قال: « كان عبد الله يقلّ الصيام، فقلنا له: إنك تقلّ الصيام، قال: إني إذا صمتُ ضعفتُ عن الصلاة، والصلاة أحبّ إليّ من الصيام».

وعن شقيق قال: كان عبد الله يقلّ الصوم، فذُكر ذلك له، فقال: «إني إذا صمتُ ضعفتُ عن القراءة، وتلاوة القرآن أحبّ إليّ » (2).

وقد وجّه الطحاوي خبر عائشة أن رسول الله ﷺ لم يكن يصوم من أيام العشر الأُوَل شيئاً، مع ما جاء فيه من ترغيبه ﷺ للعمل الصالح فيها فقال: « ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام ». يعنى أيام العشر. قالوا يا رسول الله ولا الجهاد فى سبيل الله؟ قال « ولا الجهاد فى سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشىء»(3).. فقال الطحاوي: « يجوز أن يكون ﷺ لم يكن يصوم فيها على ما قالت عائشة لأنه كان إذا صام ضعف عن أن يعمل فيها ما هو أعظم منزلة من الصوم وأفضل منه من الصلاة ومن ذكر الله عز وجل وقراءة القرآن كما قد روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في ذلك مما كان يختاره لنفسه… فيكون ما قد ذكرته عائشة عنه ﷺ من تركِه الصومَ في تلك الأيام؛ ليتشاغل فيها بما هو أفضل منه، وإن كان الصوم فيها له من الفضل ما له، مما قد ذكر في هذه الآثار التي قد ذكرناها فيه، وليس ذلك بمانعٍ أحداً من الميل إلى الصوم فيها، لا سيما من قدر على جمع الصوم مع غيره من الأعمال التي يتقرب بها إلى الله عز وجل سواه والله نسأله التوفيق» اهـ(4).

ومن نصيحة العلماء في ذلك ما جاء في مختصر منهاج القاصدين: « واعلم أن من رُزق فطنة، علم المقصود بالصوم، فحمل نفسه قدر ما لا يعجزه عما هو أفضل منه، فقد كان ابن مسعود رضي الله عنه قليل الصوم، وكان يقول: إذا صمتُ ضعفت عن الصلاة وأنا أختار الصلاة على الصوم، وكان بعضهم إذا صام ضعف عن قراءة القرآن، فكان يكثر الفطر حتى يقدر على التلاوة، وكل إنسان أعلم بحاله وما يصلحه »اهـ(5) .

والقاعدة في ذلك ما ذكره ابن بطال: « كل من كان صومه لا يورثه ضعفاً عن أداء فرائض الله، وعمّا هو أفضل من صومه من نفل الأعمال، وهو صحيح الجسم، فغير مكروه له صومه ذلك، وكل من أضعفه صومه النفل عن أداء شيءٍ من فرائض الله؛ فغير جائز له صومه، بل هو محظور عليه، فإن لم يضعفه عن الفرائض وأضعفه عمّا هو أفضل منه من النوافل؛ فإنّ صومه مكروه» اهـ المراد نقله(6).

والله الموفق إلى الخير والصواب.

الحواشي

  1. تهذيب الآثار لأبي جعفر الطبري، برقم 523، ج323 ـ 324.
  2. تهذيب الآثار للطبري برقم 519، 520، 521، ج1 ص 323 -324، ابن أبي شيبة في المصنف برقم 8909، والبيهقي في شعب الإيمان برقم 2018 ، 2019، وعبد الرزاق في المصنف برقم 7903، والطبراني في المعجم الكبير 8777، 8778.
  3. أبو داود برقم 2440، وأحمد في المسند برقم 1968 وصححه الأرناؤوط، وأصله في صحيح البخاري برقم 969.
  4. شرح مشكل الآثار، للطحاوي، ج7 ص 419.
  5. مختصر منهاج القاصدين، لابن قدامة ، ص 45 ت 46.
  6. شرح ابن بطال لصحيح البخاري، ج4 ص 121 ـ 122، وراجع هذه القاعدة المهمة لابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى ج25 ص 272.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

حكم صيام الست من شوال

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية التطوع

كنت أصوم ستة أيام من شوال كل عام أبدأ في اليوم الثاني من عيد الفطر، وكنا سمعنا من مشايخنا أنّ صيامها مستحب وأنه مع صيام رمضان يعدل صيام الدهر، ولكني قبل أيام سمعت أحد المفتين في قناة من قنوات التلفزيون أن صيام الست من شوال مكروه، فأرجوكم بينوا لنا هذه المسألة، هل هو مستحب أو مكروه؟.

جواب فضيلة الشيخ

ما كُنْتَ تفعله من صوم الستّ من شوال على أنه مستحبٌّ؛ نسأل الله تعالى أن يتقبله منك ويجزيك به، فهو قولٌ لأَئمةٍ أخيار. وما سمعْتَه من بعض المفتين في إحدى القنوات الفضائية كذلك قول لأئمةٍ أخيار رحمهم الله تعالى جميعاً.

ومسألة صيام الست من شوال، فيه خلافٌ كبيرٌ بين أئمة المذاهب من الفقهاء، فنجد أقوالاً لفقهاء الحنفية، وأقوالاً لفقهاء المالكية.

فالحنفية إمامهم قال بكراهة صومها، وأبو يوسف كره إتْبَاع رمضان بصومها، وكره صومها متتابعاً، والحسن بن زياد كان لا يرى لصومها ولو متتابعاً بعد الفطر بأساً، وعامة المتأخرين من الحنفية لم يروا به بأساً، ومن مشايخهم من يرى أنه ينبغي للعالم أن يصوم سراً، وأن ينهى الجُهَّال عنه، وكان شمس الأئمة الحلواني يرى أن الكراهة مختصة فقط بالمتصل برمضان، أما إذا أكل بعد العيد أياماً، ثم صام لا يُكره بل يُستحب(1).

والمالكية، إمامهم مالك بن أنس رحمه الله قال بكراهة صومها، بل وأنكره إنكاراً شديداً، كما قال ابن عبد البر في الكافي، وخالفه تلميذه وابن أخته مُطرِّف بن عبد الله اليساري ولم يأخذ بذلك، وذكر الحطاب الرُّعيني أن الرجل إذا صامها في خاصة نفسه فلا يكره، وقال القرافي: « واستحب مالك صيامها في غيره خوفاً من إلحاقها برمضان عند الجهال»، ومال اللخمي لاستحبابها(2).

غير أن الشافعية والحنابلة لم يختلفوا في استحباب صومها.

وعلى هذا، فالفقهاء في حكم صوم ستٍّ من شوال على مذاهب وأقوال:

المذهب الأول: استحباب صوم ستّة من شوال، وعليه الجمهور، وهو قول الشافعية والحنابلة وبعض الحنفية كالحسن بن زياد، وشمس الأئمة الحلواني، وبعض المالكية كمطرِّف واللخمي، وبه قال طاووس والشعبي وميمون بن مهران وابن المبارك وإسحاق (3).

المذهب الثاني: لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة رحمه الله: كراهة صوم ست من شوال في حالتين:

الحالة الأولى: أن يتبع رمضان بصومها، قال: ” كانوا يكرهون أن يتبعوا رمضان صياماً خوفاً من أن يلحق بالفريضة”. وهو الذي وجهه شمس الأئمة الحلواني أن الكراهة في المتصل برمضان، أما إذا أكل بعد العيد أياماً، ثم صام لا يكره بل يستحب.

والحالة الثانية: أن يكون صومها متتابعاً لا متفرقاً، قال رحمه الله: “أكره متتابعاً ولا أكره متفرقاً”(4).

المذهب الثالث: كراهة صوم ستٍّ من شوال، وهو قول الإمامين أبي حنيفة النعمان ومالك بن أنس رحمهما الله تعالى، وهو المروي عن الحسن البصري رحمه الله، ونسبه مالك إلى أهل العلم في زمانه أنهم كانوا يكرهون ذلك ويخافون بدعته.

قال يحيى الليثي رحمه الله: ” وسمعت مالكاً يقول في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان: إنه لم ير أحداً من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يُلحِق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك”(5).

وقال إسرائيل أبو موسى عن الحسن البصري رحمه الله أنه كان إذا ذُكر عنده صيامُ ستة أيام من شوال يقول: ” والله لقد رضي الله بصيام هذا الشهر عن السنة كلها”(6).

المذهب الرابع: استحباب صيامها للرجل في خاصة نفسه، دون إظهار أو إشهار لاسيما إذا كان من أهل العلم، وهذا قول بعض الحنفية وبعض المالكية، نقله أبو المعالي ابن مازة عن بعض مشايخهم الأحناف قولهم: ” ينبغي للعالم أن يصوم سراً، وينهى الجهَّال عنه”(7) . ونصّ عليه القرافي في الذخيرة، والحطاب في مواهب الجليل، وكأنهما يقيدان مذهب مالك في إظهار صيام ست من شوال، وأنه لا يكره إذا كان صيامها من غير إظهار وإشهار.

وقول الجمهور فيه النصّ عن النبي ﷺ، من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: ( من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر). ومن حديث ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله ﷺ: ( من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة ، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)(8). ومن حديث جابر رضي الله عنه: ( من صام رمضان وستاً من شوال فكأنما صام السنة كلها )(9). وهو الراجح من جهة النص، وقول مالك وأبي حنيفة بالكراهة له وجهه من جهة العمل، ولقد بحثت عمن عمل به وصام ستاً من شوال من سلف الأمة الصالحين وأئمة الدين من الصحابة والتابعين وتابعيهم، فلم أقف على واحد منهم رُوي عنه أنه كان يصوم الستة الأيام من شوال، ولا يُتصوّر أمراً بهذا الفضل والخير يغفل عنه الأبرار من الصحابة والتابعين والأخيار من أئمة الدين، فهو وإن كان فيه الرواية فلم يكن عليه العمل، وهذا الذي جعل مالكاً وأبا حنيفة يتوقفان عن استحباب صومها وذهبا على الاحتياط للدين بالقول بالكراهة، خاصةً وأنّ العبادات أصلها التوقيف. بل إنّ ما خشيه الإمام مالك وأبو حنيفة قد وقع في كثير من بلاد المسلمين وبيئاتهم، حتى صار العيد الفعلي ثامن من شوال بعد صيام الست من شوال، فيستمر الناس كأنهم في رمضان تعظيماً لهذه الأيام وتأكيداً لصومها، والإنكار على من أفطر فيها، وهكذا أُلحق برمضان.

وعليه فالصحيح الراجح أن يكون صوم ستٍّ من شوال مستحباً، ولكن بشروط أربعة تتوافق بها أقوال الفقهاء، وتزول بها كراهة من يرى الكراهة، هي:

1ـ أن يصومها رغبة لما جاء فيها من الحثّ على صيامها.

2ـ أنْ لا يظهر صومها.

3ـ أن لا يصل صومها بالعيد، فالأفضل أن يفطر مع يوم العيد أياماً أخرى ثم يبدأ صيامها، حتى لا يلحق برمضان، ولدفع ما يعتقده بعض العامة أنّ رمضان لا تكتمل إلا بصومها.

4ـ أنْ لا يصومها متتابعة، بل يصومها متفرقة، ليفارق صومها صوم رمضان الذي لا يكون إلا متتابعة.

والله الموفق إلى الخير والصواب، والحمد لله رب العالمين.

الحواشي

  1. راجع: المحيط البرهاني في الفقه النعماني، لأبي المعالي برهان الدين بن مازة، ج2 ص 393، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، لابن نجيم، ج6 ص 133.
  2. انظر: الذخيرة للقرافي، ج2 ص 530، الكافي لابن عبد البر ، ج1 ص 180، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، للحطاب، ج2 ص 414، التوضيح في شرح مختصر ابن حاجب، لخليل بن إسحاق، ج2 ص 459، المختصر الفقهي لابن عرفة، ج2 ص 97، تبيين المسالك، ج2 ص 183.
  3. راجع: المصادر السابقة، وانظر: المغني لابن قدامة، ج3 ص 112، الإرشاد إلى سبيل الرشاد، ص 153، الشرح الكبير على متن المقنع، ج3 ص 1ـ 3، المبدع في شرح المقنع، ج3 ص 49، الإنصاف للمرداوي ج3 ص 343، المجموع شرح المهذب، ج6 ص 400 -401، الحاوي الكبير للماوردي، ج3 ص 136، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، ج1 ص 280، السراج الوهاج على متن المنهاج، ج1 ص 146، البيان في مذهب الإمام الشافعي، ج3 ص 548، كفاية النبيه في شرح التنبيه، ج6 ص 394، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، ج2 ص 184.
  4. انظر : المحيط البرهاني في الفقه النعماني، لأبي المعالي برهان الدين بن مازة البخاري، ج2 ص 393، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم، ج6 ص 133.
  5. الموطأ برواية يحيى، برقم 684، ج1 ص 310.
  6. أخرجه الترمذي برقم 759، باب ما جاء في صيام ستة أيام من شوال، وصححه الألباني، وابن أبي شيبة في المصنف برقم مصنف ابن أبي شيبة 9817، ج3 ص 97.
  7. المحيط البرهاني الموضع السابق.
  8. أخرجه ابن ماجة برقم 1715.
  9. أخرجه أحمد في المسند، برقم 14341، قال شعيب الأرناؤوط: ” صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف لضعف عمرو بن جابر الحضرمي وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين”. ج3 ص 308.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الصائم يُدْعَى إلى وليمة

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — أقضية التطوع

كنت صائماً يوماً من الأيام البيض، فصادف أنْ أقام جارٌ لنا دعوة طعام فدعاني مع مجموعة من الجيران، فتحيّرتُ؛ هل ألبّي الدعوة أم لا؟ وإذا ذهبتُ إلى دعوته؛ هل أقطع صيامي وآكل معهم لأجامله؟ أم أبقَى صائماً وأخبره بصيامي وأعتذر له ؟. وحين ذكرت ذلك لامني بعضهم على عدم تلبيتي للدعوة، ولامني آخرون أني لم أقطع صيامي لأجامل جارنا، وعذرني بعضهم وقال: طالما كنت صائماً فحافظ على صيامك. فأرجو أن تفيدونا ماذا يفعل من وقع له مثل هذا، جزاكم الله خيراً.

جواب فضيلة الشيخ

المسألة فيها حالتان:

الحالة الأولى: أن يكون من دُعِيَ إلى وليمة أو دعوة طعام ، صائماً صياماً واجباً، كقضاء رمضان، وصيام كفارة، وصيام نذر، ففي هذه الحالة لم يختلف الفقهاء أنه لا يجوز للصائم صياماً واجباً أن يقطع صيامه ويفطر مع الناس، لأنّ إجابة الدعوة مندوبة مستحبة، وصيامه صيام واجبٌ، والواجب لا يُترك لمستحب.

ثم اختلفوا بعد ذلك؛ هل يلبّي دعوة الداعي ويذهب إلى مكان الوليمة دون أن يأكل معهم، ويخبر صاحب الدعوة أنه صائم ويعتذر له ويدعو له؟! وعامة الفقهاء يرون أن يجيب ويلبّي، ولكن عند بعضهم ذلك واجبٌ عليه، وعند الآخرين مندوبٌ وليس بواجب، وبعضهم فرّق بين دعوة وليمة العرس وبين غيرها.

أ ـ فذهب الحنابلة إلى أنه واجبٌ عليه أن يلبّي دعوته ويجيب، قال في المغني: «إنْ كان المدعو صائماً صوماً واجباً؛ أجاب ولم يفطر؛ لأنّ الفطر غير جائز؛ فإنّ الصوم واجب، والأكل غير واجب<(1). وهو ما ذهب إليه الظاهرية(2).

ودليلهم حديث أبى هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ: «إذا دُعِيَ أحدًكم فليُجبْ، فإن كان صائماً فليصل، وإن كان مفطراً فليطعم»(3). فحملوا الأمر ” فليجب” على الوجوب، والصيام على الصوم الواجب.

ب ـ وذهب الشافعية إلى وجوب إجابة الدعوة في الوليمة ( وليمة العرس) دون غيرها، قال الشيرازي في المهذب: « ومن دُعي إلى وليمة وجب عليه الإجابة<(4). مستدلاً بحديث ابن عمر رضي الله عنهما :«إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها<(5). مع أنهم اختلفوا في أمره ﷺ ( فلياتها) فحمله بعضهم على الوجوب العيني، وبعضهم على الوجوب الكفائي، وبعضهم على الندب(6).

ب ـ ويرى المالكية ومن وافقهم إلى أنّه سنة، ولا يجب عليه أن يجيب الدعوة ويلبي الداعي، وقد حملوا الأمر في الأحاديث الآمرة بإجابة الدعوة على السنية وإنْ كانت إجابة دعوة العرس آكد، وذكر ابن عبد البر في التمهيد أن إجابة الدعوة واجبٌ وجوب سنة لا وجوب فرض(7).

وعلى كلِّ حالٍ؛ فإنّ ظاهر ما عليه الفقهاء أنّ من دُعِيَ إلى دعوة طعام سواء أكانت وليمة عرس أو غيرها (8)، أن يجيب الدعوة ولو كان صائماً صياماً واجباً، فيحضر الدعوة إنْ لم تكن فيها منكرات، فيكون قد التزم أمر نبيه ﷺ بإجابة الدعوة، وطيّب خاطر أخيه، وجبر قلبه، وأكرم داعيه، وكل ذلك من أدب الأخوة والجوار، ثم يدعو لصاحب الدعوة بالبركة والخير وينصرف دون أن يفطر. وبهذا يكون قد جمع بين الخيرين، وأخذ بالحسنيين.

أما الحالة الثانية: وهي أن يكون من دُعي إلى وليمة أو دعوة صائماً صيام تطوع لا فرض، فهذا إجابة الدعوة في حقه آكد، لحديث جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: « إذا دُعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك »(9).. وحديث ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النبي ﷺ قال: « إذا دُعيتم إلى كراع فأجيبوا »(10). وحديث نافع رحمه الله قال: سمعت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله ﷺ: « أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها ». قال نافع: وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يأتي الدعوة في العرس وغير العرس ويأتيها وهو صائم(11).

أما حكمه إذا لبّى الدعوة وحضرها هل يفطر ليأكل فيها؛ ويقطع صيامه؛ فإن الفقهاء لم يختلفوا في عدم وجوب الأكل للصائم المتطوع، كما نقل ذلك الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم، قال: « أما الصائم فلا خلاف أنه لا يجب عليه الأكل<(12)

أما جواز ذلك أو استحبابه فقد ذهب الفقهاء إلى الأقوال الآتية:

القول الأول: جواز الفطر لإجابة الدعوة وعذر الضيافة، وهو قول أبي عبدالله الرازي الحنفي وغيره من الحنفية، وقد جاء في تحفة الملوك في مبيحات الفطر في النوافل: « ويباح الفطر في التطوع بعذر الضيافة ونحوها» (13). واستدلوا بأن المتطوع بالصيام جاز له الفطر بغير عذر، فإن كان الفطر جائزاً له فلإجابة الدعوة من باب أَوْلَى، وذلك لحديث أم هانئ أنّ رسول الله ﷺ دخل عليها فدعا بشراب فشرب، ثم ناولها فشربت، فقالت: يا رسول الله! أما إني كنت صائمة! فقال رسول الله ﷺ: ( الصائم المتطوع أمير نفسه ـ وفي رواية: أمين نفسه ـ إنْ شاء صام وإن شاء أفطر)(14).

وقد قيّد الحنفية جواز الفطر في الدعوة بأسباب أهمها:

1ـ إذا كانت الدعوة قبل الزوال، أما بعد الزوال فلا يفطر.

2ـ إذا كان صاحب الدعوة يتأذّى ، يفطر، وإن كان يرضى بمجرد حضوره ولا يتأذى بترك الأكل لا يفطر، بشرط أن تكون الدعوة قبل الزوال.

3ـ إذا كانت الدعوة من أحد الأبوين لحق الوالدين لأن في ترك الإفطار عقوق الوالدين أو أحدهما، ولو كانت الدعوة بعد الزوال.

القول الثاني: استحباب الفطر للصائم تطوعاً لأنه يدخل السرور على من دعاه، وهو قول الحنابلة وأكثر الشافعية،

قال في الكافي: « إذا دعي الصائم لم تسقط الإجابة، فإذا حضر وكان الصوم واجباً لم يفطر، وإن كان تطوعاً استُحب له الفطر، ليسر أخاه ويجبر قلبه»(15). وذكر المرداوي أنه الصحيح من المذهب. وعلل الاستحباب في المغني بأن له الخروج من الصوم، فإذا كان في الأكل إجابة أخيه المسلم وإدخال السرور على قلبه، كان أولَى(16).

وقال الشيرازي في المهذب: « وإنْ كان تطوعاً فالمستحب أن يفطر لأنه يدخل السرور على من دعاه». ونسب الحافظ ابن حجر الاستحباب لأكثر الشافعية إنْ كان يشق على صاحب الطعام صومه وعدم أكله، وبذلك أيضاً قيّد النووي الاستحباب في شرحه لعبارة المهذب، مع أنّ الروياني وابن الفراء من الشافعية أطلقا استحباب الفطر لإجابة الدعوة(17). ونَصُّ الإمام الشافعي رحمه الله يؤيّد الاستحباب، وقد نقل البيهقي نصه أنه قال: « إن كان المدعو صائماً أجاب وبارك وانصرف، ولم يحتم عليه أن يأكل، وأحبُّ إلـيَّ لو فعل إن كان صومه غير واجب، إلا أن يأذن له رب الوليمة»اهـ (18).

ومن اللطائف في ذلك؛ ما ذُكر عن معروف الكرخي رحمه الله أنه أصبح صائماً، فمرّ بسقَّاء يقول: ” رحم الله من يشرب” فتقدَّم فشرب، فقيل له: ألم تك صائماً؟ فقال: بلى! ولكنِّي رجوت دعاءه ” (19).

القول الثالث: عدم استحباب الفطر للصائم تطوعاً ، بل المستحب أن يحضر الدعوة ويدعو لصاحب الدعوة بالبركة والخير ويبقى صائماً، وهو قول المالكية(20) وأبي حنيفة (21)، واستدلوا بالجمع بين حديث مسلم وغيره: « إذا دُعيَ أحدكم فليجب، فإنْ كان صائماً فليصلِّ، وإن كان مفطراً فليطعم »(22). وحديث: « إذا دُعِي أحدكم فليُجِبْ، فإن شاء طعم وإن شاء ترك»(23).

وهذا هو الراجح، للأسباب الآتية:

1ـ أنّ مالكاً جمع بين الأحاديث، والآخرون اختاروا ورجّحوا، والجمع أَوْلَى من غيره، لأن فيه إعمالاً للأدلة، وذاك فيه إبطال لبعضها.

2ـ أنّه لا خلاف بين الفقهاء في عدم وجوب الأكل للصائم إذا دُعيَ، مع الخلاف بينهم في لزوم التطوع بالشروع، وقد ذهب مالك وأبو حنيفة إلى أن المندوبات تلزم بالشروع(24)، فمن دخل في صيام تطوع فقد لزمه الإتمام، ولا يجوز له أن يفطر إلا لعذر. فالأكل ليس بواجب عند الجميع، بينما الصوم وجب بالشروع عند بعضهم، فكان أولى بالرعاية.

3ـ أنّ النصوص صريحة في إرشادها لمن كان صائماً وأجاب الدعوة ماذا يفعل، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق أن النبي ﷺ أمر الصائم بالدعاء لصاحب الدعوة ولم يأمره بالفطر، فقال ﷺ:« إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائماً فليصلّ وإن كان مفطراً فليطعم ».. وفي حديث عبد الله رضي الله عنه لم يأمره بالأكل وأمره بالدعاء فقال ﷺ: ( إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأْكُلْ، وَإنْ كَانَ صَائِمًا دَعَا بِالْبَرَكَةِ)(25).

أما خبر إبراهيم بن عبيد قال: صنع أبو سعيد الخدري رضي الله عنه طعاماً فدعا النبي ﷺ وأصحابه فقال رجل من القوم: إني صائم، فقال له رسول الله ﷺ: ( صنع لك أخوك وتكلف لك أخوك أفطر وصم يوماً مكانه )(26). فلا يقوى لمعارضة حديث أبي هريرة الذي في الصحيح، إذ هو مرسل كما أن في سنده محمد بن أبي حميد وهو ضعيف لا يحتج به، بينما حديث أبي هريرة صحيح مسند.

4ـ أنّ حال سلفنا الصالح من الصحابة رضوان الله عليهم يؤكّد أن الصائم ـ ولو كان صيامه تطوعاً ـ الأَوْلَى له أن يحضر ويشارك ويبارك لهم الدعوة ويدعو لهم ثم ينصرف من غير أن يقطع صومه ويفطر لإجابة الدعوة..

1ـ عن ابن سيرين أن أباه دعا نفراً من أصحاب النبي ﷺ فأتاه فيهم أبي ابن كعب رضي الله عنه وأحسبه قال فبارك وانصرف.

2ـ وعن عبد الله بن أبي يزيد قال: دعا أبي عبدَ الله بنَ عمر رضي الله عنهما فأتاه، فجلس، ووُضع الطعام، فمدَّ عبد الله بن عمر يده وقال: خذوا بسم الله، وقبض عبد الله يده وقال: إني صائم(27).

3ـ وعن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه أجاب عبدَ المغيرة وهو صائم فقال: « إني صائم، ولكني أحببت أن أجيب الداعي فأدعو بالبركة» (28).

4ـ وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: « إذا عرض على أحدكم الطعام وهو صائم فليقل : إني صائم » (29).

5ـ وأجاب سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه الدعوة فدعا ولم يأكل(30).

فكان حال هؤلاء الأخيار من سلفنا الأبرار رضوان الله تعالى عليهم جميعاً أنْ لا يفطر الصائم لإجابة الدعوة، بل يحضر ويدعو ويطيّب الخواطر ثم ينصرف محافظاً على صيامه، فبان أنّ إتمام الصوم له أَوْلَـى. والحمد لله رب العالمين.

الحواشي

  1. المغني لابن قدامة ، ج7 ص 279المسألة 5670وراجع: المبدع في شرح المقنع لابن مفلح، ج6 ص 234، والإنصاف للمرداوي، ج8 ص 322.
  2. المحلى بالآثار لابن حزم، ج4 ص 456، المسألة 808، وراجع: الاستذكار لابن عبد البر ج5 ص 470، شرح ابن بطال للبخاري ج13 ص 285.
  3. أخرجه مسلم باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة، برقم 3593، وأبو داود باب في الصائم يدعى إلى وليمة برقم 2462، وأحمد في المسند برقم 10593.
  4. المهذب للشيرازي بشرح المجموع ج18 ص 79.
  5. أخرجه مالك في الموطأ برقم 1137، وأحمد في المسند برقم 4712، والبخاري في صحيحه برقم 5173.
  6. انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي، ج18 ص 80-81 .
  7. راجع: التمهيد لابن عبد البر ج1 ص 275، شرح ابن بطال لصحيح مسلم، ج7 ص 288، مدونة الفقه المالكي وأدلته للغرياني، ج2 ص 590- 593. البيان والتحصيل لابن رشد الجد، ج4 ص 308، ومواهب الجليل في شرح مختصر خليل ج4 ص 5 .
  8. وقد نقل ابن بطال إجماع العلماء على وجوب إجابة الوليمة على خصوصها مع اختلافهم في غيرها، انظر: شرح ابن بطال لصحيح البخاري ج7 ص 287.
  9. أخرجه مسلم في صحيحه برقم 3591.
  10. صحيح مسلم برقم 3590. والكراع: مستدق الساق من الغنم والبقر العاري من اللحم.
  11. مسلم في صحيحه برقم 3589.
  12. شرح النووي لصحيح مسلم ، ج5 ص 153والمجموع شرح المهذب ج18 ص 87..
  13. تحفة الملوك لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر الرازي الحنفي، ج1 ص 151.
  14. أخرجه أحمد في مسنده برقم 26937، واللفظ له، والترمذي في سننه برقم 732، والدارقطني في سننه برقم 2222، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 8607، وصحّح الشيخ الألباني إسناد الترمذي، ج3 ص 109مع أن الترمذي قال: حديث أم هانئ في إسناده مقال والعمل عليه عند بعض أهل العلم. وضعّف شعيب الأرناؤوط خبر أحمد وقال: إسناده ضعيف لجهالة جعدة، وهو ابن ابن أم هانئ، المسند ج6 ص 341.
  15. الكافي في فقه الإمام أحمد ج3 ص 79.
  16. الإنصاف للمرداوي ج8 ص 322، المغني لابن قدامة ج7 ص 279، المبدع شرح المقنع ج6 ص 234.
  17. انظر: المهذب بشرح المجموع ج18 ص 86 – 87، فتح الباري لابن حجر ج9 ص 247، الحاوي الكبير للماوردي ج3 ص 469.
  18. معرفة الآثار والسنن للبيهقي ، ج10 ص 251، برقم 4571.
  19. الرسالة القشيرية لأبي القاسم القشيري، في ترجمة معروف بن فيروز الكرخي، ص 9، والآداب الشرعية لابن مفلح، ج2 ص 355 – 356.
  20. راجع: البيان والتحصيل لابن رشد الجد، ج4 ص 308، مواهب الجليل للحطاب الرعيني ج4 ص5، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي ج2 ص 500،
  21. انظر: العناية شرح الهداية ، البابرتي ج3 ص 329.
  22. سبق تخريجه في أول هذا السؤال.
  23. أخرجه أحمد في المسند برقم 15256، وصححه الأرناؤوط على شرط مسلم.
  24. راجع: البحر المحيط للزركشي ج1 ص 281-282،
  25. أخرجه النسائي في سننه برقم 10059.
  26. أخرجه الدارقطني في السنن برقم 2239، وقال عقبه: مرسل، اما محمد بن أبي حميد فقد قال فيه البخاري ( الضعفاء ص 119 برقم 330): منكر الحديث، والعقيلي في (الضعفاء 1/308 برقم 377): منكر الحديث، وقال الإمام أحمد: أحاديثه أحاديث مناكير (الضعفاء للعقيلي برقم 1613)، وذكره أبو زرعة في الضعفاء، والدارقطني في الضعفاء والمتروكون، رقم 480، وقال ابن الجوزي في: الضعفاء والمتروكين (3 / 54): ” قال يحيى: ليس حديثه بشيء. وقال السعدي: واهي الحديث ضعيف. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان: ضعيف الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن حبان: لا يحتج به. وقال الدارقطني: ضعيف” اهـ .
  27. الخبران في كتاب الأم للشافعي بسنده رحمه الله ج6 ص 196، ومسند الشافعي بترتيب السندي برقم 667، 668.
  28. المغني لابن قدامة ، ج7 ص 279.
  29. شرح ابن بطال لصحيح البخاري ج4 ص 8، المغني ، ج7 ص 279.
  30. شرح ابن بطال لصحيح البخاري، ج7 ص 288.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

المجامــع إلـى طلــوع الفجـر

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل القضاء والكفارة

ما حكم صيام من كان يجامع أهله في ليلة من ليالي رمضان وهو يظن أن الفجر بعيد فإذا به يسمع النداء يؤذن بطلوع الفجر؟

جواب فضيلة الشيخ

الذي يجامع إلى طلوع الفجر له أحوال، وهم أصناف:

الصنف الأول: من كان يعلم بدنو الفجر ووشوك طلوعه فبادر إلى الجماع فطلع عليه الفجر وهو يجامع وكان يعلم من عادته أن الفجر سيطلع عليه وهو لا يزال في حال الجماع .

فهذا يُكره في حقه الجماع وإن كان قد بدأ ليلاً، وعليه قضاء هذا اليوم سواء نزع مع الفجر أو تمادى، لأنّه أشبه بالذي تعمّد إفساد صيامه، فيحكم بفساد صيام هذا اليوم فيقضيه.

الصنف الثاني: من كان يظنّ أن الفجر بعيد وأن الليل سيكفيه لقضاء وطره من أهله ، أو شكّ في قرب الفجر أو في دنوه ففاجأه الفجر بطلوعه، فتمادى في الجماع وهو يسمع النداء .

فهذا المجامع إذا علم بطلوع الفجر ثم مكث مستديماً للجماع ولم ينْزع؛ بطل صومه بلا خلاف، وعليه القضاء والكفارة عند الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة ، لأنه علم بطلوع الفجر فترك صوم رمضان بجماع . وعند أبي حنيفة عليه القضاء فقط دون الكفارة.(1).

الصنف الثالث: من كان يظن بعد الفجر وبقاء الليل فطلع عليه الفجر وهو يجامع فأول ما علم بطلوع الفجر نزع في الحال وقطع جماعه.

فهذا للعلماء في حكمه أقوال :

القول الأول: أنه بطل صومه وعليه القضاء والكفارة ، وهو قول ابن حامد والقاضي أبي يعلى من الحنابلة ، وهو بعيد عن أصول الشريعة، وضعيف من جهة الدليل لأنه لم يقصر ولم ينتهك حرمة رمضان.

القول الثاني: أنه بطل صومه وعليه القضاء فقط، وهو قول مالك، لأن صومه فسد ولكنه لا يقدر على أكثر مما فعله في ترك الجماع .

القول الثالث: أن صومه صحيح لم يبطل ، ولا شيء عليه لا قضاء ولا كفارة، وهو قول الجمهور من الحنفية والشافعية وبعض الحنابلة، وهو قول طائفة من التابعين وغيرهم كسعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن البصري ، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم(2).

وهذا القول هو الراجح لأنّه لم يكن آثماً ولا مسيئاً حين جامع بليل، ولم يكن متساهلاً أو قاصداً انتهاك حرمة رمضان لأنه ظنّ أن الفجر بعيد، ولم يكن مفرطاً فتمادى في الجماع بل بادر وحمل على نفسه فنَزع وقطع جماعه، فاتقى الله بما استطاع وليس في مقدوره أن يفعل أكثر مما فعله في ترك الجماع، ولا يمكن أن يقال: إنّ ترك المبطل للصوم يبطل الصوم. فبقي صيامه صحيحاً فلا يطالب بقضاء ولا بكفارة.

الحواشي

  1. انظر : المجموع شرح المهذب ، ج6 ص 416 – 419.
  2. انظر: المجموع نفسه ج6 ص 319 ، المغني لابن قدامة ، ج3 ص 65 ، مجموع الفتاوى لابن تيمية ، ج25 ص 263 – 264 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الفطر للتقوِّي على إنقاذ غريق

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل القضاء والكفارة

كنت صائماً في يوم من أيام رمضان في بلادنا بالشمالية، وبعد صلاة العصر وأنا على شاطيء النيل إذا بي أرى غريقاً يستنجد ويطلب النجدة والإنقاذ، وكنت مرهقاً جداً وشعرت أنني لا أستطيع إنقاذه إلاّ إذا أفطرت فسارعت إلى النيل فشربت منه ماءً حتى أنقذ الغريق، وبالفعل وفقني الله تعالى في إنقاذه والحمد لله، فما حكم إفطاري من أجل إنقاذ الغريق ؟.

جواب فضيلة الشيخ

أحمد الله إليك أخي السائل، وأسأله بكرمه أن يجزيك خيراً بصومك وفطرك، وأن يتقبل هذا العمل الصالح ويثقل به موازينك يوم القيامة.

فإنّ ما قمت به من النجدة لإنقاذ أخيك المشرف على الغرق لعمل صالح تجزى به خيراً من ربك بكرمه ومنّه تعالى، ولا سيما في رمضان الذي تتضاعف فيه جزاء الأعمال ومثوباته أضعافاً كثيرة.

وقد ذهب العلماء إلى جواز الفطر للتقوِّى على إنقاذ الغريق ، وذهب فريق منهم إلى أن الصائم رأى مشرفاً على الغرق ولم يمكّنه تخليصه وإنقاذه إلاّ بالفطر ليتقوّى على إنقاذه ؛ فإنه واجب عليه أن يفطر وينقذ الغريق(1). وذلك للآتي:

[1] أنّ إنقاذ الغريق واجب ، ولكن لا يتحقق هذا الواجب إلاّ بالفطر لعجز الصائم عن إنقاذه ، فوجب الفطر ، لأن ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب .

[2] ولأن إنقاذ الغريق حق آدمي ، والصيام حق الله تعالى ، وحق الآدمي مقدّم على حق الله تعالى، لأن الله تعالى لا يلحقه الضرر بفوات حقه بينما الآدمي يتضرر بفوات حقه فقُدِّم حق الآدمي على حقه تعالى.

[3] ولأنّ الصيام من حفظ الدين، وإنقاذ الغرق من حفظ النفس، فكلاهما من الضروريات الخمس، ولكن حفظ نفس الغريق يفوت تداركه بالحفاظ على الصيام، بينما الصيام لا يفوت تداركه بالفطر، لأنه يمكنه أن يتداركه بقضاء يوم مكان الذي أفطر، ومن فقه المقاصد أنّ ما يفوت تداركه بإهماله أولى بالتقديم مما لا يفوت تداركه بإهماله (2).

والله تعالى أعلم ..

الحواشي

  1. انظر : قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام ، ج1 ص 53 ، المجموع شرح المهذب، ج6 ص 340 .
  2. راجع كتابنا : فقه المقاصد ، ص 396-397 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الإنــزال بمشــاهدة الأفــلام المثيـرة

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل القضاء والكفارة

أنا فتاة محافظة على صيام رمضان، ولكنني أهوى قراءة القصص الغرامية ومشاهدة الأفلام المثيرة " الخليعة" وأقطع أكثر نهار رمضان بهذه الأشياء، وكثيراً ما أندمج مع هذه الأفلام والقصص حتى أشعر بإثارة وبعدها أجد رطوبة " إنزال" فما حكم صيامي مع هذه الأشياء؟

جواب فضيلة الشيخ

هذه المسألة شبيهة بسابقتها ، ولكنها أكثر إفساداً للصيام وأشدّ في المؤاخذة، فالتي تعيش جلّ وقتها في نهار رمضان بقراءة القصص الغرامية ومشاهدة الأفلام الخليعة اكتسبت إثماً عظيماً وذنباً كبيراً ، وفوق ذلك جلبت على نفسها مفاسد ومساخط وشروراً منها:

أتبعت نفسها هواها وفي حديث شداد بن أوس مرفوعاً: (.. والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني ) (1).

قدّمت قراءة القصص الغرامية على قراءة القرآن في شهر القرآن، وبذلك خالفت سنن السلف رضوان الله عليهم وسنن الصالحين والصالحات من هذه الأمة المرحومة الذين كانوا إذا دخل رمضان تفرغوا لقراءة القرآن حتى عن تعليم الناس ومدارسة العلوم.

ملأت وقتها الثمين بمشاهدة الزور من الأفلام الخليعة التي تبث الفسوق والفجور والعصيان ، وتدعو إلى الخلاعة والمجون، والمؤمن الصالح كرّه الله إليه الفسوق والعصيان.

تعمّدت انتهاك حرمة نهار رمضان بإدامة النظر والمشاهدة للخلاعة والمجون ومعايشة الفسوق والفجور، والتفكر والتخيّل حتى أنزلت.

فهذه ـ بلا شك أو خلاف ـ أفسدت صومها وخسرت يوماً كريماً من أيام العفو والمغفرة والرضوان والمثوبات المضاعفة من شهر الرحمة والغفران

أمّا ماذا عليها ؟، فللفقهاء قولان:

القول الأول: عليها القضاء والكفارة وهو قول المالكية وأبي ثورومحكي عن عطاء والحسن وبعبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه، لأنها تعمّدت الإنزال وإخراج مائها بإدامة الفكر والنظر، ومن تعمّد الإنزال بأي حال بقبلة، أو مباشرة، أو إدامة فكر أو تكرار نظر كلهم يجب عليهم القضاء والكفارة.(2).

القول الثاني: عليها القضاء وحده فتقضي هذا اليوم الذي أفسدته بصيام يوم آخر مكانه، وهو قول الجمهور، على أن الكفارة خاصة بالجماع(3).

وقول الجمهور أرجح مع أنّ الإثم جسيم والفعلة من أقوى مجلبات سخط القوي الجبار ومحققات الخسران المبين، ونرجو أختنا أن تقتلع عن ذلك وتحافظ على شهر رمضان الكريم بما يليق بصومها وأن تملأ وقتها بالنافع المفيد لها في دنياها وآخرتها .

الحواشي

  1. أخرجه أحمد في مسنده ج4 ص 124 ، والبزار في المسند ج8 ص 417 برقم 3489 ، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 6306 ج3 ص 369 ، والترمذي برقم 2459 ج4 ص 638 ، والحاكم في المستدرك ج1 ص 125 برقم 191 وقال الحاكم:”صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه” وقال الترمذي :” هذا حديث حسن”.اهـ .
  2. انظر : الشرح الصغير للشيخ الدردير ، ج1 ص 707 ، تبيين المسالك ، ج2 ص 167. المجموع شرح المهذب ، ج6 ص 354-355 .
  3. راجع : مجموع شرح المهذب الموضع السابق ، بدائع الصنائع ، ج2 ص 100 ، المغني لابن قدامة، ج3 ص 58-61 ، كشاف القناع للبهوتي ، ج2 ص 318-321.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

صلاة المغرب جماعةً في أماكن إفطاهم

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية العوائد

الناس في رمضان يفطرون عادة في الشوارع في تجمُّعاتٍ في الأحياء، والمسجد قريبٌ منهم غالباً، ولكن يصلُّون المغرب في مكان الإفطار جماعة، وجماعة المسجد قائمة، ويرون أن تركهم مكان الإفطار والموائد ونحوها وذهابهم للمسجد فيه مشقة وبعض المضار.

جواب فضيلة الشيخ

لا بأس بالصلاة جماعة في مكان إفطارهم وإنْ كان صلاة المسجد أفضل، وذلك للوجوه الآتية:

أولاً: أنّ هذه الجماعة لم تتسبب في تعطيل جماعة المسجد، حيث جماعة المسجد قائمة والحمد لله، فلا يوجد ما يمنع ذلك.

ثانياً: أنّ هذا الأمر وإقامة الناس جماعة المغرب في موضع إفطارهم مؤقت بشهر رمضان، فإذا مضى رمضان بخيره وفضله انتهى هذا الوضع والحال، وعاد الناس إلى مساجدهم يقيمون جماعتها.

ثالثاً: أنهم قد أقاموا صلاة الجماعة ونالوا فضلها كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا) (1)، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: (صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاَةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً ) (2). وفيه اجتماعُ الأقوال وتوافقُ المذاهب، لأنّ من يرى صلاة الجماعة شَرْطَ صحةٍ لم يشترط كونها في المسجد.

رابعاً: أنّ هناك جماعات كانت تقام في المدينة المنورة على عهد النبي ﷺ ، كسقيفة بني ساعدة وكانت قريبة من المسجد ، ومصلى بني زريق وقد جعل فيه مسجد هو مسجد السبق لأن النبي ﷺ كان ينتظر المتسابقين بالخيل المضمرة فيه كما في البخاري(3)، وهما الآن داخل المسجد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام.

خامساً: ما يفيد جواز ذلك وصحته عند الحاجة من غير ترتيب واستدامة فعل الأخيار، وقد أخرج البيهقي رحمه الله في السنن الكبرى: “أنّ حبيب بن أبي ثابت رحمه الله صنع طعاماً فدعا إبراهيم النَّخعي وإبراهيم التَّيمي وسَلَمَة بن كُهيل وذرَّاً وأناساً من وجوه القراء ـ رحمة الله تعالى عليهم ـ فأمر إبراهيم التيمي فقصّ عليهم، ثم حضرت الصلاة فصلوا في البيت في جماعة ولم يخرجوا إلى المسجد ثم جاءهم الطعام”)4(. ويوافقه ما ذكره البخاري في صحيحه: أنّ البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه صلّى في مسجده في داره جماعة (5).

أما حديث ابن شهاب عن سالم عن أبيه أنّ النّبي ﷺ نهَى أن يُصلَّى على قارعة الطريق؛ وحديث ابن عمر رضي الله عنهما : نهى رسول الله ﷺ أن يُصلَّى في سبع مواطن، منها ( قارعة الطريق) ؛ فكلاهما ضعيف، كما قال الأئمة: الترمذي والبوصيري والألباني ومشهور آل سلمان(6)، فلا يحتجُّ بمثلهما، وفوق ذلك؛ فهو معارِضٌ للحديث الصّحيح الصّريح المتّفق عليه: ( وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ) وفي لفظ مسلم ( وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً..) (7). والله تعالى أعلم..

–

مسائلالقضاء والكفارةمسائلالقضاء والكفارةمسائلالقضاء والكفارةمسائلالقضاء والكفارة

مسائل

القضاء والكفارة

مسائل

القضاء والكفارة

الحواشي

  1. أخرجه البخاري في الصحيح برقم 647،
  2. أخرجه مالك في الموطأ برقم 288 ، والبخاري برقم 645، ومسلم برقم 1509.
  3. انظر صحيح البخاري ج4 ص 38، برقم 2869، 2870.
  4. السنن الكبرى للبيهقي برقم 5196.
  5. صحيح البخاري ج1 ص115.
  6. راجع: سنن الترمذي ج2 ص 108حديث رقم 348 وسنن ابن ماجة ج1 ص 120 حديث رقم 330بتصحيح الألباني والمجالسة وجواهر العلم برقم 3240، ج7 ص 300.
  7. البخاري في صحيحه برقم 335 ، و438، مسلم فب صحيحه برقم 1193.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

شرب الخمر في رمضان:

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية العوائد

في يومٍ من أيام رمضان خرجنا من المسجد بعد صلاة الظهر ونحن جماعة فإذا بنا نرى رجلاً يمشي أمام المسجد وهو سكران، فما عرفنا ماذا نصنع معه، هل نضربه أم نزجره أم نذهب به إلى الشرطة أم ماذا؟ أفيدونا عن حكم هذا الفعل أثابكم الله.

جواب فضيلة الشيخ

إنّ إظهار المباحات المعروفة من الأكل والشرب، وفعلها في نهار رمضان من أكبر الكبائر، إذ فيه انتهاك لحرمته، وإظهار لما نهى الله عنه، فكيف بإظهار المعاصي والكبائر المتفق عليها؟ لا شكّ هذا من أعظم ما يقترفه المسلم من الذنوب.

وعليه: فإنّ هذا الذي شرب الخمر في رمضان وأظهر سكره في نهاره بين الصائمين، يجب أنْ يُردع حتى لا يتساهل في إظهار المعاصي وانتهاك حرمة رمضان.

ولذلك:

أولاً: لا يترك هذا الشارب السكران، بل ينكر عليه، والإنكار عليه بالزجر أو التوبيخ أو نحو ذلك لا يجدي مع مثله لأنه سكران، ولن يعي شيئاً مما يزجر به أو يوبخ عليه؛ فلم يبق من سبيل للإنكار عليه إلاّ أن يؤخذ إلى الشرطة والسلطان ليقيم عليه الحد ويعاقبه.

ثانياً: لا يكفي إقامة حدّ شرب الخمر عليه، لأنه ارتكب كبيرات شنيعات، أولها: شربه للخمر، وثانيها: إظهاره السكر والمعصية أمام المسلمين، وثالثها: انتهاكه لحرمة رمضان. فيحدّ لشربه الخمر، ويعزّر بأشدّ العقوبة لإظهاره هذه المعصية الكبيرة أمام المسلمين ولانتهاكه حرمة شهر رمضان.

وقد وقع مثل ذلك في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وخلافة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما، أمّا ما كان في عهد عمر رضي الله عنه فحكم فيه ؛ فهو ما جاء في مصنف عبد الرزاق رحمه الله بسنده عن ابن جريج قال: أخبرني إسماعيل بن أمية أنّ عمر بن الخطاب كان إذا وجد شارباً في رمضان نفاه مع الحد(1).

وعن عبد الله بن أبي الهذيل قال: أتي عمر بشيخ شرب الخمر في رمضان فقال للمنخرين للمنخرين وولداننا صيام؟ قال فضربه ثمانين ثم سيره إلى الشام(2).

وفي المصنف لابن أبي شيبة عن أبي سنان البكري قال: أتي عمر برجل شرب خمراً في رمضان فضربه ثمانين وعزّره عشرين (3).

وأمّا الذي وقع في خلافة عليٍّ رضي الله عنه فحكم فيه فهو ما جاء في المصنف لابن أبي شيبة عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه قال: ( أوتي عليٌّ برجل شرب خمراً في رمضان فجلده ثمانين وعزّره عشرين))4(.

وعن أبي مصعب عطاء بن أبي مروان ، عن أبيه ؛ أن عليَّاً أُتي بالنجاشي الحارثي الشاعر سكراناً من الخمر في رمضان ، فتركه حتى صحا ، ثم ضربه ثمانين ، ثم أمر به إلى السجن ، ثم أخرجه من الغد فضربه عشرين ، فقال رضي الله عنه: « ثمانين للخمر ، وعشرين لجرأتك على الله في رمضان، وعند البيهقي: لجرأتك على الله وإفطارك في شهر رمضان » (5).

والنجاشي هذا هو قيس بن عمرو الحارثي ، وان فاسقاً رقيق الدين.

وقصته أنه خرج في شهر رمضان على فرسٍ له بالكوفة يريد الكناسة، فمر بأبي سمالٍ الأسدي فوقف عليه، فقال: “هل لك في رؤوس حملانٍ في كرشٍ في تنورٍ من أول الليل إلى آخره، قد أينعت وتهرأت؟” فقال له: “ويحك أفي شهر رمضان تقول هذا؟” قال: “ما شهر رمضان وشوالٌ إلا واحداً!” قال: فما تسقيني عليها؟ قال: شراباً كالورس، يطيب النفس، ويجري في العرق، ويكثر الطرق، ويشد العظام ويسهل للفدم الكلام، فثنى رجله فنزل، فأكلا وشربا، فلما أخذ فيهما الشراب تفاخَرَا، فعلتْ أصواتُهما، فسمع ذلك جارٌ لهما، فأتى سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأخبره، فبعث في طلبهما، فأمّا أبو سمالٍ فشق الخص ونفذ إلى جيرانه فهرب، فأخذ النجاشي فأتى به عليَّاً رضي الله عنه فقال له: “ويحك، ولداننا صيامٌ وأنت مفطرٌ؟”. فأقام عليه الحدّ وعزّره بأشدّ العقوبة.

وقال أبو حاتم، حدّثنا الأصمعي قال: كنت عند الرشيد في شهر رمضان، فأتي بسكران فهمّ به ثم سأل عنه فقلت: كفاك عليّ بن أبي طالب ذلك بالنّجاشي. قد شرب الخمر في رمضان فضربه ثمانين للسّكر، ومائةً لحرمة شهر رمضان، فقال النجاشي: “ما هذه العلاوة يا أبا الحسن؟” فقال: “هذه لجرأتك على الله في شهر رمضان”. ثم حمله على حملٍ وطاف به في الكوفة، فجعل الصبيان يصيحون به: “سلح سلح”(6)، فيقول: “كلاّ إنّها يمانيةٌ، ووكاؤها شعرٌ”؛ وهجا أهل الكوفة فقال:

إذا سقى الله قوماً صوب غاديةٍ فلا سقى الله أهل الكوفة المطــــــرا

وأرسل الريح تسفي في عيونهم حتى إذا لا ترى ماءً ولا شجـــــــــرا

ألقى العداوة والبغضــــاء بينهم حتى يكونوا لــن عاداهم جــــــــزرا

السّــــــــــارقين إذا مـا جنّ ليلهم والدّارسين إذا ما أصبحوا السّــورا

والتّاركين على طهرٍ نســــــاءهم والنّاكحين بشطّــي دجلـة البقـــــرا

ثم ذهب إلى معاوية وقال في عليّ:

يا أيّها الملك المهدي عـــــداوتـه انظر لنفســك أيّ الأمر تــــــأتمر

واعلم يقيناً بأنّ المجــــــد في نفرٍ هـم العرانين ما ساواهم بشـــــــر

فإن نفست على الأقوام مجـدهم فابسط يديك فإنّ الخير مـبتــــدر

نعــم الفتى أنت إّلا أنّ بينكمــــــا كما تفاضل ضوء الشّمس والقمر

إنّي امرؤٌ قلّ ما أثني على أحــــــدٍ حــتى أبيّن مــــــــــــا آتي وما أذر (7).

وعلى هذا:

فشارب الخمر في رمضان ينتهك بذلك حرمة نهاره يعاقب وجوباً بما يلي:

1ـ يجلد الحدّ الأقصى ثمانين جلدة.

2ـ يحبس كما فعل عمر وعلّ رضوان الله تعالى عليهما.

3ـ يعزّر بجلد زائد عن الحدّ وقد جلد عمر وعليّ كلاهما عشرين جلدة زيادة على الحدّ ( الثمانين ).

4ـ أن ينكّل به، ويطاف به ويسمّع ويشهّر به زيادةً في النكال والعقوبة، على ما ذهب الإمام الزهري رحمه الله، وقد قال: « مَن شرب في رمضان، فإنْ كان ابتدع ديناً غير الإسلام؛ استُتيب. وإنْ كان فاسقاً من الفسّاق؛ جُلد، ونُكّلَ وطُوّف وسُمّع به. والذي يترك الصلاة مثل ذلك(8).

الحواشي

  1. مصنف عبد الرزاق برقم 17044.
  2. مصنف عبد الرزاق برقم 13557، وذكره الحافظ في الفتح ج4 ص 201 وقال: وصله سعيد بن منصور والبغوي في الجعديات، وقوله: للمنخرين: دعاءٌ عليه كقولهم: بعداً وسحقاً، كما ذكره أبو عبيد في غريب الحديث له ج3 ص 395. قلت: ولعل المعنى: كُببت على المنخرين أو في معناه والله أعلم.
  3. مصنف ابن أبي شيبة برقم 8741.
  4. مصنف ابن أبي شيبة برقم 29284.
  5. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم 29218، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 18001 و17324، ومصنف عبد الرزاق برقم 13556. وبرقم 17042.
  6. ( ( سَلَحَ، يقال إذا خرئ الطير أو الوحش أو الحمار، وهو شتمٌ وإهانة له ، لما فعله، وذلك ما كان عليه صالحو هذه الأمة كباراً وصغاراً، من القرون الخيرة، أما اليوم؛ فلا تجد التمعّض والغضب والإنكار إلاّ من قلة قليلة، نسأل الله تعالى أن يعيد لأمتنا مجدها وأن يرجعها لدينها كما يحب ويرضى.
  7. انظر: المحلى بالآثار لابن حزم، ج4 ص 311-312، والبصائر والذخائر، لأبي حيان الأندلسي، ج1 ص 448، والشعر والشعراء لابن قتيبة، ج1 ص 65. وخزاة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي، ج4 ص 74.
  8. مصنف عبد الرزاق ج9 ص 232 برقم 17045.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

شرب الدخان والسجاير للصائم

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية العوائد

رجل في بعض القرى يصوم ولكنه في نهار رمضان - وهو صائم - يشرب الدخان "السجاير" ويقول : إنه غير مفطر وهو مكروه فقط . ما حكمه ؟

جواب فضيلة الشيخ

السجاير وشرب الدخان حرام باتفاق جماهير أهل العلم ، ولا يختلف في حرمته فقيه في الشرع عالم بمقاصده ، لأنه ضار بإجماع الأطباء وأهل العلم بالطب، وفعل ما فيه ضرر بين ـ قطعياً كان أو غالباً ـ محرم باتفاق . ومع ذلك قال كل من سئل عن حكمه بالحرمة . إلا ما حُكيَّ عن بعض المتأخرين والمعاصرين بأنه مكروهٌ كراهة تحريم. “والمكروه كراهة التحريم” مصطلح معروف عند أهل الفقه والأصول، خاص بالحنفية وهو من قسم المحرم عندهم الذي لا يكفر منكره ، بينما المحرم يكفر منكره لأن دليل المحرم قطعي لا شبهة فيه ودليل المكروه كراهة التحريم فيه شبهة عندهم، والمشهور عن الحنفية التحريم، فالشربتلالي في نظمه نصّ قائلاً: ويمنع من بيع الدخان وشربه. والعلامة عبد الحي اللكنوي ألّف رسالة خاصة بذلك سماها: زجر أرباب الريان عن شب الدخان(1) .

فالسجاير محرمة ولا يُعلم خلاف في حرمته في عصرنا لما ثبت من ضررها القطعي بالشارب والمشتم معاً باتفاق الأطباء من أهل المعرفة بذلك، وإنْ كان للعلامة علي الأجهوري المالكي ولعبد الغني النابلسي في عصرهما خلافٌ(2)، ولو أنهما علما ما علمه علماء العصر في هذا الزمان؛ ما وسعهما إلاّ موافقة الناس في حرمته، مثلما فعل الشيخ الزيادي الشافعي رحمه الله.

قال البجيرمي رحمه الله: « وأما الدخان الحادث الآن المسمى بالنتن لعن الله من أحدثه فإنه من البدع القبيحة، فقد أفتى شيخنا الزيادي أولاً بأنه لا يفطر، لأنه إذ ذاك لم يكن يعرف حقيقته، فلمَّا رأى أثره بالبوصة التي يشرب بها؛ رجع وأفتى بأنه يفطر»(3).

وفي شرحه قول الخطيب: ( ويحرم ما يضر البدن أو العقل ) يقول البجيمي: ومنه يُعلم حرمة الدخان المشهور، لما نقل عن الثقات أنه يورث العمى والترهل والتنافيس واتساع المجاري(4). وذكر بعضهم أن من أسباب تحريمه: أنه يفتح مجاري البدن ويهيئها لقبول الأمراض المضرة (5).وهذا ما توصّل إليه البحث الطبي الحديث في زماننا أنه سبب لقبول الجسم التسرطن.

وذهب الحنابلة إلى أن شارب الدخان المعلن له فاسق كما جاء في الشرح الممتع لابن عثيمين رحمه الله: « ولو أذن المعلن بفسقه كحالق اللحية ومن يشرب الدخان جهرا، فإنه لا يصح أذانه على كلام المؤلف». وجاء في موضع آخر: « ولو اجتمع شخصان كلاهما يشرب الدخان لم يصل أحدهما بالآخر، لأن كل واحد منهما فاسق » (6).

ونقل إبراهيم اللقاني رحمه الله عن بعض فقهاء السودان وقد سئل عنه رحمه الله تعالى: « ظهرت أوراق شجر في تنبكتو وابتلي المسلمون بحرقها وشرب دخانها في كل وقت زاعمين أنها دواء لكل داء واستعملها خاصتهم وعامتهم وسلاطينهم وكبراؤهم وغلت أثمانها وهذا من غش الشيطان وتلبيسه وتزيينه فإنه يتولد من تكاثف دخانها في أجوافهم أمراض وعلل ».

وذكر عن شيخه سالم السنهوري رحمه الله قائلاً: « وسئل عنه أي الدخان شيخنا وقدوتنا العلامة سالم السنهوري، فأفتى بتحريمه واستمر على فتواه به إلى موته، ولم يخالفه فيه أحدٌ من علماء عصره، وتابعه عليه أهل الدين والصلاح والرشد من الحنفية وغيرهم ».

وجزم اللقاني رحمه الله بأن مذهب الحنفية التحريم(7).

وبهذا ثبت تحريم شرب الدخان والسجاير في المذاهب الأربعة.

ومما ذكره الفقهاء في زمانهم عن علّة تحريمه:

1ـ أنه من غش الشيطان وتلبيسه وتزيينه فإنه يتولد من تكاثف دخانها في أجوافهم أمراض وعلل.

2ـ تكرار الدخان يسوّد ما يتعلّق به، وتتولّد منه الحرارة، فتكون داءً مزمناً مهلكاً، فيشمله قوله سبحانه ﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ﴾ [ النساء،29].

3ـ أنّ مبدأ خروج الدخان من أرض النصارى الإنكليز، استعملوه على هذه الهيئة، فمن استعمله فقد أحيا سنتهم وقوىَّ بدعتهم.

4ـ دعوى أن فيه بعض الشفاء لبعض الناس؛ أنه لا شفاء فيه أصلاً، وضرره مشاهد في أكثر مستعمليه، وأدنى ضرره إفساده العقل والبدن، وتلويث الظاهر والباطن المأمور بتنقيتها شرعاً وعادةً ومروءةً، كما يلوث آلة شربه. والظاهر عنوان الباطن واستعمال المضر حرام.

5ـ أطبق الأطباء على أن أصناف الدخان مجففة ونص القانون وأصناف جميع الدخان مجففة بجوهره الأرضي وفيه نارية مشوبة بجوهرة الناري ولذا يطلب العلو ما دام مختلطا بالأجزاء النارية ا هـ . فإذا كان مجففا للرطوبات البدنية فقد أدى إلى حصول أمراض كثيرة واحتراق الكبد والدماغ والقلب ويتبعها في ذلك سائر البدن.

6ـ ما قاله رئيس الأطباء أبو علي بن سينا: « لولا الدخان والقتام لعاش ابن آدم ألف عام » (8).

هذا؛ غير المضار والمفاسد التعبدية المترتبة على شرب الدخان، وقد قال الشيخ الخرشي شارح خليل رحمه الله في ذلك:

في الناس قومٌ سخافٌ لا عقول لهم * استبدلوا عوض التسبيح دخانا

أنبـوبة في فــمٍ والنًّــــــــــــــار داخلها * تجـرُّ للجوف دخــــــاناً ونيرانا

لو كان في ذاك ذكر الله مـــــــا قربت * إليهــــــم النَّار إجــلالاً لمولانا

وقال بعضهم:

من قـرأ القــرآن منتن الـــــــــــــفم من غيـــــــــــر ردة أتى بمــأثم

وشارب الــدخان بالإثــــــم أحقّْ لأنه أنتنـــــــــــــــــــه بغـير حقّْ

وعلى كلٍّ: فشرب في نهار رمضان يفسد الصوم(9)، لأنه فعلٌ محرّمٌ يمكن التحرز منه ، فإن فعله متعمّداً عالماً بإفساده وجب عليه القضاء والكفارة، لأنه منتهك حُرمة الصيام بمحرّم، وإن فعله جاهلاً بإفساده وجب عليه القضاء، وإن فعله ناسياً، لا قضاء عليه مع الإثم .

وبإيجاب شرب الدخان والسجاير في نهار رمضان القضاء والكفارة أفتى المالكية والحنفية.

وقد سئل الشيخ عليش عمن شرب الدخان في نهار رمضان عامدا فهل تلزمه الكفارة ؟. فأجاب: نعم تلزمه الكفارة إن وصل لجوفه. قال ابن عرفة تجب الكفارة في إفساد صوم رمضان انتهاكا له بموجب الغسل وطئاً وإنزالاً والإفطار بما يصل إلى الجوف أو المعدة من الفم. وفي المختصر: وكفّر إنْ تعمّد أكلاً أو شرباً بفم فقط، ووصل لجوفه، وقال عبد الباقي” لعله الزرقاني”: الدخان الذي يشرب مفطر إذ هو متكيف ويصل إلى الحلق، بل إلى الجوف أحياناً ويقصد. وفي المجموع : وصحته بترك ما يصل المعدة مطلقا أو الحلق من مائع أو دخان ثم قال: كفّر منتهك رمضان بإدخالٍ من فمٍ فقط.. » ا هـ (10).

وفي موضع آخر قال: « وضع الدخان في الفم على الوجه المذكور مضاد لحقيقة الصيام التي هي الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر الصادق إلى تمام غروب الشمس بنية ; لأنه نوع من أنواع التكيف به تسميه العامة مضغاَ ويصل طعمه للحلق ويتكيف به الدماغ مثل تكيفه بالدخان الذي يمص بالعود أو يتنشق به من الأنف أو أشد فلا شك في إفطاره الصائم وإيجابه الكفارة الكبرى إن كان في أداء رمضان عمدا بلا تأويل قريب»(11).

وقد نظم الشربتلالي الحنفي في ذلك بيتين قائلاً (12) :

ويمنع من بيع الدخان وشربه

وشاربه في الصوم لا شكَّ يفطر

ويلزمه التكفير لو ظنَّ نافعاً

كذا دافعاً شهوات بطنٍ فقرروا (13)

الحواشي

  1. انظر: حاشية ابن عابدين ج2 ص 98، والجامع الصغير عبد الحي اللكنوي، ص 60.
  2. راجع: حاشية ابن عابدين ج6 ص 456.
  3. تحفة الحبيب على شرح الخطيب لسليمان البجيرمي، ج3 ص 110 .
  4. تحفة الحبيب ، ج5 ص 233.
  5. انظر: حاشيتي قليوبي وعميرة، ج1 ص 341.
  6. الشرح الممتع على زاد المستنقع للعثيمين، ج2 ص 69، ج4 ص 216.
  7. راجع هذا وما قبلهما في فتح العلي المال في الفتوى على مذهب الإمام مالك ج1 ص 284 .
  8. كل هذه الأسباب وغيرها من الفصل السابع من رسالة إبراهيم اللقاني رحمه الله ( نصيحة الإخوان باجتناب الدخان) نقله الشيخ عليش في: فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، ج1 ص 283 – 288.
  9. ذكر الشيخ الدردير في شرحه الكبير ج1 ص 525 أن الدخان الذي يُشرب بقصب ونحوه يفطر لأنه يصل للحلق بل للجوف. وراجع أيضاً حاشية الدسوقي ج5 ص 119، لأنه يصل للحلق ويتكيف به الدماغ .
  10. فتح العلي المالك، فتاوى الشيخ عليش ج1 ص 436 .
  11. فتاوى عليش (فتح العلي المالك) : ج1 ص 437.
  12. حاشية ابن عابدين 2/98 وناظمه الشربتلالي .
  13. وقد أصدر مجلس الإفتاء الشرعي بالسودان في جلسته بتاريخ 20/11/1990م و 29/10/1991م فتوى بتحريم السجاير ، ونصّ شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت على تحريمها وأيضاً الدكتور أحمد الشرباصي في كتابه يسألونك في الدين و الحياة ص 258 – 259 ، وكذلك الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه الحلال والحرام ص 77 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن

لديك مسألةٌ تُشكل عليك؟ استفتِ الشيخ

اكتب سؤالك وسيصل مباشرةً إلى مكتب فضيلة الشيخ، ويصلك الجواب على بريدك.

الردّ خلال ٣–٧ أيام بياناتك محفوظة ولا تُنشر ١١٣ فتوى منشورة
استفتِ الشيخ
فتوى مختارة

صوم المرأة بغير إذن زوجها

زوجتي كثيرة العبادة والحمد لله، وأكثر ما تحبه من العبادات الصيام، فهي ترغب أن تصوم كل اثنين وخميس وبعد ذلك تصوم ثلاثة أيام من كل شهر، ولا تفوت يوم عرفة ولا عاشوراء وأيام شوال بعد العيد مباشرة، وأنا شاب أحتاج إليها، وأخجل أن أطلب منها أن…

اقرأ الجواب