الخميس 8 أكتوبر 2026م
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ

الرئيسية ← الفتاوى

الفتــاوى

فتاوى فضيلة الشيخ في العبادات والمعاملات المالية والنوازل المعاصرة — ولمن أراد أن يسأل، فباب الاستفتاء مفتوح.

س

(البخاخ) لمريض الربو

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية المرض

مريض الأزمة "حساسية الربو" تراوده الحساسية في كل يوم، فيأخذ لها البخاخ فيهدأ الربو، وهذه عادته في رمضان وغير رمضان. فهل البخاخ للأزمة يبطل الصيام ويفسده ؟ وأيهما أولى لمريض الأزمة "حساسية الربو" : أن يستخدم البخاخ ويتمكن من صيام رمضان أم أن يفطر ، وبهذا لن يتمكن من قضاء ما أفطر ؟

جواب فضيلة الشيخ

هذه المسألة من نوازل العصر، وقد ذهب فيه علماء الشرع إلى قولين:

القول الأول: أنه لا يضرّ الصائم المريض بحساسية الربو “الأزمة الصدرية” استعمال البخاخ أثناء الصيام، ولا يفسد ذلك صومه، ويستمر في صومه ولا شيء عليه.

وهو الذي ذهب إليه مجلس الإفتاء الشرعي في السودان، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، وبه قال الشيخ القرضاوي، وهو قول ابن باز وابن عثيمين وغيرهم(1)..

وأصدر مجلس الإفتاء الشرعي في السودان في جلسته بتاريخ 11/3/1995م فتوى في أمر استعمال البخاخ للصائم المريض بالأزمة ونصها: ” لا مانع شرعاً من استعمال البخاخة للصائم لأنها لا تعد طعاماً ولا شراباً “.

والقول الثاني: أنه مفطر، وعلى من احتاج إلى استعماله القضاء: وهذا ما ذهب إليه الشيخ الغرياني مفتي ليبيا في كتابه( مدونة الفقه المالكي)، وغيره(2). وحجتهم في فساد الصوم باستعمال البخاخ:

1ـ أن هواء البخاخ لا يختلف عن بخار القدر في إفساد الصوم، لأن بخار القدر منعشٌ ومغذٍّ، وهذه الصفة متحققة في بخاخ الربو.

2ـ أن مادة دواء البخاخ مركبة من أجزاء خاصة غير أجزاء الهواء المعتاد، وهو دواء منه ما هو سائل ومنه ما هو غاز، وتناول ما هو سائل يفطر، ولا يختلف الدواء في حقيقته ، فكان مفطراً.

3ـ أنّ شيئاً من مكونات هذا الدواء يصل إلى المعدة بمنفذ معتاد، فكان مفطراً.

إلا أنّ الشيخ الغرياني مع رأيه هذا؛ ذهب إلى أنه لا قضاء على من يستعمله بصفة دائمة. تخريجاً على قول بعض المالكية في العطشان إذا بلغ العطش به مبلغاً شديداً؛ أنّ له أنْ يشرب ولا قضاء عليه (3).

فاتفق مع القول الأول القاضي بعدم تأثير استعمال البخاخ أثناء الصيام على الصائم.

وعليه: فإن الراجح هو القول بجواز استعمال البخاخ لمرضى حساسية الربو أثناء صيامهم في نهار رمضان، ولا قضاء عليهم، بل يبقى صيامهم دون فساد.

والدليل على صحة صومهم وعدم الإفطار بالبخاخ أمورٌ:

الأول: أن الأصل صحة الصيام وبقاؤه حتى يرد دليل على فساده، ولا دليل على فساد من استعمل البخاخ عند حاجته أو اضطراره.

الأمر الثاني: أنّ حجة من رأى فساد الصوم باستعمال البخاخ هو وصول شيء من رذاذ البخاخ إلى المعدة. وهذا مشكوك فيه، غير متفق عليه بين الأطباء أهل الشأن والمعرفة بذلك، فلا يزيل يقين الصوم.

الأمر الثالث: حتى لو وصل شيء منه إلى جوف المعدة، فإنه يسير معفو عنه لا يضر صوم الصائم لأمرين:

أولهما: أنه أقل من الذي يصل إلى الجوف من بقية المضمضة باتفاق أهل المعرفة، فالبخاخ مقدار المحلول فيه (10 ملليرات) تكفي لـ مائتي بخة. وعليه فالبخة الواحدة مقدارها جزء من عشرين (1/20 من الملليتر الواحد)عامته تذهب إلى الرئة والشعب الهوائية والقصبة الهوائية، ثم جزء من هذا قد يصل إلى المعدة. ومثل هذا لا يفطر.

ثانيهما: أنه أقل من بقايا السواك الذي يصل إلى المعدة، والرسول ﷺ كان يستاك وهو صائم ما لا يحصى من المرَّات، كما حدّث عامر بن ربيعة رضي الله عنه، ففي صحيح البخاري عنه قال: ” رأيت النبي ﷺ يستاك وهو صائم ما لا أحصي، أو أعد” (4).

فإذا لم يحصل الفطر بسبب السواك والمضمضة ؛ فمن باب أولى لا يحصل برذاذ البخاخ.

الأمر الرابع: أنه لا يشبه الأكل والشرب، ولا يمكن أن يكون بديلاً عن الأكل والشرب، ولا يذهب جوعاً ولا عطشاً. فلا يكون مفسداً للصوم

وعلى هذا: فصحيحٌ أن يصوم مريض الأزمة (حساسية الربو) ويواصل في صومه، وإن احتاج إلى استخدام البخاخ ..

ولكن مع ذلك: يحسن له أن يصبر إلى الغروب مراعاة للخلاف وخروجاً منه، إنْ لم يكن في ذلك ضرر عليه، أو ازدياد الربو، أو المعاناة والمشقة. والله تعالى أعلم ..

الحواشي

  1. راجع: فتاوى اللجنة الدائمة للإتاء والبحوث السعودية، فتاوى أركان الإسلام لابن عثيمين، ص 475، مجموع فتاوى ابن باز، ج5 ص 249، فقه الصيام للقرضاوي، ص 63ـ64.
  2. راجع: مدونة الفقه المالكي وأدلته، ج1 ص 645، فتاوى مركز الفتوى التابع لشبكة إسلام أون لا ين بإشراف عبد الله بافقيه.
  3. راجع مدونة الفقه المالكي للغرياني، ص 646.
  4. صحيح البخاري ج3 ص 40، باب سواك الرطب واليابس للصائم.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الحقنة مع الصيام

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية المرض

مريض دخل عليه رمضان وهو مستمر في العلاج ولم يكمل أخذ (الحقن) المقررة له من الطبيب ، ويجد في نفسه قوة للصيام ، فهل أخذ (الحقنة) في نهار رمضان يفسد صومه ؟

جواب فضيلة الشيخ

(الحقنة) المعروفة لدى أسلافنا الكرام رحمهم الله تعالى ورضي عنهم هي (الحقنة) الشرجية خاصة . قال القاضي عياض رحمه الله : “(الحقنة) هي ما يستعمله الإنسان لدوائه من أسفله”(1) . والآن توسع استعمال (الحقنة) للمداواة فاستخدمت في العضل وفي الوريد ، و(الحقنة) منها ما يؤخذ للتداوي، ومنها ما يؤخذ للتقوية ، ومنها ما يؤخذ للتغذية .

و(الحقن) المداوية والمقوية جميعها لا تفطر :

أولاً : لأن العلماء اشترطوا في المفطرات ثلاثة شروط يجب تحققها جميعاً هي:

الأول: أن يكون مما يمكن الاحتراز منه ، فإن لم يكن كالذباب وغبار الطريق ونحوهما فلا .

الثاني : أن يكون مما يغذي ، فإن كان مما لا يغذي فلا .

الثالث : أن يصل إلي الجوف من المنافذ المعتادة(2) .

و(الحقن) في هذا الزمان لا تصل إلى الجوف ، وإن وصلته لا تصل إليه من المنافذ المعتادة ، فهي غالباً إما أن تعطى في الجلد ، أو في العروق، أو في الأوردة . أما (الحقنة) الشرجية فقد جعلها كثير من الفقهاء مفطرة، كالحنفية والشافعية والحنابلة وبعض المالكية .

واختار ابن تيمية صحة الصوم مع (الحقنة) مطلقاً(3) .

ثانياً: تخريجاً على اشتراط الشافعية، فقد اشترطوا في الواصل إلى المعدة “كونه من منفذ مفتوح، فلا يضر وصول الدهن بتسرب المسام”(4).

و(الحقن) الوريدية والعِرقية والعضلية أشبه ما يكون تسرباً بالمسام، فلا تضر بالصيام .

ثالثاً : أجمع علماء العصر على أن (الحقن) المداوية والمقويّة لا تفطر(5). ونصّ على ذلك كل من: شيخ الأزهر: محمود شلتوت، والشيخ محمد سلامة جبر ، والشيخ علي الطنطاوي(6) .

ويظهر عدم الخلاف في ذلك من كلام النووي في المجموع حيث قال: “لو أوصل الدواء إلي داخل لحم الساق أو غرز فيه سكيناً أو غيرها فوصلت مخّه لم يفطر بلا خلاف ، لأنه لا يعد عضواً مجوفاً” أهـ (7).

[2] (الحقن) المغذية ، أي التي تكون بديلاً عن المغذيات بالفم(8 لم يتفق علماء العصر في جوازها، فكانوا على قولين :

القول الأول : أنها مفطرة ، لأنها مغذية كالأكل والشرب، وللحطاب من المالكية قول يفهم منه أنها تفطر حسب القاعدة التي وضعها فقد قال: “واختلف في الاحتقان بالمائعات، هل يقع به فطر أو لا يقع به؟ وأن لا يقع به أحسن ، لأن ذلك مما لا يصل إلى المعدة ، ولا إلى موضع يتصرف منه ما يغذي الجسم بحال”أ.هـ(9) . وقد ذهب إلى ترجيح كونها مفطرة الشيخ محمد الشيباني في تبيين المسالك(10) .

والقول الثاني : وهو ما ذهب إليه جمهور المعاصرين ممن تكلم في المسألة أنها كالحقن الأخرى ، غير مفطرة ، فيبقى الصوم صحيحاً وإن أخذ [الدِّرب أو الجلكوز ] . ووجه ذلك :

[1] أنها لا تدخل إلى الجوف من منفذ معتاد على قاعدة الفقهاء.

[2] وأنها لا تُذهب الجوع والعطش، ولا يحس من تناولها بالشبع والري، لأنه لا يدخل المعدة، وإن أحس بنشاط وانتعاش بعدها، وهذا الانتعاش أو النشاط لا يكفيان للإفطار بهما، وإلا لحكمنا على من اغتسل بماء بارد بالإفطار وفساد الصوم ، ومن تلفف بثوب مبلول فانتعش؛ ببطلان صومه، وهذا لا يكون(11)،وهذا هو الراجح المختار إن شاء الله تعالى.

الحواشي

  1. التاج والإكليل ، 2/424 .
  2. انظر : القوانين الفقهية لابن جزئ الكلبي ، ص 80 ، وينظر : المغني 3/39 .
  3. الفتاوى 25/234 .
  4. انظر : مغني المحتاج ، 1/428 .
  5. نقل الإجماع القرضاوي في كتابه : فقه الصيام ص 100 .
  6. يراجع : فتاوى شلتوت ص 136 ، فتاوى محمد سلامة جبر ص 77 ، فتاوى علي الطنطاوي، ص 230-231 .
  7. المجموع شرح المهذب ، 6/322 . لأن ما ذكره وحقيقة (الحقن) أمرٌ واحد ، وهو إيصال الدواء إلى داخل اللحم .
  8. (4) وهو ما يعرف اليوم بـ [ الدِّرِبّ ] أو [ الجلكوز ].
  9. مواهب الجليل للحطاب ، 2/424 .
  10. راجع : تبيين المسالك لتدريب السالك ، 2/158 .
  11. انظر : فقه الصيام للقرضاوي ، ص 101 ، فتاوى شلتوت ، ص 136 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

القيء للصائم

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية المرض

هل القيء يفسد الصوم ويوجب القضاء ؟

جواب فضيلة الشيخ

الأصل في هذه المسألة حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (من ذرعه القيء فلا شيء عليه ، ومن استقاء فعليه القضاء )(1) . وفي رواية الترمذي: (ومن استقاء عمداً فليقض )(2) .

[1] أخذ عامة أهل العلم بهذا الحديث فقالوا : من ذرعه القيء وغلبه وخرج دون إرادته ؛ فلا شيء عليه وصومه صحيح(3) .

[2] من ذرعه القيء ولكن رجع منه شيء إلى حلقه بعد وصوله إلى فمه، عليه القضاء عند المالكية(4) .

[3] من استقاء عمداً فسد صومه باتفاقهم، وقد نقل الإجماع ابن المنذر فقال:”وأجمعوا على إبطال صوم من استقاء عامداً”(5). ويلزمه القضاء عند عامة الفقهاء لصريح قوله ﷺ: ( ومن استقاء فعليه القضاء). وقد اختلف قول المالكية في حكم القضاء هل على الوجوب أم على الاستحباب؟.

فذهب الأبهري منهم إلى أنه على الاستحباب.

وذهب جمهور أهل المذهب إلى أنه على الوجوب، وهو قول الحنفية والشافعية وغيرهم. وهو الصحيح الذي جاء نصّ الحديث به: ( ومن استقاء فعليه القضاء).

وفرّق بعض المالكية بين المستقيء والمستقيء عامداً، فألزموا المستقيء عامداً بالكفارة مع القضاء وهو قول ابن الماجشون والأبهري والقاضي عبد الوهاب، ولعلهم أعملوا الروايتين: رواية أحمد وأبي داود بلفظ: ( … ومن استقاء فعليه القضاء) ورواية الترمذي: (.. ومن استقاء عمداً فعليه القضاء) غير أنّ ابن العربي أبطل هذا القول، رحمهم الله تعالى جميعاً(6).

[4] إذا قاء وهو صائم صوم تطوع فإن القيء يفطره إذا ضعف بسببه عن مواصلة الصوم ، ولا قضاء عليه ، لحديث أبي الدرداء : ( أن النبي ﷺ قاء فأفطر)(7) حيث حمله الجمهور على صيام التطوع .

الحواشي

  1. أخرجه أحمد في المسند 2/498 وأبو داود في كتاب الصوم برقم (2380) . ومعنى ذرعه : غلبه وسبقه دون إرادة منه وقصد.
  2. سنن الترمذي : كتاب الصوم برقم (720) وحسنه .
  3. وخالف ربيعة والحسن وقالا: إنه مفطر. انظر بداية المجتهد 2/156، والإجماع لابن المنذر، ص 15، المسألة (125) .
  4. الشرح الصغير 1/698 ، كفاية الطالب 2/269 .
  5. الإجماع لابن المنذر ، ص 15 ، المسألة رقم (126) .
  6. راجع بتوسع: المسالك في شرح موطأ مالك، لابن العربي، ج4 ص 225.
  7. أبو داود برقم 2381 . وخالف طاووس فقال لا يفطر بداية المجتهد 2/157.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

الاحتجام للصائم

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — الصيام وأقضية المرض

صائم احتاج إلى الحجامة والفصد ، فهل يفسد ذلك صومه ؟

جواب فضيلة الشيخ

الحجامة هي فصد قليل من الدم من على سطح الجلد باستخدام كأس زجاجي لتخفيف بعض الآلام والأوجاع والأمراض(1) . وهي والفصد بمعنى واحد.

وفي حجامة الصائم ذهب أكثر العلماء من الصحابة والتابعين وتابعيهم والمذاهب الفقهية المتبوعة إلى أنها لا تفسد الصوم ولا تفطر الصائم ، ومن احتجم وهو صائم صحّ صومه وبقي ولا شيء عليه لا قضاء ولا كفارة . وذلك لحديث ابن عباس رضي الله عنهما : (أن رسول الله ﷺ احتجم وهو صائم)(2).

ولهـذا :

كان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يحتجم وهو صائم .

وكان الزبير بن العوام رضي الله عنه يحتجم وهو صائم ثم لا يفطر، قال عروة: “وما رأيته احتجم قط إلا وهو صائم”(3) .

وقال بكير عن أم علقمة : “كنا نحتجم عند عائشة فلا نُنهى”(4) .

وكان أنس يحتجم وهو صائم(5) .

وكره مالك وأبو حنيفة الحجامة إذا كانت تضعفه عن الصوم ، وهو ما روي عن أنس بن مالك .

وذهب الحنابلة وجماعة من أهل الحديث إلى أن الحجامة يفطر بها الحاجم والمحجوم لحديث النبي ﷺ: ( أفطر الحاجم والمحجوم)(6). فمن احتجم صائماً فعليه القضاء .

وشذ عطاء عن جماعة العلماء فأوجب الكفارة في الاحتجام(7) .

والصحيح : مذهب الجمهور أنه لا يكره الاحتجام إلا إذا كان يضعف عن الصوم ، وأنه لا قضاء عليه ، لأن النبي ﷺ ثبت عنه في الصحيح أنه احتجم وهو صائم .

أما حديث ( أفطر الحاجم والمحجوم ) فلم يأخذ الجمهور بظاهره لأسباب:

منها : أن الأصل في الصائم أنه لا يكون مفطراً إذا سلم من الأكل والشرب والجماع إلا بسنة لا معارض لها ، وهذا الحديث له معارض، وهو ما صحّ عند البخاري وغيره ؛ أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم .

ومنها : أن حديث ( أفطر الحاجم والمحجوم ) نسخه حديث ابن عباس ( احتجم رسول الله ﷺ وهو صائم ) ، لأن الحديث الأول وقع عام الفتح، وحديث ابن عباس وقع في حجة الوداع لأن في بعض رواياته الصحيحة ( احتجم صائماً محرماً ) وابن عباس شهد معه حجة الوداع(8).

ولأنه جاء في حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: ( رخّص رسول الله ﷺ في الحجامة للصائم)(9) .

ومنها : أن الظاهر مؤول بأن المراد بقوله : ( أفطر الحاجم والمحجوم ) أنهما أفطرا : أي فقدا ثواب الصوم ، وكسبا أثماً ، لأنهما كانا يغتابان في صومهما(10). والله تعالى أعلم ..

الحواشي

  1. يراجع : الطب النبوي لابن القيم ص 162 وما بعدها .
  2. أخرجه البخاري في كتاب الصوم برقم 1939 ، وأبو داود في الصيام برقم 2372 .
  3. كلاهما في الموطأ ، 298 .
  4. صحيح البخاري كتاب الصوم باب الحجامة والقيء للصائم ، 4/205 مع فتح الباري .
  5. الدار قطني : 2/182 .
  6. أخرجه أحمد 5/280 ، والحاكم 1/427 وصححاه ووافق الذهبي الحاكم في تصحيحه.
  7. راجع المذاهب والأقوال في : حاشية بن عابدين 2/98 ، المغني 3/37-39 ، الاستذكار 10/117 وما بعدها ، المجموع 6/363-366 ، مجموعة فتاوى ابن تيمية 25/252 وما بعدها ، فتح الباري 4/205-211 ، تبيين المسالك 2/158 ، كفاية الطالب الرباني 2/268 .
  8. ذكره الشافعي في كتاب اختلاف الحديث ص 197 أنه منسوخ .
  9. البزار والطبراني ورجال البزار رجال الصحيح . انظر مجمع الزوائد 3/170 .
  10. المجموع شرح المهذب 6/376-368 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

القُبلة للصائم

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان

هل يفسد صوم الصائم إذ قبَّل امرأته ؟

جواب فضيلة الشيخ

السنة الواردة في قُبلة الصائم هي :

[1] عن عائشة قالت : ( إن كان رسول الله ﷺ ليُقبِّل بعض أزواجه وهو صائم ، ثم ضحكت )(1).

[2] وعن حفصة قالت : ( كان رسول الله ﷺ يُقبِّل وهو صائم)(2).

[3] وعن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه أنه سأل رسول الله ﷺ: أيُقبِّل الصائم؟ فقال له رسول الله ﷺ: [ سَلْ هذه ] لأم سلمة . فأخبرته أن رسول الله ﷺ يصنع ذلك . فقال يا رسول الله: قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر. فقال له: [ أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له](3).

ظَنَّ ابن أبي سلمة أن القُبلة مع الصيام من خصائصه عليه الصلاة والسلام فبيَّن له أنه ليس من خصائصه .

[4] عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : ” هششتُ فقبَّلتُ وأنا صائم، فقلتُ: يا رسول الله ! صنعتُ اليوم أمراً عظيماً، قبَّلتُ وأنا صائم ‍‍‍‍‍ فقال النبي ﷺ: ( أرأيتَ لو مضمضتَ من الماء وأنت صائم؟) قلت: لا بأس به. قال: (فَمَهْ)(4) .

ففي كل هذه السنن والروايات إباحة القُبلة للصائم من غير تقييد أو تخصيص، فدلّ أن القُبلة للصائم لا تحرم عليه ولا تفسد صومه .

ولكنا وجدنا النبي ﷺ يفرّق في فتواه بين الشاب قوي الشهوة وبين الشيخ. فقد أخرج أحمد أن شاباً سأله فقال: أقبِّل وأنا صائم ؟ قال: (لا) وسأله شيخ: أقبِّل وأنا صائم ؟ قال : [نعم] ، ثم قال ﷺ:[ إنَّ الشيخ يملك نفسه](5) .. وفي رواية لأبي داود : ” أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن المباشرة للصائم فرخص له ، وأتاه آخر فسأله فنهاه ، فإذا الذي رخص له شيخ والذي نهاه شاب “(6).

ويفهم هذا المعنى من كلام عائشة : (كان رسول الله ﷺ يُقبِّل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه كان أملك لإربه)(7).

ولهذا فرَّق العلماء بين الشاب والشيخ ، وبين من كانت شهوته مفرطة وبين من كانت شهوته عادية :

فمن كانت شهوته مفرطة : تحرم عليه القُبلة وهو صائم ، لأنها مظنة إفساد صومه ، وبهذا قال الحنابلة وهو الأصح عند الشافعية.

ومن كانت شهوته عادية : تكره عند المالكية والحنابلة ، ولم يكرهها الأحناف وهو مذهب عمر وعلي وأبي هريرة وجماعة من الصحابة .

ومن كان ممن لا تحرك القُبلة شهوته : كالشيخ الكبير لم تكره ولم تحرم.

ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أنزل بالقُبلة فسد صومه ، وعليه القضاء عند أكثر العلماء ، وعند مالك القضاء والكفارة .

أما إذا قبَّل فأمذى ؛ فلا شيء عليه عند الجمهور ، واختلف قول المالكية فقال جمهورهم عليه القضاء ، وقال البغداديون منهم : القضاء استحباب لا وجوب (8).

الحواشي

  1. البخاري كتاب الصيام باب القبلة للصائم حديث رقم (1928) .
  2. مسلم في كتاب الصيام برقم (2581) .
  3. مسلم في الصيام برقم (2583) .
  4. أبو داود في كتاب الصوم حديث رقم (2385) .
  5. أخرجه أحمد في المسند 2/158 برقم 6757.
  6. أبو داود في الصيام برقم (2387)
  7. أخرجه أبو داود في الصوم برقم (2382) ، والترمذي في الصيام برقم (729) وقال : حديث حسن صحيح .
  8. راجع الأقوال والمذاهب في : الاستذكار 10/57-58 ، المغني 3/78 ، مجموع الفتاوى 25/265، شرح النووي لصحيح مسلم 8/216 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

السفر إلى بلد تأخَّر صيام أهله أو تقدّم

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان

شخصٌ صام أياماً في بلده، ثم سافر إلى بلدٍ تأخرت رؤية الهلال فيه وبدأ أهله صيام رمضان في اليوم الثاني من صيام بلده ، فاستكمل المسافر ثلاثين يوماً من حين صام ، وأهل البلد الذي سافر إليهم صاموا تسعة وعشرين يوماً. فماذا يصنع ؟

جواب فضيلة الشيخ

أولاً : طالما استكمل ثلاثين يوماً من حين صام يفطر لسببين :

السبب الأول: أنه صام ثلاثين يوماً ، وهو أقصى مدة الشهر القمري، ولا يتجاوز شهرٌ منه الثلاثين. فلو وافقهم وصام معهم يكون قد تجاوز الشهر وليس عليه أن يصوم أكثر من الثلاثين.

السبب الثاني :أن صيامه صحيح لصحة سببه ، وهو ثبوت الشهر ثبوتاً شرعياً في بلده ، فلا يلزمه إلا صيام الثلاثين .

وأصل المسألة حديث كريب ، وهو أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام ، قال ” فقدمتُ الشام فقضيتُ حاجتها ، واستهلَّ عليَّ هلال رمضان وأنا بالشام ، فرأينا الهلال ليلة الجمعة ، ثم قدمتُ المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس : متى رأيتم الهلال؟ فقلتُ : رأيناه ليلة الجمعة . فقال : أنت رأيته ليلة الجمعة ؟ فقلتُ : رآه الناس فصاموا وصام معاوية . فقال : لكن رأيناه ليلة السبت ، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين يوماً أو نراه. فقلتُ : ألا نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: (هكذا أمرنا رسول الله)(1)” .

والشاهد : قول ابن عباس ” فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين يوماً أو نراه “

وفيه أن كريباً لم يلزم بموافقتهم والصيام معهم ، وأن ذلك موافق لما أمر به رسول الله ﷺ.

وفي هذه الحالة لا يُظهر أنه مفطر ، يمسك في نفسه ويخفي فطره موافقة للناس .

ثانياً : قد ينعكس الحال ، فيكون قد صام برؤية بلده ثم سافر إلى بلدٍ تقدمت رؤيتهم .

ففي هذه الحالة : إن أفطروا على تسعة وعشرين يوماً أفطر معهم وقضى اليوم الأول ، لأنه يكون قد صام ثمانية وعشرين يوماً، والشهر أقله أن يكون تسعة وعشرين يوماً . أما إذا استكملوا ثلاثين من حين صاموا أفطر معهم ، ولا يقضي اليوم الأول(2) . والله تعالى أعلم .

الحواشي

  1. أخرجه الترمذي في كتاب الصيام ، حديث رقم (963) وقال : حديث حسنٌ صحيح.
  2. جاء في المجموع : إن تأخرت رؤيتهم وأكمل الثلاثين : أصحهما يلزمه الصوم معهم لأنه صار منهم والثاني يفطر لأنه التزم حكم الأول . وإن تقدمت رؤيتهم يفطر معهم ويقضي اليوم الأخير أو يصوم ولا يفطر . وجاء في مجموع الفتاوى : من صام برؤية مكان ثم سافر إلى مكان تقدمت رؤيتهم فإنه يفطر معهم ولا يقضي اليوم الأول ، وإن تأخرت رؤيتهم يفطر وحده كالمنفرد برؤيته ، أو يصوم معهم ولو صام إحدي وثلاثين يوماً انظر : المجموع شرح المهذب للنووي 6/276 ، ومجموع فتاوى ابن تيمية 25/106-107
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

مَن عَلِمَ بالصوم نهاراً

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان

بعد يومٍ طويلٍ وشاقٍّ في عملي جئت مساءً فنمت، ونامت أهلي، فلما أصبحنا أكلنا وشربنا ، وبعد شروق الشمس وذهابي للعمل أخبرني زملائي أن الدولة أعلنت بالأمس ليلاً أنّ هذا اليوم هو أول أيام شهر رمضان، فوقعت في حيرة، هل أمسك بقية اليوم أم لا؟ وهل إذا أمسكت بقية اليوم أكون مطالباً بقضائه بعد رمضان؟.أفيدوني يرحمكم الله.

جواب فضيلة الشيخ

أولاً: هذه المسألة في عصرنا هذا قد تكون نادرة الوقوع، ولا يُتصوّر وقوعه إلاّ في الريف أو عند من لا يملك وسيلة اتصال من تلفاز أو هاتف أو نحو ذلك، اللهم إلا قليلاً كحالة المستفتي.

والواجب على المسلم في ليلة التاسع والعشرين من شعبان أنْ يتحرّى الشهر، وأنْ لا ينام حتى يطمئنّ على ثبوته أو عدم ثبوته.

وفي الغالب يحرص المسؤولون في إعلام المسلمين بثبوت الشهر أو عدم ثبوته قبل توجّه الناس لصلاة العشاء رعاية لصلاة التراويح، على أنّ الشهر لو ثبت يبدأ الناس في صلاة التراويح مع العشاء. ولذلك لا ينبغي للمسلم أن ينام قبل التأكّد، أو على الأقل أن يكلّف أهله أو أحداً من جيرانه أو معارفه بتتبع الأخبار لإبلاغه وإخباره، فإنْ لم يفعل شيئاً من ذلك يكون مقصّراً إلا أن ينسى هو وأهله كون الليلة ليلة التاسع والعشرين من شعبان.

ثانياً: إذا أصبح فأكل وشرب أو لم يأكل ولم يشرب، ثم علم بالنهار دخول شهر رمضان، فالواجب عليه الإمساك بقية اليوم على رأي الجمهور من المذاهب الأربعة (1).

وذهب عطاء وبعض الشافعية إلى أنّ إمساك بقية اليوم ليس بواجب فلا يلزمهم، محتجين بأنّهم أفطروا بعذر، فلم يلزمهم إمساك بقية النهار، كالحائض إذا طهرت وكالمسافر إذا أقام(2).

وإنْ لم يأكل ولم يشرب ثم علم أنه من رمضان فأمسك بقية اليوم؛ فالمحكيّ عن أبي إسحاق من الشافعية أنه يكون صائماً من حين أمسك، وهو قول شاذٌّ حكم النووي رحمه الله عليه بالفساد(3).

والدليل على وجوب الإمساك بقية اليوم أكل أو لم يأكل:

1- حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أنّ رسول الله عليه السلام أمر مناديه يوم عاشوراء: « أنَّ من كان اصطبح فليمسك، ومن لم يكن اصطبح فليتمّ صومه »(4).

2- وفي أيام عمر بن عبد العزيز رحمه الله شهد قوم على الهلال بعد ما أصبح الناس، فقال رحمه الله: >من أكل فليمسك عن الطعام، ومن لم يأكل، فليصم بقية يومه< (5).

ثالثاً: وإذا أمسك بقية صومه هذا ، فهل يجب عليه القضاء؟

فالعلماء على مذاهب:

المذهب الأول: أنه يجب عليه القضاء، وهو الذي قال به جمهور العلماء(6).

والمذهب الثاني: أنه صوم صحيح لا قضاء معه إنْ لم يكن أكل أو شرب ثم أمسك، وهو الذي حكاه أبو حامد الاسفراييني عن أبي إسحاق المروزي من الشافعية (7).

والمذهب الثالث: أنه لا قضاء عليه، إذا أمسك وأتمّ يومه، أكل أو لم يأكل، وهو قول ابن تيمية، قال في الفتاوى: « الهلال إذا ثبت في أثناء يوم قبل الأكل أو بعده أتموا وأمسكوا، ولا قضاء عليهم، كما لو بلغ صبي أو أفاق مجنون على أصح الأقوال الثلاثة» . وجاء في الاختيارات: « و يصح صوم الفرض بنية النهار إذا لم يعلم وجوبه بالليل، كما إذا قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار، فإنه يتم بقية يومه ولا يلزمه قضاء، وإن كان أكل » (8). وتبعه على ذلك ابن القيم والشوكاني رحمهم الله (9).

والمذهب الرابع: للإمامين الأوزاعي والليث بن سعد رحمهما الله، أنه إذا أصبح مفطراً إلا أنه لم يطعم، ثم جاءهم الخبر أنه من رمضان؛ فإنهم يتمّون صيامهم ولا قضاء عليهم.

قال الليث: « وإن لم يأتهم الخبر إلا بعد ذلك اليوم أو بعد ما أمسوا؛ كان عليهم قضاء ذلك اليوم » (10).

والراجح هو مذهب الجمهور، القاضي بوجوب الإمساك والقضاء، من وجهين:

الوجه الأول: أن البينة قامت برؤية هلال رمضان، والمكلف مأمور أن يصوم إذا رؤي الهلال، وهو وإنْ أمسك عن الطعام والشراب إلا أنه لم يأت فيه بصوم صحيح، فوجب عليه القضاء.

الوجه الثاني: أن من شرط صحة الصوم النية المعقودة من الليل ، لحديث النبي ﷺ: ( من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له)(11). وهذا لم يبيّت صيام هذا اليوم من الليل، فوجب عليه أن يقضيه.

والله أعلم.

الحواشي

  1. انظر: القوانين الفقهية ، ص 135، المناهل الزلالة في شرح الرسالة ، ج3 ص 1064،المختصر الفقهي لابن عرفة ،ج2 ص 62، الاستذكار لابن عبد البر، ج10 ص 231 – 233، الشرح الكبير مع المغني لابني قدامة ، ج3 ص15، كشاف القناع، للبهوتي، ج2 ص 310.
  2. المهذب مع المجموع ، ج6 ص 272، الشرح الكبير مع المغني لابني قدامة، ج3 ص 15.
  3. راجع المجموع شرح المهذب ، ج6 ص 274.
  4. أخرجه البخاري في صحيحه برقم 2007، 1903، 1868، وأحمد 16559، وصححه شعيب الأرناؤوط، واللفظ لأحمد.
  5. المصنف لأبن أبي شيبة ، ج3 ص 69، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (6/123): وسنده صحيح على شرط الشيخين.
  6. الاستذكار ، ج10 ص 233، فقرة 14689.
  7. المجموع شرح المهذب، ج6 ص 273 – 274 .
  8. مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج25 ص 109. ص 118، والاختيارات الفقهية لابن تيمية، ج4 ص 63 .
  9. نسبه إليهما الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة، ج6 ص 123.
  10. الاستذكار ، ج10 ص 234 فقرة 14694، 14695 . وج10 ص 36 فقرة رقم 13837.
  11. سبق تخريجه في مسألة النية للصيام، ص 73 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

النية للصيام

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان

هل يلزم الصائم أن ينوي صيام رمضان ومتى تكون النِّية ؟ وهل يُجدّد النِّية لكل يوم من رمضان أم تكفيه نية واحدة لكل الشهر ؟

جواب فضيلة الشيخ

النية ركن من أركان الصيام لا يكون الصيام ولا يصح إلا بها لقول النبي ﷺ: ( إنّما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى)(1). فيلزم كل من أراد أن يصوم رمضان أن ينوي صيام رمضان .

وفي وقت عقد النِّية بالصيام قال العلماء :

[1] ينوي قبل طلوع الفجر في كل صيام واجب ، كصيام رمضان وصيام القضاء والكفارة والنذر، وهذا معنى التبييت في قول النبي ﷺ: (من لم يبيّت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له )(2) . هذا ما ذهب إليه الجمهور. وحُكيَّ عن زفر من الحنفية وعن عطاء ومجاهد أنهم قالوا: “يصحّ صوم رمضان في حق المقيم الصحيح بغير نية ” وقد احتج زفر لهذا الرأي : ” بأنه لا يصحّ فيه غير صوم رمضان لتعيّنه ، فلا يفتقر إلى نية، لأن الزمن معيار له، فلا يتصوّر في يوم واحد إلا صوم واحد”.

وهذا رأي مردود من وجهين :

الوجه الأول : أن هذا الرأي يقتضي تصحيح صوم المغمى عليه في رمضان إذا لم يأكل ويشرب ، لوجود الإمساك من غير نية . وهذا أمر مستشنع. كما وصفه أبو بكر الرازي من الحنفية(3) .

الوجه الثاني: أن هذا الرأي مخالف للنص الصريح من النبي ﷺ الذي يبيّن فيه أنه لا يصح الصوم إلا بالنية . وما خالف النص من الرأي مردود إذ لا اجتهاد مع النص ، ولا حظ للنظر مع الأثر .

إِذَنْ: يشترط في صيام رمضان وكل صيام واجب النية من الليل، وتصح النية إذا نوى في أي جزء من الليل من الغروب إلى طلوع الفجر .

[2] أجاز المالكية وبعض الشافعية عقد نية الصيام مع طلوع الفجر، لأنه عبادة ، والعبادات تجوز بنية تقارن ابتداءها ، كذلك الصيام(4) .

وهذا وجه صحيح في حالة نسيان عقد النية قبل طلوع الفجر أو الغفلة عنها في جزء من الليل ، في هذه الحالة يصحّ الصوم بنية عُقدت مع طلوع الفجر .

وذهب الشوكاني إلى أن من لم يتبين له وجوب الصوم إلا بعد دخول النهار كان عذراً له عن التبييت(5) .

أما في صيام التطوع :

فلا يشترط النية قبل طلوع الفجر، بل صحّ مع نية بعد طلوع الفجر.

قال العلماء :

[1] يجوز صيام التطوع بنيّة بعد طلوع الفجر وقبل الزوال ، شريطة أن لا يأكل شيئاً ، فإن أكل شيئاً ثم نوى لم يصحّ صومه ، وهذا قول الجمهور ـ الحنفية والشافعية والحنابلة ـ وهو قول ابن عباس ، وعلي، وابن مسعود، وحذيفة، وأنس بن مالك، وأبي الدرداء، وأبي طلحة، (6) .

وحجتهم حديث عائشة قالت : قال لي رسول الله ﷺ ذات يوم : ( يا عائشة ! هل عندكم شيء ؟ قالت: فقلت: يا رسول الله ما عندنا شيء. قال : فإني صائم)(7).

وعند ابن أبي شيبة عنها قالت : ( ربما دعا رسول الله ﷺ بغدائه فلا يجده فيفرض عليه الصوم ذلك اليوم )(8).

[2] وقال مالك وداود : لا يجوز صيام التطوع إلا بنية من الليل، لعموم قوله ﷺ: ( من لم يبيّت الصيام قبل الفجر فلا صيام له )(9) ، ولم يخص ﷺ في هذا الحديث فرضاً ولا سنة من نفل .

وهو قول ابن عمر وحفصة (10) .

والصحيح : جواز نيّة صيام التطوع بالنهار وقبل الزوال ، لأن عموم حديث: ( من لم يبيّت الصيام ) قد خصصه حديث عائشة : (هل عندكم شيء؟ إِذَنْ فإني صائم ) .

ولا يشترط في عقد النِّية التلفظ بها ، بل تتحقق النِّية بالقصد والعزم في القلب دون اللفظ باللسان ، أو بما يدلّ على القصد والعزم . فمن تسحر ليصوم الغد فقد نوى . وإن استحب الشافعية التلفظ بالنِّية .

وهل يشترط أن ينوي الصائم ليلة كل يوم من رمضان ؟

قال أبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد في رواية : يحتاج صوم كل يوم من رمضان إلى نيّة .

وقال مالك والليث بن سعد وإسحاق بن راهوية وأحمد في الرواية الثانية: من بيّت الصيام أول ليلة من رمضان أجزأه ذلك عن سائر الشهر لأن من كان شأنه صيام يوم من الأيام لا يدعه فإنه لا يحتاج إلى التبييت.

وهو الصحيح : لأنه صيام متصل لا يجوز قطعه إلا لعذر ، ولأن حديث ( من لم يبيّت الصيام قبل الفجر فلا صيام له ) فيه جواز صيام الشهر كله بنية جامعة ، والألف واللام في “الصيام” للعهد ، والمعهود صيام شهر رمضان. وقد سيق الحديث لأجله.

والله أعلم ..

الحواشي

  1. أخرجه البخاري كتاب الوحي باب كيف كان بدأ الوحي برقم 1 ، ج1 ص 3 ، ومسلم في باب إنما الأعمال بالنية 3/1515
  2. أخرجه مالك في الموطأ 1/288 ، والبيهقي في السنن الكبرى 4/203 ، والدار قطني 2/172 ، وأحمد في المسند 6/287 ، والترمذي بلفظ ( من لم يجمع ) في كتاب الصيام برقم (730) ، والنسائي برقم 2331، وابن ماجة في الصيام برقم (1700) بلفظ : ( لا صيام لمن لم يفرضه من الليل ) . وصححه ابن خزيمة في صحيحه 3/212 ، وابن حبان ، والحاكم وابن حزم في المحلى 6/162 . وحسنه السيوطي في الجامع الصغير 6/222 ، والنووي في المجموع 6/293 وصحح الألباني إسناد النسائي.
  3. انظر : فتح الباري 4/169 ، حاشية ابن عابدين 2/87 ، وهذا الوجه هو الذي ردّ به أبو بكر الرازي على زفر .
  4. انظر : الشرح الصغير مع حاشية الصاوي 1/695، المهذب للشيرازي مع المجموع، 6/292 .
  5. الدراري المضيئة شرح الدرر البهية للشوكاني ، 1/379 .
  6. راجع : المصنف لابن أبي شيبة 3/31 ، صحيح البخاري بشرح فتح الباري 4/167، الاستذكار لابن عبد البر 10/37 ، المغني لابن قدامة 3/27 ، المجموع شرح المهذب 6/297 .
  7. أخرجه مسلم في كتاب الصيام برقم (2707) ، والترمذي في كتاب الصيام برقم (733) .
  8. مصنف ابن أبي شيبة ، 3/31 .
  9. سبق تخريجه .
  10. انظر : الاستذكار 10/37، الشرح الصغير 1/695، المغني لابن قدامة 3/29-30.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

حكم ترائي الهلال وتحرِّيه

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان

حين يقترب شهر شعبان من الانتهاء نقرأ في الصحف إعلاناً من مجمع الفقه الإسلامي يطلب من الناس أن يتحرّوا هلال شهر رمضان ، فما حكم تحرّي الهلال؟ وهل واجب على كل أحد أن يتحرّى الهلال بنفسه أم يكفي لو تحرّى البعض ؟ أم ماذا؟ أفيدونا يرحمكم الله.

جواب فضيلة الشيخ

الترائي والتحرِّي يراد بهما معنىً واحداً، هو: طلب رؤية الهلال والتماسه في الأفق في أول كل شهر قمري بالطرق والوسائل المختلفة.

وهو من مطلوبات الشرع لإثبات الشهور المرتبطة بالعبادات، كشهر رمضان وشهر شوال وشهر ذي الحجة.

والنبي ﷺ تحرى الهلال وطلبه لمعرفة الشهر فقد قالت عائشة : (كان رسول الله ﷺ يتحفّظ من هلال شعبان ما لا يتحفّظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان..)(1) الحديث، والمعنى:يتكلّف في عدّ أيام شعبان لتحديد آخره لمعرفة يوم تحرّي هلال رمضان وترائيه للمحافظة على صوم رمضان (2).

وقال ﷺ: ( أحصوا هلال شعبان لرمضان) وفي رواية: (أحصوا هلال شعبان لرؤية رمضان)(3). وفي مراد أمره ﷺ قال شراح الحديث: ” تحرّوا هلال شعبان وأحصوه لرمضان ليترتب عليه الاستكمال أو الرؤية” (4).

وتراءَى صحابة رسول الله ﷺ رضوان الله عليهم فأقرّ من تراءَى منهم وأخذ بترائي الناس ﷺ.

وقد أخبر ابن عمر رضي الله عنهما عن ذلك فقال:”تراءَىَ الناس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ أنِّي رأيتُه، فصامه، وأمر الناس بصيامه” (5).

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينظر إلى الهلال فرآه رجل فقال: “يكفي المسلمين أحدهم” فأمر الناس فصاموا أو أفطروا.

وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا حلّت ليلة الثلاثين من شعبان يتحرَّى رؤية هلال رمضان. وكان يبعث من ينظر الهلال إذا مضى من شعبان تسع وعشرون(6).

وهكذا كان الترائي والتحرّي لهلال رمضان من سنن المصطفى ﷺ وصحابته الكرام اتبعهم فيها التابعون وتابَعوهم بإحسان إلى أنْ اتخذ القاضي المحدّثُ عبد الله بن لهيعة رحمه الله في زمان موسى بن علي بن رباح طريقة الخروج بجماعة من أهل المسجد يتحرّون رؤية الهلال بجامع عبود بسفح المقطم وأدخلوا تحرّي شهري رجب وشعبان، حتى أُعدّت للقضاة دكة عُرفت بـ “دكة القضاة” بجبل المقطم يجلسون عليها لنظر الأهلة منها.

ولهذا؛ اتفق فقهاء المذاهب على مشروعية الترائي والتحري لهلال شهر رمضان..

فعند الحنفية ـ من غير خلاف بينهم ـ الترائي فرض كفاية على الأمة إذا قام به جماعة يستكفى بهم وإلا أثم الجميع بتركه.

ـ وعند المالكية فرضٌ كفاية على الأمة، والمعنيّ بهذا الواجب هو الإمام، فلا يجوز له أن يضيّع أمر تحري الهلال ولا أن يتكاسل في التماسه . ويكون مستحباً للأفراد إذا حصلت الكفاية بجماعة يتحرونه ويتراءونه، فإذا ضيّع الإمام أمر الهلال وجب على الناس ترائيه وتحرّيه.

ـ وعند الشافعية يكون ترائي الهلال فرض كفاية عند عموم الحاجة إليه، وفي حالة عدم الحاجة يصير مستحباً.

ـ وعند الحنابلة يكون الترائي فرض كفاية إذا كانت العبادة المرتبطة بالشهر واجبة كصيام رمضان وحج بيت الله الحرام، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإن كانت العبادة مسنونة كان الترائي مسنوناً، إذ الوسائل لها أحكام الغايات(7).

وعليه: فواجب على الأمة في كل بلد إسلامي الاهتمام بأمر هلال رمضان خاصة والأشهر الأخرى عامة، لارتباط العبادات بها، حتى إذا أهمل الإمام أمر الهلال، فالإثم لا يسقط عنهم إذا ضيعوا أمر الهلال، وإنْ كان الإثم على ولاة الأمر أكبر.

والله تعالى أعلم..

الحواشي

  1. أخرجه أبو داود برقم 2325، والحاكم في المستدرك برقم 1540، وابن الجارود في المنتقى من السنن المسندة برقم 377، وابن حبان في صحيحه برقم 3444، وابن خزيمة برقم 1910، واللفظ لابن حبان وابن خزيمة.
  2. مرقاة المصابيح، لعلي القاري، ج4 ص 413.
  3. أخرجه الترمذي برقم 687، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 7729، والدارقطني برقم 28، وعبد الرزاق في مصنفه برقمك 7303 والطبراني في الأوسط برقم 8242، والحاكم في المستدرك ج1 ص 425 وصححه ووافقه الذهبي وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم 198.
  4. راجع: مشكاة المصابيح للتبريزي مع شرح المفاتيح، للمباركفوري ج6 ص 876.
  5. أخرجه أبو داود برقم 2342، والحاكم في المستدرك برقم 1541، وابن حبان ف ي صحيحه برقم 3447، والدارقطني برقم 1، والدارمي في سننه برقم 1691، والبيهقي في السنن الصغرى برقم 1331، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي ، وصححه حسين سليم أسد في تحقيق سنن الدارمي ج2 ص 9.
  6. أما خبر عمر بن الخطاب ففي المحلى بالآثار لابن حزم ج4 ص 377، وأما خبر ابنه عبد الله بن عمر ففي السنن الكبرى للبيهقي ج4 ص 204، وسنن الدارقطني ج3 ص 108، والتمهيد لابن عبد البر ج14 ص 348.
  7. راجع: للحنفية ، البداية ج1 ص 39، والهداية شرح البداية ج1 ص 119، والفتاوى الهندية ج1 ص 197، شرح فتح القدير ج2 ص 313، الاختيار لتعليل المختار ج1 ص 166، وللمالكية، الفواكه الدواني ج1 ص 303، المنتقى شرح الموطأ للباجي ج2 ص 153، التاج والإكليل للمواق ج2 ص 173، المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي، ج4 ص 165، وللشافعية، فتاوى السبكي ج1 ص 207، حاشيتي قليوبي وعميرة ج5 ص 322، شرح المحلي على المنهاج ج1 ص 122، نهاية المحتاج ج9 ص 405، الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر الهيتمي ج2 ص 73 – 74، حاشية الجمل ج1 ص 424، حاشية البجيرمي على المنهاج ج2 ص 67، بغية المسترشدين ص 223، وللحنابلة، المغني لابن قدامة ج3 ص 6-7، الشرح الكبير مع المغني ج3 ص 5، كشاف القناع ج2 ص 300، فقه النوازل لبكر أبوزيد، ج2 ص 197-198شرح زاد المستقنع للشنقيطي. وراجع بتوسع بحثنا: حكم ترائي الهلال والآليات المطلوبة في ترائيه اليوم.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
س

كبر الهلال وصغره في أول الشهر

فتاوى الصيام · · سأل: من كتاب «سؤالات الصائمين» — مسائل الأركان

كثيراً ما يختلف الناس في أول يوم من رمضان عند الإفطار وفي مآنسهم حين يشاهدون الهلال فيرونه كبيراً، فيذهب بعضهم إلى تخطئة علماء المجمع، وبعضهم إلى تصويبهم، وغالبيتهم يحكّمون الهلال بمقدار كبره وصغره، فيظن بعضهم أنهم قد أفطروا يوماً من رمضان، فيشكون في صحة الشهر، وهكذا.. نرجو توضيح هذه المسألة، وهل كبر الهلال وصغره له تأثير على ثبوت الشهر وصحة صيام الناس؟ أجيبونا نفع الله بعلمكم.

جواب فضيلة الشيخ

إنّ كبر الهلال وصغره ليس دليلاً على تقدّم ثبوته أو تأخره، لأنّ الهلال قد يكون مولوداً قبل أكثر من ثلاثين ساعة، ولكنه في ليلة التحري لم يكن في المقدور رؤيته بصرياً ولذلك ظهر كبيراً يوهم أن صيام من تأخر خطأٌ ومن سبق صوابٌ!!..

وحقيقة الأمر علمياً وفلكياً: أنّ الاقتران المركزي للقمر يكون قد تمّ في ساعة معينة، وذلك بأن يصبح مركز كلٍّ من الشمس والأرض والقمر على خط واحد، ويسمى ذلك بالاقتران أو المحاق، لانمحاق رؤية أي جزء من القمر في هذه الساعة، حتى ينحرف القمر قليلاً فتنعكس أشعة الشمس عليها فيُرى لأهل الأرض، ولحظة إمكان رؤية القمر يكون ميلاد الهلال الشرعي، بينما يكون القمر قد وُلد منذ لحظة الاقتران، فيكبر حجمه وسمكه بقدر مكثه بعد الاقتران إلى حين رؤية الناس له في الأرض.

فربما تم الاقتران في الثامنة نهار يوم الأحد مثلاً، ثم يغيب قبل غروب الشمس، فلا يرى إلا بعد غروب شمس يوم الاثنين في السابعة مساءً على سبيل المثال، فيكون عمر القمر حتى رؤي في مساء يوم الثلاثاء أول يوم من رمضان عند الإفطار قد بلغ سبعاً وأربعين (47)ساعة تقريباً، وهذا الهلال بلا شك سيظهر للناس كبيراً.

وربما تمّ الاقتران في الثالثة قبل فجر الاثنين مثلاً ثم ظهر للرائين بُعيد غروب شمس الثلاثاء، فرُؤي الهلال في بعض المناطق، فيكون عمره عند رؤيته ست عشرة ساعة (16) فلا شك أنه سيُرى أصغر حجماً وسُمكاً منه في الحالة الأولى، وهكذا..

وقد عبّر بعض أئمة الفقه السابقين لهذا العصر عن هذه الحالات[ حالة الاقتران، وحالة المكوث، وحالة الظهور] بثلاثة مصطلحات: فسمّوا الاقتران بالاجتماع، وظهور الهلال للرؤية بالاستهلال، وما بين الاقتران والرؤية بالاستسرار، وهو الذي عرف من ابن تيمية والقرافي والسبكي رحمهم الله تعالى(1).

وقد اكّدوا أنّ فترة الاستسرار ـ أي مكوث القمر في الفضاء بعد الاقتران حتى الرؤية ـ قد يكون لليلةٍ أو ليلتين. ولا شكّ أنّ مدة الليلتين قد تبلغ أكثر من أربعين ساعة، مما يقضي بظهور الهلال كبيراً للرائين.

هذا تفسير ما يجعل الهلال في مغرب اليوم الأول من رمضان يُرى كبيراً أو صغيراً..

ولهذا؛ فإنّ كبر حجم الهلال وصغره لا يعتبر دليلاً على تقدم الشهر أو تأخره.

ومثل الذي يقع للناس اليوم من الشكّ بسبب كبر الهلال وصغره؛ وقع للمسلمين في القرون الخيرة الأولى، وقد ترجم الإمام النووي رحمه الله باباً في صحيح مسلم بقوله: (بَيَانِ أَنَّهُ لاَ اعْتِبَارَ بِكِبَرِ الْهِلاَلِ وَصِغَرِهِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ ). وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أَبِى الْبَخْتَرِىِّ قَالَ: خَرَجْنَا لِلْعُمْرَةِ، فَلَمَّا نَزَلْنَا بِبَطْنِ نَخْلَةَ قَالَ : تَرَاءَيْنَا الْهِلاَلَ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ هُوَ ابْنُ ثَلاَثٍ. وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ قَالَ فَلَقِينَا ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فَقُلْنَا: إِنَّا رَأَيْنَا الْهِلاَلَ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ هُوَ ابْنُ ثَلاَثٍ وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ. فَقَالَ أَىَّ لَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ؟ قَالَ فَقُلْنَا: لَيْلَةَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ « إِنَّ اللَّهَ مَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ فَهُوَ لِلَيْلَةِ رَأَيْتُمُوهُ »(2).. وفي معجم الطبراني من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مِنِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ انْتِفَاخُ الأَهِلَّةِ )(3). ومن حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ( مِنِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ انْتِفَاخُ الأَهِلَّةِ، وَأَنْ يُرَى الْهِلالُ لِلَيْلَةٍ، فَيُقَالُ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ) (4).

وعليه: فصحة الصوم لرمضان بصحة ثبوت الشهر شرعاً، ولما تمّ التحري من ولاة الأمر من الأمراء والعلماء بالطرق العلمية والشرعية، فقد ثبت بذلك الشهر شرعاً، فيصح صوم الناس. فلا ينبغي أن يشوّش بعضنا على بعض ويدخل الشكّ في هذه العبادة العظيمة المرتبطة بهذا الشهر الفضيل المليء بالخير والبركة والرحمة والغفران، فالتفرغ لاغتنام خيراته التعرض لنفحاته هو الأولى بالصائمين، ومسؤولية إثبات الشهر أمانة قد تولاها العلماء والأمراء، نسأل الله تعالى أن يأخذ بأيدينا جميعاً إلى محابه ومراضيه، وأن يعننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. وأن يقبل منا صيامنا وقيامنا، وهو أكرم الأكرمين.

الحواشي

  1. لابن تيمية رسالة في الهلال، وفصل الطريق إلى معرفة رؤية الهلال، وللقرافي رسالة في كتاب سماه ( اليواقيت في أحكام المواقيت) وللسبكي رسالة بعنوان ( العلم المنشور في إثبات الشهور).
  2. صحيح مسلم برقم 2581 ج3 ص 127.
  3. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير برقم 10299وابن أبي شيبة في المصنف برقم 38707. وصححه الألباني انظر الجامع الصغير وزياداته (1/1084)، وقواه السخاوي، وقال في المقاصد الحسنة (1 / 677):” وبعضها يتقوى ببعض ولما أخرج العقيلي ثانيهما في ترجمة عبد الرحمن بن يوسف قال إنه غيرمحفوظ ولا يعرف إلا به. ومن شواهده ما للبخاري في التاريخ من طريق محمد بن معمر عن عمه عن طلحة بن أبي حدرد قال قال النبي صلى الله عليه وسلم( من اشراط الساعة أن يروا الهلال فيقولوا ابن ليلتين وهو ابن ليلة )اهـ .
  4. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ، برقم 185، وفي الأوسط برقم 6864، وفي الصغير برقم 877. وجوّد إسناده وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة ج5 ص 291 برقم 2292. قلت: ويشهد له حديث أبي البختري في صحيح مسلم.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن

لديك مسألةٌ تُشكل عليك؟ استفتِ الشيخ

اكتب سؤالك وسيصل مباشرةً إلى مكتب فضيلة الشيخ، ويصلك الجواب على بريدك.

الردّ خلال ٣–٧ أيام بياناتك محفوظة ولا تُنشر ١١٣ فتوى منشورة
استفتِ الشيخ
فتوى مختارة

مفسدات الاعتكاف

أنا حريصٌ على ان أعتكف اعتكافاً جيداً صحيحاً، وأريد أن أعرف ما يسلم به اعتكافي، وما يبطله ويفسده، فأرجو أن تفيدوني عن الأمور التي يبطل بها الاعتكاف حتى أبعد عنه وأحافظ على اعتكافي ولا أضيعه.

اقرأ الجواب